موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تعيش سوريا في المرحلة الراهنة مسارًا متدرجًا من الاستقرار وإعادة البناء، بعد سنوات صعبة أثّرت في جميع مكوّنات المجتمع. وفي هذا السياق، يواصل المسيحيون في سوريا أداء رسالتهم التاريخية بوصفهم جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني، وشركاء فاعلين في مسيرة التعافي الاجتماعي والروحي. إنّ هذا الحضور، الذي يمتدّ جذوره إلى القرون الأولى للمسيحية، لا يزال اليوم علامة حيّة على قدرة الإنسان السوري على الصمود، وعلى رغبة جماعية في بناء مستقبل يقوم على السلام والاحترام المتبادل.
شهدت الأشهر الأخيرة تحسنًا ملحوظًا في الظروف العامة التي يعيشها المسيحيون، حيث عاد الكثيرون إلى ممارسة حياتهم اليومية ضمن بيئة أكثر استقرارًا، وبدأت الكنائس والمؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية تستعيد دورها الطبيعي في خدمة المجتمع. وقد ساهم هذا المناخ في تعزيز الثقة، وتشجيع العديد من العائلات على العودة إلى مناطقها، واستئناف حياتها الروحية والاجتماعية. وتواصل المؤسسات المسيحية في سوريا -من مدارس ومستشفيات ومراكز اجتماعية- تقديم خدماتها لجميع المواطنين دون تمييز، مما يجعلها جسورًا حقيقية للتلاقي والتعاون بين مختلف مكوّنات المجتمع السوري. كما تشهد البلاد مبادرات متزايدة لتعزيز ثقافة العيش المشترك، من خلال التعاون بين القيادات الدينية، وتنظيم لقاءات مشتركة تُعزّز قيم الاحترام والمواطنة.
إنّ الحضور المسيحي في سوريا اليوم يحمل في طياته رسالة رجاء واضحة. فالمؤمنون، رغم ما مرّوا به من تحديات، يواصلون الإسهام في الأعمال الإنسانية، سواء عبر المبادرات التعليمية والصحية، أو من خلال العمل الاجتماعي والإنساني الذي يهدف إلى دعم الفئات الأكثر حاجة. ويبرز الشباب المسيحي بشكل خاص كقوة فاعلة تحمل رؤية جديدة للمستقبل، تقوم على الانفتاح، والعمل، والالتزام الوطني.
ويؤكد التعليم الكنسي أنّ الرجاء ليس مجرد شعور، بل هو دعوة إلى الثبات والعمل. وفي سوريا، يتجلى هذا الرجاء في رغبة المسيحيين في البقاء، وفي إيمانهم بأن لهم دورًا أساسيًا في بناء مجتمع متماسك يسوده السلام والعدالة. إنّ شهادتهم للإيمان، وخدمتهم للمجتمع، وانفتاحهم على الحوار، تشكّل عناصر قوة قادرة على تجديد حضورهم وتعزيز دورهم.
ويشكّل الحوار بين المسيحيين والمسلمين في سوريا ركيزة أساسية لبناء مستقبل مشترك. وقد أسهمت المبادرات المشتركة بين القيادات الدينية في تعزيز الثقة، وتأكيد أنّ التنوع الديني في سوريا هو مصدر غنى وليس مصدر انقسام. ويُعدّ هذا التعاون خطوة مهمة نحو ترسيخ ثقافة السلام، وتعزيز قيم المواطنة، وتحصين المجتمع ضد أي شكل من أشكال التطرف.
إنّ الوجود المسيحي في سوريا اليوم هو حضور حيّ وفاعل، يساهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وإنسانية. ورغم التحديات التي واجهتها البلاد، فإنّ مسيرة التعافي الجارية تفتح أمام المسيحيين آفاقًا جديدة للمشاركة في بناء مستقبل يليق بتاريخهم العريق ودورهم الحضاري. إنّ سوريا، بتنوعها الديني والثقافي، تحتاج إلى جميع أبنائها، والمسيحيون جزء لا يتجزأ من هذا الغنى. ومن هنا، فإنّ رسالة هذه الوثيقة هي دعوة إلى الرجاء، وإلى تعزيز العمل المشترك، وإلى الإيمان بأنّ المستقبل يحمل إمكانات واسعة للنمو والتجدد، وأنّ سوريا قادرة على النهوض من جديد بفضل جهود جميع أبنائها.