موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر السبت، ١٤ فبراير / شباط ٢٠٢٦
الصوم والانقطاع في الكنيسة الكاثوليكية: واجب روحي وكنسي

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

الصوم والانقطاع –إلى جانب الصلاة والصدقة وسائر أعمال المحبة– ينتمون منذ القدم إلى حياة الكنيسة وممارستها التقوية. فهم يستجيبون في الواقع إلى الحاجة الدائمة للمسيحي في التوجّه نحو ملكوت الله، وطلب الغفران عن الخطايا، والتضرع لنيل العون الإلهي، وتقديم الشكر والتسبيح للآب. في ممارسة التوبة ينخرط الإنسان بكليته، جسدًا وروحًا: الإنسان الذي له جسد يحتاج إلى الطعام والراحة، والإنسان الذي يفكر ويخطط ويصلي؛ الإنسان الذي يقتني ويتغذى من الخيرات، والإنسان الذي يهبها للآخرين؛ الإنسان الذي يميل إلى التملك والتمتع بالمنافع، والإنسان الذي يشعر بضرورة التضامن الذي يربطه بسائر البشر.

 

إن الصوم والانقطاع ليسا شكلاً من أشكال احتقار الجسد، بل هما وسيلتان لتقوية الروح، وجعله قادراً على تمجيد، من خلال العطاء الصادق للذات، البعد الجسدي للشخص نفسه. وهما من أقدم الممارسات الكنسية التي تجمع بين البعد الروحي واللاهوتي من جهة، والبعد القانوني والتنظيمي من جهة أخرى. فهما ليسا مجرد واجبات قانونية أو عادات تقليدية، بل هما في جوهرهما مسيرة روحية ولاهوتية تعكس علاقة الإنسان بالله وتعبّر عن سرّ الفداء في المسيح.

 

 

الصوم في الكتاب المقدس

 

يقدّم الكتاب المقدس الصوم كعلامة على التوبة والرجوع إلى الله، إذ نرى موسى يصوم أربعين يوماً وأربعين ليلة على جبل سيناء كما ورد في سفر الخروج: «وكان هناك عند الرب أربعين نهاراً وأربعين ليلة، لم يأكل خبزاً ولم يشرب ماءً» (خروج 34: 28). ويؤكد النبي يوئيل أن الصوم هو طريق العودة إلى الله: «ارجعوا إليّ بكل قلوبكم، وبالصوم والبكاء والنوح» (يوئيل 2: 12)، بينما يوضح إشعياء أن الصوم الحقيقي هو تحرير المظلومين ومشاركة الخبز مع الجائع: «أليس هذا صوماً أختاره: حلّ قيود الشر... أليس أن تكسر للجائع خبزك وأن تُدخل المساكين التائهين إلى بيتك؟» (إشعياء 58: 6-7). وفي سفر يونان نرى أهل نينوى يعلنون صوماً جماعياً كعلامة على توبتهم: «فآمن أهل نينوى بالله ونادوا بصوم ولبسوا مسوحاً من كبيرهم إلى صغيرهم» (يونان 3: 5).

 

أما في العهد الجديد، صحيح أن المعلّم لم يفرض بشكل صريح على تلاميذه ممارسة محددة للصوم أو الانقطاع، لكنه ذكّر بضرورة الصوم لمواجهة الشرير، وخلال حياته كلّها، وفي لحظات ذات دلالة خاصة، أبرز أهميته وبيّن الروح والأسلوب اللذين ينبغي أن يُعاش بهما. أربعون يوماً من الصوم سبقت المعركة الروحية مع "التجارب" التي واجهها يسوع في البرية وتغلّب عليها بالثبات على كلمة الله: «فأجاب وقال: مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله» (متى 4:4). بصومه هذا، هيّأ يسوع نفسه لإتمام رسالته الخلاصية في طاعة بنوية للآب وفي خدمة محبة للبشر.

