موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٢ ابريل / نيسان ٢٠٢٥
القديس يوحنا بولس الثاني: رسالة بين الأرض والسماء لفتح الأبواب للمسيح
مرَّ عشرون عامًا على وفاة البابا فويتيوا، لكن تعاليمه ما زالت متجذرة بقوة حتى في هذا اليوبيل وفي أيامنا هذه التي تهتز تحت وطأة التوترات العنيفة والحروب. نعيد تسليط الضوء على بعض التأملات التي قدمها خلفاؤه، البابا بندكتس السادس عشر والبابا فرنسيس، إلى جانب البابا البولندي نفسه، حول القضايا الراهنة، بما في ذلك الشرق الأوسط، وأوكرانيا، والسلام، ونزع السلاح.

فاتيكان نيوز :

 

في هذه السنة المقدسة التي تحمل شعار الرجاء، تحل الذكرى العشرون لوفاة القديس يوحنا بولس الثاني. لقد بدأ وصيته الروحية بكلمات ترتبط بـ"دعوة الرب الأخيرة": "اسهروا إذًا، لأنكم لا تعلمون أي يوم يأتي ربكم". وقد كتب البابا فويتيوا: "لا أعرف متى سيأتي ذلك اليوم، ولكن، ككل شيء، أودع هذا الوقت أيضًا بين يدي أمِّ معلمي:Totus Tuus .

 

جاء ذلك اليوم كما هو الحال مع الجميع، حتى لذاك الرجل الذي وُلد عام ١٩٢٠ في فادوفيتسه، بولندا، وصعد إلى كرسي بطرس في ١٦ تشرين الأول ١٩٧٨. ورحل البابا فويتيوا عن هذه الحياة في ٢ نيسان ٢٠٠٥، عند الساعة التاسعة والنصف مساء. وقد توافد إلى روما ثلاثة ملايين حاج لإلقاء نظرة الوداع والمشاركة في جنازته، رافعين صوتهم بنداء واحد: "قديس فورًا!". وكان لهذه المطالبة الملحة من الشعب خاتمتها المرجوّة في ٢٧ نيسان ٢٠١٤، يوم أحد الرحمة الإلهية، حيث تم إعلانه قديسًا مع البابا يوحنا الثالث والعشرين.

 

رسالة لم تنطفئ

 

لعشرين سنة خلت رحل البابا فويتيوا، لكن رسالته لم تنطفئ، بل تواصل إشعاعها من السماء كمصدر محبة للبشرية. ولو أتيح له أن يظهر مرة أخرى من شرفة القصر الرسولي، فلعله كان، عند صلاة التبشير الملائكي، سيدعو المسيحيين لكي يشرِّعوا قلوبهم للمسيح.

 

يبدو أنَّ كلماته التي قالها في ٢٢ تشرين الأول ١٩٧٨، خلال عظته في بداية حبريته، يتردد اليوم صداها بقوة، لا سيما في زمننا. وفي هذا اليوبيل الذي يدعونا إلى عبور عتبة الباب المقدس وفتح الأبواب: "أيها الإخوة والأخوات! لا تخافوا من أن تقبلوا المسيح وتعترفوا بسلطانه! ساعدوا البابا وجميع الذين يريدون أن يخدموا المسيح ويخدموا الإنسان والبشرية جمعاء بسلطانه! لا تخافوا! افتحوا، بل، شرِّعوا الأبواب للمسيح! افتحوا لقوته المخلِّصة حدود الدول، والأنظمة الاقتصادية والسياسية، ومجالات الثقافة، والحضارة، والتنمية. لا تخافوا! إنَّ المسيح يعلم ما في داخل الإنسان. وحده يعلم ذلك!".

كونوا صانعي سلام وحراسًا له

 

هذه الأيام مطبوعة بجراح عميقة تمزق مناطق مختلفة من العالم. فالشرق الأوسط ما زال يعاني أهوال المآسي المتكررة. في ١٢ شباط ٢٠٠٤، ألقى البابا يوحنا بولس الثاني خطابًا أمام أحمد قريع، وزير السلطة الفلسطينية آنذاك، بدأه بتأمل يتردد صداه حتى اليوم في ضمير العائلة البشريّة بأسرها: "الوضع المأساوي في الأرض المقدسة هو مصدر معاناة للجميع". لا ينبغي لأحد أن يستسلم لإغراء اليأس، أو الكراهية أو الانتقام. إن الأرض المقدسة بحاجة للمصالحة، للمغفرة وليس للانتقام، للجسور وليس للجدران. وهذا الأمر يتطلّب أن يلتزم قادة المنطقة، بدعم من المجتمع الدولي، بمسار الحوار والمفاوضات التي تقود إلى سلام دائم.

 

أرض أخرى تمزقها الحرب تمتد في شرق أوروبا. الأمل الذي عبّر عنه البابا يوحنا بولس الثاني خلال زيارته الرسولية إلى أوكرانيا عام ٢٠٠١، رسم مسارًا للسلام يجمع بين الشرق والغرب، ويوحد "قيمًا مختلفة لكنها متكاملة". "أملي أن تنضم أوكرانيا، بشكل كامل، إلى أوروبا تعانق القارة بأسرها، من المحيط الأطلسي إلى جبال الأورال. كما قلتُ في نهاية عام ١٩٨٩، الذي كان له أثر بالغ في تاريخ القارة الحديث، لا يمكن أن تكون هناك "أوروبا مسالمة تنشر الحضارة" بدون هذا التفاعل وهذه المشاركة بين القيم المختلفة وإنما المتكاملة، التي تميز شعوب الشرق والغرب".

