موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تأمّلنا الأحد الماضي (متى 4: 12-23) كيف يبدأ يسوع خدمته العلنيّة في أرضٍ مجروحة، أرض حدودية. وفي هذه الأرض المتألّمة، تأتي كلماته كنور، بل كنورٍ عظيم، ذاك النور نفسه الذي بشّر به النبي إشعيا، ففتح باب الرجاء لمن كانوا يسكنون أرض الظلمة وظلال الموت (إش 8: 23 – 9: 1).
وهذا النور العظيم يتكشّف لنا مباشرة في إنجيل اليوم (متى 5: 1-12 أ)، إنجيل التطويبات، الذي يفتتح أوّل خطاب كبير في إنجيل متى، خطاب الجبل.
إنه نصّ نعرفه تقريبًا عن غيب، ونحاول اليوم أن نقرأه من خلال زاويتين مرتبطتين بالنظر. يبدأ الإنجيل بالقول إنّ يسوع رأى الجموع، ومن هذه الرؤيا تولد الكلمات التي ينطق بها، ثم نكتشف، مع متابعة الخطاب، أنّ موضوع النظر يعود من جديد، لكن هذه المرّة في الحديث عن الآب: الآب الذي يرى في الخفاء، ويكافئ ما يُعمل في الخفاء (متى 6: 4، 6، 18).
إنه إذًا أبٌ يرى قبل كلّ شيء؛ نظره موجَّه إلى أبنائه، إلى الذين يسيرون خلف يسوع ويقبلون حضوره في حياتهم.
خطاب الجبل، بدءًا من التطويبات، يروي لنا كيف تكون حياة من يعيش تحت هذه النظرة الأبوية. لسنا أمام مثالٍ مثاليّ بعيد، بل أمام وصفٍ لما يحدث حين يلمس الملكوت حياة الإنسان.
من يعيش تحت نظرة الآب لا يسلك بحسب المنطق السائد، بل يعيش بطريقة مختلفة.
إنه اختلاف جذري، لا مجرّد تحسين أخلاقي أو تعديل بسيط، بل اقتراح لأسلوب حياة جديد، لطريقة عيش مختلفة.
وهذا الأسلوب الجديد يبدأ بتغيير معنى القوة.
فالمنطق الدنيوي يرى السعادة في امتلاك القوّة والقدرة على السيطرة، وتحقيق كلّ شيء يريده الإنسان.
أمّا التطويبات فتقترح قوة من نوع آخر، قوة إنجيليّة: قوة فقراء الروح، الذين لا يمتلكون الآخرين بل يحرّرونهم، قوة الودعاء، التي لا تقهر بل تصون، قوة الحزانى، أي الشجاعة على البقاء في الألم دون إنكاره أو الهروب منه.، قوة صانعي السلام، التي تبني العلاقات بلا فرض أو قسر، قوة أنقياء القلوب، قوة بلا رياء، وقوة الجائعين إلى البرّ، الباحثين عن الحقّ لا عن مصالحهم. وقوة المضطهَدين، أي الذين يبقون أوفياء حتّى عندما يكلفهم الأمر.
وهذا الأسلوب في الحياة يعيد الإنسان إلى قصد الله الأوّل، فهي ليست إضافة جديدة، بل عودة إلى الجذور الأصلية، إلى قصد الله للبشرية قبل أن تشوّهها الخوف والمنافسة والسيطرة.
لقد أراد الآب ان نبني علاقات تقوم على الثقة والشفافيّة والرعاية المتبادلة، لكنّ الخطيئة دسّت منطقًا آخر، منطق السيطرة على الآخر واللوم والرياق.
حين يعلن يسوع التطويبات، لا يقدّم أمر جديد غريبًا، بل يكشف واقعًا أُعيد إحيائه وفق قصد الله الأولي للخليقة.
وإن بدا للبعض أنّ التطويبات تتكلّم عن إنسانيّة ضعيفة أو عن حياة تنتقص من الإنسان وتخالف طبيعته، فالحقّ أنّها لا تعارض الطبيعة البشرية، بل الطبيعة البشرية المجروحة؛ لأنّ طبيعة الإنسان الحقيقيّة، تلك التي شاءها الله في البدء، هي طبيعة حياة التطويبات.
وسيبيّن لنا لاحقاً أنّ التطويبات ليست مجرّد كلمات، بل هي حياة يسوع بحد ذاتها: فيه نرى التطويبات تتحقّق، حتّى الصليب حيث تبلغ كمالها، وحتّى القيامة، حيث نتأكد أنّ هذا الطريق هو الطريق الإنسانيّ الحقّ، الذي يسرّ به الآب.