 

وباستعادته ممارسة الصوم وقيمته كما كانت عند شعب إسرائيل، شدّد يسوع على معناه الداخلي والديني الأصيل، ورفض المظاهر الخارجية والرياء (متى 6: 1-6، 16-18): فالصوم والصلاة والصدقة هي فعل تقدمة ومحبة للآب «الذي في الخفاء» و«الذي يرى في الخفاء» (متى 6: 18). وهي تشكّل جانبًا جوهريًا من اتباع المسيح من قبل التلاميذ. وعندما سُئل عن سبب عدم ممارسة تلاميذه لأشكال الصوم المتداولة في بعض أوساط اليهودية آنذاك، أجاب: «هل يستطيع بنو العرس أن يصوموا ما دام العريس معهم؟» (مرقس 2: 19). فالممارسة التقوية للصوم لا تناسب التعبير عن فرح الشركة العرسية للتلاميذ مع يسوع. لكنه أضاف مباشرة: «ستأتي أيام يُرفع فيها العريس عنهم، فحينئذٍ يصومون» (مرقس 2: 20). في هذه الكلمات تجد الكنيسة أساس الدعوة إلى الصوم كعلامة لمشاركة التلاميذ في الحدث المؤلم المتمثل في آلام الرب وموته، وكشكل من العبادة الروحية والانتظار الساهر، الذي يبلغ ذروته في الاحتفال بالثلاثية الفصحية المقدسة.

 

إن الإشارة إلى المسيح وإلى موته وقيامته هي أمر جوهري وحاسم لتحديد المعنى المسيحي للصوم والانقطاع، كما هو الحال في كل أشكال الإماتة الأخرى: «إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني» (مر8: 34). ففي اتباع المسيح والتشبّه بصليبه المجيد يجد المسيحي هويته وقوته ليقبل ويعيش التوبة بثمر روحي وفائدة خلاصية. كما نرى الكنيسة الأولى تمارس الصوم في لحظات حاسمة من رسالتها: «وبينما هم يخدمون الرب ويصومون، قال الروح القدس: أفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتُهما إليه» (أع 13: 2)، وكذلك عند اختيار الكهنة: «ثم صلّوا بأصوام واستودعوهم للرب» (أع 14: 23).

 

هذه النصوص الكتابية تؤكد أن الصوم والانقطاع هما لغة القلب قبل أن يكونا ممارسة جسدية، وأنهما طريق للتوبة والاتحاد بالله، يعبّران عن توق الإنسان إلى الله ورغبته في التحرر من ثقل المادة والانفتاح على النعمة. حين يصوم المؤمن، لا يكتفي بالحرمان من الطعام، بل يدخل في مسيرة داخلية يتعلّم فيها أن "لا يحيا الإنسان بالخبز وحده بل بكل كلمة تخرج من فم الله". وهو تذكير بأن الجسد مدعو إلى أن يخضع للروح، وأن الحرمان المؤقت من الطعام يفتح المجال أمام شبع أعمق هو شبع الروح من حضور الله. أما الانقطاع، فهو علامة على الاتحاد بآلام المسيح، إذ يعبّر المؤمن من خلاله عن المشاركة في تضحيته وعن الرغبة في أن يكون قربانًا روحيًا مقبولاً لدى الله. وهكذا يتحول الانقطاع إلى فعل حب، حيث يقدّم الإنسان ذاته لله في بساطة الطاعة، ويجعل من جسده أداة تسبيح لا أداة شهوة.

 

 

الناحية القانونية

 

أما من الناحية القانونية، فقد حدّد شرع الكنيسة اللاتينية لعام 1983 هذه الممارسات بدقة، إذ ينص في القانون 1249:

 

"يُلزم القانون الإلهي جميع المؤمنين، كل بطريقته الخاصة، بالقيام بأعمال التوبة، غير أنه ولكي يتحد الجميع في ممارسة مشتركة لأعمال التوبة، تُفرض أيام توبة، يكون على المؤمنين فيها أن يتفرّغوا للصلاة بطريقة خاصة، وأن يُمارسوا أعمال التقوى والرحمة، وأن يكفروا بذواتهم، متممين واجباتهم الخاصة بأمانة أكبر، وحافظين بصورة خاصة الصوم والإنقطاع بموجب القوانين اللاحقة".

