موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
مع انطلاق الاستعدادات للاحتفال بمرور 1500 على تأسيس دير مونتي كاسينو في إيطاليا، دير مونتي كاسينو، الدير الأم للرهبنة الغربية الذي أسّسه القديس بندكتس (مبارك) عام 529، أطلق الاتحاد البندكتي موقعًا إلكترونيًا جديدًا يهدف إلى ربط الحجاج والزوار والباحثين عن الحياة الروحية بالأديرة البندكتية في مختلف أنحاء العالم.
وتندرج هذه المبادرة ضمن مسيرة عالمية بعنوان «الطريق إلى اليوبيل»، تقود إلى الاحتفالات المقررة عام 2029. ويؤكد المنظمون أن الهدف من المشروع هو اغتنام هذه الذكرى للتعريف بالروحانية البندكتية كما تُعاش اليوم.
وقال رئيس الدير ورئيس الاتحاد، الأباتي جيريمياس شرودر، في حديث لـOSV News: «أعتقد أن قانون القديس بندكتس يخاطب عصرنا، لأنه يبدأ بدعوة بسيطة جدًا: "أصغِ"». وأضاف: «إن جانبًا كبيرًا من الحياة المعاصرة يتسم بالضجيج والسرعة والتشتت الدائم، بينما تقترح الحياة البندكتية نهجًا مختلفًا، يقوم على عيش العالم بمزيد من الانتباه والتوازن والإنسانية».
يتيح الموقع الإلكتروني الجديد للمستخدمين العثور على الأديرة، والتعرف إلى الجماعات البندكتية، ومتابعة الاستعدادات الخاصة باليوبيل. ووفقًا لآدم سيمون، منسق مشروع يوبيل 2029، تضم المنصة حاليًا نحو 400 دير للرجال، على أن تُضاف أديرة الراهبات في مرحلة لاحقة.
وقال سيمون: «أُنشئ موقع اليوبيل ليكون المنصة الإلكترونية الرسمية والسهلة الوصول الخاصة بيوبيل 2029. وقبل كل شيء، هو دعوة لاكتشاف الأديرة البندكتية باعتبارها "أماكن رجاء" حيّة، متجذرة في الصلاة، والحياة الجماعية، والثبات، وحسن الضيافة».
وأوضح أن فكرة الموقع انطلقت من سؤال عملي: «كيف يمكن للناس في مختلف أنحاء العالم أن يتعرفوا على اليوبيل، ويجدوا ديرًا، ويتابعوا "الطريق إلى اليوبيل"، ويشاركوا فيه؟». وأضاف: «إن أبواب الأديرة تُفتح استعدادًا لليوبيل، والموقع الإلكتروني هو البوابة الرقمية لاكتشافها».
ويُبرز الموقع الإلكتروني أيضًا الامتداد العالمي للحياة البندكتية في الزمن الحاضر. وأوضح سيمون أن العائلة البندكتية تضم نحو 6200 راهب و12 ألف راهبة موزعين على رهبانيات وأقاليم مختلفة في أنحاء العالم.
وقال: «يقع أقل بقليل من 50% من أديرة الرجال في أوروبا، بينما تتوزع النسبة المتبقية، نتيجة النشاط الإرسالي خلال المئتي عام الماضية، بين أميركا الشمالية، وآسيا والمحيط الهادئ، وأفريقيا، وأميركا الجنوبية».
وأشار إلى أن هذه الأرقام تؤكد أن الرهبنة البندكتية تجاوزت منذ زمن طويل جذورها الأوروبية، مضيفًا: «إنها تُظهر بوضوح أن الحياة البندكتية لم تعد مجرد إرث أوروبي، بل أصبحت عائلة عالمية حقيقية، تُشكّلها اليوم ثقافات وجماعات من مختلف القارات».
وأعرب الأباتي شرودر عن أمله في أن تشجع هذه الذكرى مزيدًا من الناس إلى إعادة اكتشاف تقليد رهباني لا يزال قادرًا على مخاطبة تحديات العصر. وقال: «إن كثيرين اليوم، سواء كانوا مؤمنين أم لا، يبحثون عن أماكن يستعيدون فيها الصمت، والعلاقات الإنسانية العميقة، والإحساس بمعنى الحياة. وأؤمن بأن التقليد البندكتي يقدّم شيئًا ثمينًا، لأنه يذكّرنا بأن الحياة الصالحة تُبنى بصبر، يومًا بعد يوم، في كنف الجماعة والرجاء».
وأضاف أن هذا البحث يدفع الزوار إلى الأديرة لأسباب مختلفة، موضحًا: «تتنوع الأسباب بتنوع الأشخاص أنفسهم. فبعضهم يأتي حاجًا، وآخرون سائحين، وبعضهم يحمل حزنًا أو يواجه قرارات مصيرية، فيما يأتي آخرون بدافع الفضول».
