موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أعلنت دائرة العبادة الإلهية ونظام الأسرار المقدسة بالفاتيكان، بموجب مرسوم صدر في 7 تشرين الأول 2026، الطوباوي روزاريو أنجيلو ليفاتينو، الشهيد، "شفيعًا لدى الله للقضاة في إيطاليا". وكان ليفاتينو قد اغتيل على يد المافيا عام 1990، عن عمر ناهز 38 عامًا، ليصبح أول قاضٍ في التاريخ تعترف الكنيسة باستشهاده.
وجاء في نص المرسوم أن القضاة الإيطاليين "يكرّمون بتقوى خاصة ومواظبة" الطوباوي ليفاتينو، الذي وصفه بأنه "رجل قانون بالغ الحكمة، شهد بأمانة ونزاهة، في ظل حماية الله، في مواجهة نشاط المافيا، قبل أن يُقتل غدرًا وهو في طريقه إلى عمله".
وأوضح المرسوم أن الكاردينال ماتيو ماريا تسوبي، رئيس مجلس أساقفة إيطاليا، كان قد وافق على اختيار الطوباوي ليفاتينو شفيعًا للقضاة، وتقدّم في 17 حزيران الماضي بطلب رسمي لتثبيت هذا الاختيار، وفقًا للقواعد الكنسية المتعلقة بإعلان الشفعاء. وقد استجابت الدائرة الفاتيكانية لهذا الطلب، وثبّتت الاختيار بموجب الصلاحيات الممنوحة لها من البابا لاون الرابع عشر.
وفي تصريح بهذه المناسبة، أكد رئيس مجلس أساقفة إيطاليا أن ليفاتينو "تميّز بوصفه رجل قانون أصيلًا وخادمًا أمينًا للدولة"، مشيرًا إلى أنه استطاع، خلال خدمته للمجتمع، أن يجمع بين الحقيقة والمحبة في ممارسة مسؤولياته، وبين المعرفة القانونية والأخلاق المسيحية، وأن يمارس القضاء بتمييز يستنير بالإيمان والصلاة.
وأضاف أن الأساقفة الإيطاليين دعموا، في جميع مراحل دراسة الطلب والموافقة عليه، المبادرة التي تقدّمت بها اللجنة المعنية، انطلاقًا من اعترافهم بشخصية القاضي ليفاتينو نموذجًا يُحتذى به، وشفيعًا خاصًا لجميع الذين يتولّون يوميًا مسؤولية إقامة العدل.
اغتالت المافيا روزاريو ليفاتينو في 21 أيلول 1990، في كمين نُصب له على الطريق العام الرابط بين مدينتَي كانيكاتّي وأغريجنتو في جزيرة صقلية الإيطالية، بينما كان يقود سيارته بمفرده متوجهًا إلى المحكمة، حيث كان يعمل منذ نحو عام قاضيًا في الدائرة الجزائية.
ويُرجّح أن التحقيقات التي أجراها بشأن الصراع الدائر بين عصابات المافيا في كانيكاتّي ومختلف أنحاء منطقة أغريجنتو، وما أظهره خلالها من نزاهة وحزم لا يقبلان المساومة، كانت من أبرز الأسباب التي دفعت المجرمين إلى اغتياله بهذه الوحشية.
وكان روزاريو ليفاتينو معروفًا باستقامته الأخلاقية في ممارسة العدالة، وهي استقامة متجذّرة في إيمانه الكاثوليكي. وقد بلغ احتقار بعض عناصر المافيا لتديّنه حدّ أن أحد زعمائها، جوزيبي دي كارو، الذي كان يسكن في المبنى نفسه، اعتاد وصفه بازدراء بأنه "متديّن متزمت"، بسبب مواظبته على المشاركة في الحياة الرعوية. وأظهرت وثائق المحاكمة أن العداء الذي واجهه ليفاتينو كان مرتبطًا بصورة واضحة بالكراهية للإيمان.
وعلى الرغم من التهديدات ومحاولات الترهيب، واصل القاضي أداء واجبه باستقامة، مقدّمًا شهادة مسيحية في حياته المهنية. وكان يدوّن باستمرار في مفكراته الشخصية الأحرف اللاتينية S.T.D.، اختصارًا لعبارة Sub tutela Dei، أي "في حماية الله".
في 21 كانون الأول 2020، خلال حبرية البابا فرنسيس، أُعلن المرسوم الذي يعترف باستشهاد روزاريو أنجيلو ليفاتينو، الذي عُرف بلقب "القاضي الفتى". وجاء في المرسوم أن "خادم الله روزاريو أنجيلو ليفاتينو أنهى حياته الأرضية مبكرًا، مقتولًا بعنف ما يمكن وصفه بحق بأنه هياكل للخطيئة ذات طابع مافيوي، وقد تحرّك أفرادها بدافع الكراهية لإيمان هذا الشاب المتعطش إلى العدالة، أي هذا القاضي المسيحي الذي أحبّ الرب كثيرًا".
وقد أُقيم احتفال تطويب ليفاتينو في 9 أيار 2021، في كاتدرائية أغريجنتو بصقلية، برئاسة الكاردينال مارشيلو سيميرارو، رئيس مجمع دعاوى القديسين آنذاك، ممثلًا البابا فرنسيس. وبإعلانه شفيعًا للقضاة في إيطاليا، تضع الكنيسة أمام العاملين في سلك القضاء مثالًا لرجل جمع بين الأمانة للقانون والالتزام بالضمير المسيحي، ودافع عن العدالة حتى بذل حياته في سبيلها.