 

ويحدد في القانون 1250 أيامًا وأزمنة خاصة لذلك مثل جميع أيام الجمعة من السنة وزمن الصوم الكبير. ويضيف القانون 1251 "يجب مراعاة الإنقطاع عن أكل اللحم أو عن أي طعام آخر، بموجب تعليمات مؤتمر الأساقفة، جميع أيام الجمع من السنة، ما لم يقع فيها أي من الأعياد الاحتفالية؛ كما يجب مراعاة الإنقطاع والصوم يومي أربعاء الرماد والجمعة الحزينة، حيث تذكر الكنيسة آلام ربنا يسوع المسيح وموته".

 

ويُحدد القانون 1252 سنّ الالتزام بالانقطاع "من أتموا الرابعة عشرة من العمر؛ أما قانون الصوم، فيلزم جميع من بلغوا سن الرشد، وحتى بداية السنة الستين من عمرهم". كما يمنح القانون 1253 للمجالس الأسقفية صلاحية تحديد أشكال أخرى من التوبة تتناسب مع الظروف الثقافية والاجتماعية، مما يعكس مرونة التشريع الكنسي وقدرته على التكيّف مع مختلف البيئات مع الحفاظ على جوهر الممارسة. لنقرأ النصّ: "يستطيع مؤتمر الأساقفة أن يُفصّل بدقة أكثر، كيفية مراعاة الصوم والإنقطاع، بالإضافة إلى باقي أشكال التوبة، ولا سيما أعمال الرحمة والممارسات التقوية، التي يمكن أن تحل كلياً او جزئياً محل الإنقطاع والصوم".

 

أما مجموعة قوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكية لسنة 1990 فقد تناولت الموضوع بشكل صريح في القوانين 882–887، حيث نص القانون 882 على "يجب على المؤمنين في أيام التوبة أن يحفظوا الصوم أو الانقطاع، بالطريقة المحددة في الشرع الخاص بكنيستهم المتمتعة بحكم ذاتي". وأكد القانون 883 "بوسع المؤمنين الذين هم خارج حدود منطقة كنيستهم المتمتعة بحكم ذاتي، أن يجاروا على وجه تام -في ما يخص أيام الأعياد وأيام التوبة- القواعد السارية في المكان الذي يقيمون فيه. البند 2- في العائلات التي ينتمي فيها الأزواج إلى كنائس مختلفة متمتعة بحكم ذاتي، يجوز التقيّد -في ما يخص أيام الأعياد وأيام التوبة- بأحكام هذه أو تلك من الكنائس المتمتعة بحكم ذاتي". يمنح الشرع السلطة للسينودس أو البطريرك أو المجلس الأسقفي لتحديد أشكال أخرى من التوبة أو استبدال الصوم والانقطاع بممارسات روحية أو أعمال محبة بحسب الظروف الثقافية والاجتماعية.

 

لذلك، نستنتج:

 

1. قانون الصوم «يلزم المؤمنين بالاكتفاء بوجبة واحدة خلال اليوم، غير أنّه لا يمنع من تناول قدر يسير من الطعام في الصباح والمساء، وذلك مع مراعاة الكمية والنوعية وفقًا للعادات المحلية المعتمدة».

 

2. قانون الانقطاع يحظر تناول اللحوم، وكذلك الأطعمة والمشروبات التي تُعدّ، وفق حكم رشيد، من الأصناف الفاخرة أو الباهظة الثمن.