وتابع: «لكن الجميع يكتشفون مكانًا لا يُعاملون فيه كمستهلكين أو زبائن، بل كضيوف. فقد كتب القديس بندكتس أن جميع الضيوف ينبغي أن يُستقبلوا كما لو كانوا المسيح نفسه. إنه مثلٌ سامٍ ومُتطّلب، لكنه يعبّر عن حقيقة عميقة: كل إنسان يستحق الاهتمام والاحترام».
ويُنظَّم اليوبيل على مدى أربع سنوات من الإعداد الروحي تحت عنوان «الطريق إلى اليوبيل»، بحيث لا يقتصر الاهتمام على احتفالات عام 2029، بل يشجّع المؤمنين والمهتمين على التأمل والمشاركة طوال السنوات التي تسبق المناسبة.
وقال آدم سيمون إن «الطريق إلى اليوبيل» يجعل من هذه المناسبة أكثر من مجرد احتفال مستقبلي، إذ يشكّل «مسيرة تدريجية من التذكّر والتأمل والارتداد والرجاء».
وتسير هذه المسيرة عبر محطات مستوحاة من حياة القديس بندكتس. ففي عام 2026 تُقام المرحلة الأولى بعنوان «استيقظ» في مدينة نورسيا، مسقط رأس القديس. وفي عام 2027 تنتقل إلى روما تحت عنوان «أصغِ»، ثم إلى سوباكو عام 2028 بعنوان «انمُ»، حيث أسّس القديس اثنتي عشرة جماعة رهبانية. أما المرحلة الختامية، «ازدهر»، فتُقام في مونتي كاسينو عام 2029.
وقد بدأت بالفعل الاستعدادات للاحتفالات الرئيسية في مونتي كاسينو وروما، والتي ستتمحور حول ثلاث مناسبات بارزة عام 2029: 10 شباط، عيد القديسة سكولاستيكا، مؤسسة الراهبات البندكتيات؛ و21 آذار، ذكرى انتقال القديس بندكتس إلى الحياة الأبدية؛ و11 تموز، عيده بحسب التقويم الروماني.
وفي الوقت نفسه، يشدد المنظمون على أن اليوبيل يحمل طابعًا عالميًا، ولا يقتصر على الاحتفالات المركزية في إيطاليا.
وقال سيمون: «ينصبّ اهتمامنا على المبادرات التي ستنبثق من الأديرة والمناطق نفسها. فقد صُمم اليوبيل ليكون "لامركزيًا"، إذ سيزدهر من خلال المبادرات التي تطلقها الأديرة والرهبانيات المختلفة، ومن خلال استجابة شعب الله بدافع الفضول والرغبة في المشاركة». وأشار إلى أن مبادرات محلية بدأت تظهر بالفعل في عدد من الدول، منها السنغال والمملكة المتحدة والنمسا وأستراليا.
من جهته، أعرب الأباتي شرودر عن أمله في أن يسهم اليوبيل في تعزيز جماعات الإيمان ومنح المؤمنين إحساسًا أعمق بالانتماء. وقال: «آمل أن يشجعنا هذا اليوبيل، نحن الكنيسة، على إعادة اكتشاف أهمية الجماعات التي تصلي معًا، وتصغي إلى بعضها البعض، وتستقبل الآخرين بسخاء. فالروحانية البندكتية سعت دائمًا إلى بناء الشركة لا الانقسام».
وأضاف أن كثيرًا من المسيحيين اليوم يبحثون عن جماعات ثابتة يستطيعون العودة إليها مرارًا، في وقت أصبحت فيه العناية الراعوية في مناطق عديدة من العالم أقل انتظامًا. وقال: «ندعو المسيحيين إلى أن يربطوا إيمانهم المعاش بمكان وجماعة يستطيعون العودة إليهما باستمرار، ليكونا بمثابة واحة في صحراء الحياة».
أما بالنسبة إلى الذين يكتشفون الروحانية البندكتية للمرة الأولى، فأكد الأباتي شرودر أن رسالة القديس بندكتس ما تزال بسيطة وقريبة من الجميع. وقال: «آمل أن يكتشفوا أن القداسة ليست حكرًا على أشخاص استثنائيين أو لحظات استثنائية. فقد كتب القديس بندكتس قانونه لأناس عاديين جدًا، وهو يعلّمنا أن نبحث عن الله في إيقاع الحياة اليومية، وفي إتقان العمل، والمائدة المشتركة، والعناية بالخليقة، والصلاة، وخدمة الآخرين».
وأوضح آدم سيمون أن المنظمين تلقوا «ردود فعل إيجابية جدًا» وأن الموقع الإلكتروني استقطب «عددًا كبيرًا من الزوار». أما الأباتي شرودر، فرأى أن نجاح اليوبيل لن يُقاس بعدد زوار الموقع أو أعداد المشاركين، بل بثماره الروحية، وقال: «إذا ساعد اليوبيل الناس على زيارة أحد الأديرة والخروج منه بمزيد من الرجاء، وبقليل من السلام، وبثقة متجددة بأن حياة ذات معنى يمكن أن تُبنى بالحكمة والاعتدال، فسيكون قد أثمر ثمارًا طيبة».