 

كونوا صانعي سلام وحراسًا له. لطالما تكررت هذه الدعوة في خطابات البابا يوحنا بولس الثاني، ولقاءاته، ونداءاته، وتأملاته. وامتزجت بمحطات تاريخية عصفت بها التوترات والصراعات، وهي كلمات تتردد أصداؤها اليوم أيضًا، في وقت تُرسم فيه خطط التسلح في أوروبا بطريقة مفصَّلة. وخلال زيارته إلى "نصب السلام التذكاري" في هيروشيما، في ٢٥ شباط ١٩٨١، توجه البابا فويتيوا بخطابه أولًا إلى رؤساء الدول والحكومات باللغة الألمانية، ثم خاطب الشباب باللغة الروسية قائلاً: "لنلتزم من أجل السلام في العدالة؛ لنتخذ الآن قرارًا حاسمًا بعدم السماح مجددًا بأن تُعتبر الحرب وسيلة لحل النزاعات؛ لنعاهد إخوتنا البشر على أننا سنسعى بلا كلل لكي ننزع السلاح ونلغي جميع الأسلحة النووية؛ ونستبدل العنف والكراهية بالثقة والتضامن... إلى شباب العالم أقول: لنصنع معًا مستقبلًا جديدًا من الأخوّة والتضامن؛ لنتحرك نحو إخوتنا وأخواتنا المحتاجين، لنشبع جوعهم، ونوفر المأوى للمشردين، ونحرر المظلومين، وننشر العدالة حيث لا يُسمع سوى صوت السلاح. إنَّ قلوبكم الشابة تملك قدرة استثنائية على فعل الخير والمحبة: ضعوها في خدمة إخوتكم البشر."

طابع كهنوتي عميق

 

حتى في ضعفه الجسدي، أظهر البابا يوحنا بولس الثاني قوة استثنائية مستمدة من الإيمان. وفي الذكرى الأولى لوفاته، في ٢ نيسان ٢٠٠٦، أُقيمت وقفة صلاة مريمية في ذكرى رحيله، وفي اليوم التالي، ترأس البابا بندكتس السادس عشر قداسًا في ساحة القديس بطرس، حيث ذكّر في عظته بالطابع "الكهنوتي العميق" الذي طبع حياة البابا الراحل بأسرها.

 

وقال بندكتس السادس عشر إنّ "البابا الراحل، الذي منحه الله العديد من المواهب البشرية والروحية، إذ عبر بوتقة التعب الرسولي والمرض ظهر لنا كـ"صخرة" في الإيمان. إنَّ الذين رافقوه عن كثب قد لمسوا إيمانه الصادق والراسخ، الذي لم يقتصر تأثيره على معاونيه، بل امتد إلى الكنيسة بأسرها خلال حبريته الطويلة، لكي يبلغ ذروته في الأشهر والأيام الأخيرة من حياته. إيمان قوي، صادق وأصيل، لا يعرف الخوف أو المساومة، وقد لمس قلوب الكثيرين، بفضل رحلاته الرسولية العديدة في أنحاء العالم، وبالأخص من خلال "رحلته الأخيرة"، التي تمثلت في احتضاره ووفاته".

رسالة بين السماء والأرض

 

هناك أيام تبقى محفورة في ذاكرة الكنيسة. في ٢٧ نيسان ٢٠١٤، ترأس البابا فرنسيس القداس الإلهي لإعلان قداسة البابا يوحنا الثالث والعشرين والبابا يوحنا بولس الثاني. وفي تلك المناسبة، إذ تذكّر سلفيه، دعا الجميع إلى عيش "جوهر الإنجيل، أي المحبة والرحمة، ببساطة وأخوّة". قال البابا فرنسيس إنَّ البابا يوحنا الثالث والعشرين والبابا يوحنا بولس الثاني قد تعاونا مع الروح القدس لاستعادة الكنيسة وتجديدها وفقًا لملامحها الأصلية، تلك الملامح التي شكّلها القديسون عبر العصور. لا ننسينَّ أن القديسين هم الذين يدفعون الكنيسة إلى الأمام ويجعلونها تنمو. ففي دعوته إلى المجمع الفاتيكاني الثاني، أظهر القديس يوحنا الثالث والعشرون طاعة رقيقة للروح القدس، وسمح له بأن يقوده، فكان راعيًا للكنيسة وقائدًا يقوده الروح القدس. لقد كانت هذه خدمته العظيمة للكنيسة؛ ولهذا السبب، يطيب لي أن أراه كـ "بابا الطاعة للروح القدس.

 

أما القديس يوحنا بولس الثاني، فقد كان "بابا العائلة". لقد عبّر بنفسه عن رغبته في أن يُذكر بهذا اللقب، لأنه جعل العائلة محورًا أساسيًا في خدمته الرسولية. واليوم، من السماء، لا يزال يوجّه نظره إلى العائلة البشرية بأسرها. ومن هنا، من الأرض، لا تزال تتردد كلماته التي قالها خلال القداس الافتتاحي لحبريته: "اليوم، غالبًا ما لا يعرف الإنسان ما يحمله في داخله، في أعماق قلبه ونفسه. غالبًا ما يشعر بالحيرة بشأن معنى حياته على هذه الأرض. ويسيطر عليه الشك الذي يتحول إلى يأس. اسمحوا إذن –أرجوكم، أتوسل إليكم بتواضع وثقة– اسمحوا للمسيح بأن يخاطب الإنسان. وحده هو لديه كلمات الحياة، نعم! كلمات الحياة الأبدية". إن رسالة القديس يوحنا بولس الثاني هي رسالة بين السماء والأرض. واليوم أيضًا، تفتح قلوب كثيرة أبوابها للإنجيل وكلمات الحياة الأبدية، متأثرة بحرارة شهادته الحية.