 

3. يجب أن يُمارَس الصوم والانقطاع، بالمعنى المحدّد أعلاه، في أربعاء الرماد وفي جمعة آلام ووفاة ربنا يسوع المسيح؛ ويُستحب ممارستهما أيضًا في سبت النور حتى بدء السهرة الفصحية.

 

4. يجب الالتزام بالانقطاع في جميع أيام الجمعة من زمن الصوم الكبير، ما لم يتوافق ذلك مع يوم يُعدّ من الأعياد الكبرى (مثل 19 أو 25 آذار). وفي سائر أيام الجمعة من السنة، ما لم تتوافق مع عيد كبير، ينبغي ممارسة الانقطاع بالمعنى المذكور، أو القيام بعمل آخر من أعمال التوبة أو الصلاة أو المحبة.

 

5. يُلزم بقانون الصوم جميع البالغين حتى بداية سن الستين؛ أما قانون الانقطاع فيلزم كل من أتمّ الرابعة عشرة من العمر.

 

6. يمكن أن تُعفي من الالتزام بالصوم والانقطاع أسباب وجيهة، مثل الحالة الصحية. كما أن «كاهن الرعيّة، لسبب عادل ووفقًا لتوجيهات الأسقف الأبرشي، يمكنه أن يمنح الإعفاء من الالتزام بممارسة يوم التوبة، أو أن يستبدله بأعمال تقوية أخرى.

 

من زاوية أوسع، يمكن القول إن القانون الكنسي في كلا التقليدين (اللاتيني والشرقي) يحقق ثلاثة أهداف: أولاً، تحديد الحد الأدنى الملزم الذي يضمن أن جميع المؤمنين يشاركون في ممارسة جماعية للصوم والانقطاع؛ ثانيًا، إعطاء السلطة المحلية (المؤتمرات الأسقفية في الغرب، والسينودسات والبطريركيات في الشرق) صلاحية تكييف هذه الممارسات بما يناسب الواقع الثقافي والاجتماعي؛ ثالثًا، تأكيد البعد الروحي من خلال ربط القانون باللاهوت، بحيث لا يُفهم الصوم والانقطاع كواجب شكلي بل كوسيلة للتوبة والاتحاد بالمسيح. وهكذا يتضح أن الصوم والانقطاع في الشرعين هما واجبات قانونية ذات بعد روحي، وأن مخالفتها لا تُعامل كجريمة كبرى بل كإخلال بالواجب الروحي، يُعالج عادةً عبر التوبة والتوجيه، مع إمكانية اتخاذ إجراءات تأديبية خفيفة إذا كان الإهمال متحدياً للسلطة الكنسية. هذا التوازن بين الإلزام والمرونة، وبين القانون والروح، يُظهر حكمة التشريع الكنسي في التعامل مع هذه الممارسات، إذ يسعى إلى الحفاظ على وحدة الكنيسة دون أن يتحول إلى أداة قمع، بل إلى وسيلة تربوية تقود المؤمن إلى التقديس والحرية الداخلية.

 

هذا التوازن بين الإلزام القانوني والمرونة المحلية يعكس فلسفة القانون الكنسي: فهو لا يهدف إلى فرض عبء ثقيل على المؤمنين، بل إلى ضمان وحدة الممارسة مع احترام التنوع الثقافي والروحي. ففي بعض البلدان، يُستبدل الانقطاع عن اللحوم بأعمال محبة أو تبرعات للفقراء، بينما في بلدان أخرى يُحافظ على الانقطاع الصارم أيام الجمعة. الرعايا عادةً تنظّم برامج روحية في زمن الصوم الكبير، مثل رتبة درب الصليب أو صلوات جماعية، لتساعد المؤمنين على عيش الصوم ليس فقط كحرمان غذائي بل كمسيرة روحية جماعية. هنا يظهر البعد الرعوي: القانون يضع الحد الأدنى، لكن الرعاة يوسّعون المعنى ليشمل التربية الروحية والعمل الخيري.

