موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الثلاثاء، ٢١ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
القديس أنسلمس: الأسقف ومعلم الكنيسة الذي اتّبع شعار الإيمان الساعي إلى الفهم

أبونا :

 

في 21 نيسان، تُحيي الكنيسة الكاثوليكية في رزنامتها الليتورجية تذكار القديس أنسلمس، الراهب البندكتي ورئيس أساقفة كانتربري في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، المعروف بكتاباته حول وجود الله وفداء السيد المسيح على الصليب.

 

وقد قال البابا بندكتس السادس عشر إنّه «راهب ذو حياة روحية عميقة، ومعلّم متميّز للشباب، ولاهوتي ذو قدرة استثنائية على التأمّل، ورجل حكيم في الإدارة، ومدافع صارم عن حرية الكنيسة». وأضاف أنّ أنسلمس يُعدّ «واحدًا من أبرز شخصيات العصور الوسطى، إذ استطاع أن يوفّق بين كل هذه الصفات بفضل خبرته الصوفية العميقة التي كانت دائمًا تقود فكره وعمله» (المقابلة العامة في 23 أيلول 2009).

 

وُلد أنسلم نحو عام 1033 في مدينة أوستا، التابعة لإقليم بيدمونت في إيطاليا الحالية. وبينما لم يكن لوالده تأثير يُذكر من الناحية الأخلاقية أو الدينية، كانت والدته امرأة تقية، فأرسلته إلى مدرسة يديرها الرهبان البندكتيون، حيث تلقّى تعليمًا كلاسيكيًا وأصبح من أبرز المتقنين للّغة اللاتينية في زمانه.

 

في تلك المرحلة، شعر بدعوة عميقة، تأثّر فيها أيضًا بحلمٍ رأى فيه نفسه يلتقي بالله ويتحادث معه. وعندما بلغ الخامسة عشرة، رغب في دخول الحياة الرهبانية، لكن والده منعه، مفضّلًا له مسيرة سياسية. وتبع هذا الرفض فترة مرض شديد، إضافة إلى وفاة والدته المبكرة.

 

وبسبب تعذّر انضمامه إلى الرهبنة وسوء معاملة والده له، غادر أنسلمس المنزل وتجول في أجزاء من فرنسا وإيطاليا لمدة ثلاث سنوات. واستعاد حياته اتجاهها في نورماندي، حيث التقى الراهب البندكتي لانفرانك من بافيا وأصبح تلميذه.

 

لاحظ لانفرانك موهبة تلميذه الفكرية، فشجّعه على اتّباع دعوته الرهبانية. وبعد انضمامه إلى الرهبنة وسيامته كاهنًا في سن السابعة والعشرين، خلف معلّمه كرئيس للدير عام 1063، عندما عُيّن لانفرانك رئيسًا لدير آخر. وفي عام 1079، أصبح أنسلم رئيسًا لدير «بيك». وقبل ذلك بقليل، عام 1077، ألّف كتاب «المونولوغيون» (الحديث المنفرد)، وهو عمل لاهوتي دفاعي حاول فيه إثبات وجود الله اعتمادًا على العقل وحده.

 

وبقيادة أنسلمس، أصبح دير «بيك» مركزًا مهمًا للعلم الرهباني. وفي تلك الفترة، كان النورمان قد غزوا إنجلترا وسعوا إلى استقدام رهبان من نورماندي للتأثير في الكنيسة هناك. وقد أصبح لانفرانك رئيس أساقفة كانتربري وطلب من أنسلمس مساعدته.

 

غير أنّ المرحلة التي تلت وفاة لانفرانك في أواخر ثمانينيات القرن الحادي عشر كانت صعبة على الكنيسة في إنجلترا. إذ رفض الملك وليم روفوس تعيين رئيس أساقفة جديد، فعاد أنسلم إلى ديره ولم يرغب في العودة إلى إنجلترا، لكنه أُقنع بذلك عام 1092.

 

وفي العام التالي، غيّر الملك موقفه وسمح بتعيين أنسلم رئيسًا لأساقفة كانتربري، إلا أنّه قبل هذه المهمة بتردّد شديد، لما ستجرّه عليه من صراعات مع السلطة الملكية. وخلال ثلاث سنوات في أوائل القرن الثاني عشر، أصرّ أنسلم على استقلالية الكنيسة في إدارة شؤونها وممتلكاتها، ما أدّى إلى نفيه من إنجلترا. لكنه نجح في الدفاع عن موقفه، وعاد إلى أبرشيته عام 1106.

 

واصل أنسلمس تطوير أفكاره وتعاليمه اللاهوتية، وأصبحت نظريته حول الفداء على الصليب جزءًا من لاهوت الكنيسة اللاتينية، وشكّلت أساسًا لفهم كلٍّ من الكاثوليك والبروتستانت لعمل المسيح الخلاصي. وفي سنواته الأخيرة، عمل على إصلاح الكنيسة وواصل أبحاثه اللاهوتية، مسترشدًا بشعاره «الإيمان الساعي إلى الفهم». وبعد وفاته عام 1109، كان لتأثيره العميق في مسار اللاهوت، أن أعلنه البابا كليمنضوس الحادي عشر «معلّمًا في الكنيسة» عام 1720.