 

أما في الكنائس الشرقية الكاثوليكية، فالتطبيق أكثر تنوعًا وغنى، لأن كل كنيسة شرقية لها تقاليدها الخاصة. الكنيسة المارونية مثلاً تحتفظ بصوم طويل يمتد لأسابيع، مع التزام بالانقطاع عن اللحوم ومنتجات الألبان في بعض الأيام، بينما الكنيسة القبطية الكاثوليكية تتبع تقليدًا صارمًا في الصوم الكبير يشمل أصنافًا غذائية متعددة. في هذه الكنائس، يُعتبر الصوم جزءًا من الهوية الروحية والطقسية، ويُعاش بشكل جماعي قوي، حيث تُنظَّم الصلوات الطقسية الخاصة، وتُشدد العظات على معنى التوبة والاشتراك في آلام المسيح. الرعاة هنا لا يكتفون بالتذكير بالقوانين، بل يربطونها مباشرة بالتراث الروحي والطقسي، مما يجعل المؤمن يشعر أن الصوم ليس مجرد واجب قانوني بل جزء من انتمائه الكنسي.

 

من الناحية العملية، إذا أهمل المؤمن هذه الممارسات، فإن الكنيسة عادةً لا تلجأ إلى العقوبات القانونية، بل إلى التوجيه الروحي. يُشجع المؤمن على الاعتراف والتوبة، وقد يُواجه بتوبيخ رعوي أو يُمنع مؤقتًا من الاشتراك في بعض الأسرار إذا كان الإهمال متحديًا للسلطة الكنسية. لكن الهدف في كلا التقليدين يبقى واحداً: إعادة المؤمن إلى الشركة الروحية والجماعية، لا فرض العقوبة في ذاتها.

 

وهكذا، فإن التطبيق الرعوي اليوم يُظهر أن القانون الكنسي، ليس غاية في ذاته بل وسيلة لحماية الممارسة الروحية وضمان طابعها الجماعي. الصوم والانقطاع يُعاشان كعلامة على الشركة في الإيمان وكوسيلة تربوية روحية، حيث يتحول الحرمان الفردي إلى فعل محبة جماعية، وما يُوفَّر من الطعام أو الملذات يُقدَّم للفقراء والمحتاجين. بهذا الشكل، يبقى الصوم والانقطاع طريقاً للتقديس والحرية الداخلية، ويُظهران كيف أن القانون واللاهوت والرعاية يلتقون معاً في خدمة حياة المؤمن والكنيسة.

 

البعد الروحي للصوم والانقطاع يتجاوز الفردية ليأخذ طابعًا جماعيًا، فالكنيسة حين تحدد أيامًا وأزمنة للصوم والانقطاع، فإنها تدعو أبناءها إلى ممارسة مشتركة تعكس وحدة الجسد الكنسي. هذه الوحدة تجعل من الصوم علامة على الشركة في الإيمان، وتحوّل الحرمان الفردي إلى فعل محبة جماعية، حيث ما يُوفَّر من الطعام أو الملذات يتحوّل إلى عطاء للفقراء والمحتاجين. وهكذا يصبح الصوم والانقطاع وسيلة تربوية روحية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالله وبالقريب، وتؤكد أن الحرية الحقيقية لا تتحقق إلا من خلال الانفصال عن التعلّق بالماديات والانفتاح على المحبة الإلهية.

 

إن الصوم والانقطاع في النهاية هما دعوة إلى التقديس، إذ يعلّمان المؤمن أن يوجّه رغباته نحو الله، وأن يحوّل ضعفه إلى قوة بالنعمة، وأن يعيش في جسده ما عاشه المسيح من طاعة وصبر وتضحية. لذلك فإنهما ليسا مجرد واجب قانوني أو ممارسة شكلية، بل هما طريق روحي ولاهوتي يقود المؤمن إلى عمق الشركة مع الله وإلى اختبار الحرية الداخلية التي تنبع من المحبة.