موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأب ريمون جرجس (يمين) في مزار سيدة لورد في ناعور (تصوير: أبونا)
مقدّمة
يستند مفهوم القانون الكنسيّ إلى الحقيقة الموحّاة عن الكنيسة، لأنَّه لا يمكن معرفة ما هو القانون في الكنيسة إذا لم نمتلك معرفة حول كينونة الكنيسة، وذلك وفقاً لفهم الكنيسة لذاتها. ظهرت أثناء السنوات اللاحقة لمجمع الفاتيكاني الثاني، عدة محاولات لإيجاد أساس قانون الكنسيّ في المفهوم الإكلسيولوجي المجمعيّ: "الكنيسة شعب الله"، الكنيسة سرّ أو شركة ، إلخ. في الواقع، تعتبر هذه مفاهيم طرقاً تكميلية تلقي الضوء على جوانب مختلفة من البعد القانوني للكنيسة. ولكن كي تنتج من هذه المحاولات ثمار صحيحة، يجب ألا ننسى كينونة القانون. والقانون الكنسيّ واقعة تاريخيّة لها بُعدان أساسيّ ووجوديّ في حياة الكنيسة، يندرجان بشكل حيويّ في تاريخها. فإنَّ لأهمية بعده التاريخيّ خصوصية يمكن توضيحها من خلال اعتبارين متكاملين: الأول انتماؤه، كبعد داخلي، بتاريخ الخلاص، فهو جزء من المشهد التاريخيّ للإنسانيّة في "ملء الزمان" (غلاطية 4: 4)، كثمرة التجسد الخلاصي لكلمة الله. وهو مرتبط أيضاً بالعملية التاريخيّة نفسها لتأسيس الكنيسة من قبل يسوع المسيح. لذلك، فهو قانون جديد في الأصل، وليس مجرد تحقيق إنسانيّ للبعد الاجتماعي للتدين الطبيعيّ. والأهمية الخاصة للبعد التاريخيّ للقانون الكنسيّ مستمدة من حقيقة أنَّ الكنيسة تبقى في الزمان. وهذا يشكل نتيجة لكينونتها الإلهيّة، لأنّ ليس فقط أساسها بل وجودها على الأرض حتى نهاية الأزمنة يعتمد بشكل مطلق على العمل الإلهيّ حسب المخطط الخلاصي. فإنَّ الاستمرارية التاريخيّة لكنيسة المسيح تجعل معارف تطور قانونها ذات أهمية خاصة، لأنَّها مرتبطة دائمًا بنفس المؤسّسة الإلهيّة ألا وهي الكنيسة. والكنيسة هي جزء من المخطط الخلاصيّ أو من نظام العلاقات بين الله والناس، أسسه المسيح بعمله الخلاصي. ويتلقى هذا المخطط الخلاص أو نظام العلاقات بين الله والإنسان اسم الشَّرع الجديد، أو الشَّرع الإنجيلي أو شريعة النعمة lex gratiae، الذي له معنى لاهوتيّ لا يتطابق مع المعنى القانونيّ، لأن مبدأ الحياة والنّظام الذي يترأس علاقة الإنسان مع الله وعلاقة الناس فيما بينهما ليس بهيكليَّة قانونيَّة لكن نعمة من الروح القدس. فأعمال الكنيسة جميعها، تهدف إلى السعي لتحقيق الخلاص الأبديّ للنفوس التي تنتمي إلى شعب الله، والذي سيتم تنفيذه وفقاً لمبادئ اللاهوت، ومن خلال سلسلة تدابير شكلية تفرضها الليتورجيّا، على أسس قواعد قانونيَّة، فرضها المشرع الكنسيّ، سواء الإلهيّ أو الإنسانيّ: فأصبح العنصر التنظيميّ عنصرا أساسيّا داعما لتحقيق الهدف الرئيسي من الإعلان عن كلمة الله وعن عمل التقديس من وجهة النَّظر الخلاصيّ. وخاصّة في ما يتعلّق بالنشاطات المتصلة بالممارسات الطقسّية والتعبدية وممارسة الأسرّار على المؤمنين.
1- أهمية القانون في الكنيسة
نوَّه المجمع الفاتيكانيّ الثَّاني بحقيقة الكنيسة بأنَّها شعب الله الجديد، l’ekklesìa، الجماعة التي تحتفل بسرّ الافخارستيا، "أقامها المسيح ونظّمها على هذه الأرض كجماعة، وجهزها بوسائل قديرة على توفير اتحادها الاجتماعي المنظور". وإنَّ الكنيسة هي في الوقت نفسه، "جماعة منظورة وروحيَّة"، تسير مع كلّ البشريَّة وتشارك الكون في مصيره الأَرْضي". وأنَّها ببعديها الرَّوحانيّ والمؤسساتيَّ، حقيقة ملموسة بصيغتها التاريخيّة، مؤسّسة أرضيَّة مرئيَّة، لها بعد اجتماعي-قانوني. وتُعبّر بمفهومها اللاهوتيّ عن العلاقة الأنطولوجيَّة مع الله، والتي تُفهم من خلال البُعد الشَّخصي والسرّيّ. فالكنيسة بكمالها ووحدتها، هي غير قابلة للتجزئة. فلأنَّ الكنيسة تتكوّن من عنصر إلهيّ وإنسانيّ، هذا يعكس منطقيًّا على قانونها أيضاً. فالبعد الإنسانيّ للعدالة في الكنيسة يستند على القانون الإلهيّ ويجد فيه مرجعاً أساسيًّا.
هذا التفكير الجديد حول هوية الكنيسة هو بمثابة تمهيد أساسيّ لرؤية متجددة في القانون الكنسيّ. لأنه إذا كانت الكنيسة مجتمعاً فريداً من نوعه، فالشَّرع يجب أن يكون فريداً من نوعه أيضًا. لذلك، إكلسيولوجية المجمع الفاتيكانيّ الثَّاني أسّست ضرورة الشَّرع الكنسيّ على طبيعة الكنيسة نفسها. يُعلن المجمع الفاتيكانيّ الثَّاني بعض المبادّىء التي تساعد على فهم مصطلح "مبدأ الشَّرعيَّة" في الشَّرع الكنسيّ: "أصبح الناس، في عصرنا هذا، يعون أكثر فأكثر ما للكائن البشريّ من كرامة،... وهم يطلبون كذلك التحديد القانونيّ في صلاحية السُّلطة المدنيَّة حتَّى لا تضيق بحريَّة الأفراد والجماعات الصوابيّة, وهذه المطالبة بالحريَّة في المجتمع البشريّ تتوجّه أكثر ما تتوجّه إلى ما فيه يميز النفس الإنسانيّة ولا سيما حريَّة الممارسة الدينية في المجتمع". في الواقع، على الرَّغم من أن هذه المبادئ المجمعية تشير إلى مجتمع إنسانيّ، فإنه يمكن نسبها إلى مجتمع كنسيّ. فمبدأ الشَّرعيَّة، سواء من منطلق المفهوم الشكليّ والمباشر والعام، في أي نظام، يطلب أن تكون الأفعال قائمة دائماً وفقاً للشَّرع فقط. وهذا يُعدّ من المبادئ التوجيهية والأساسيّة في التشريع الجديد لحماية حقوق المؤمنين بسبب كرامتهم الإنسانيّة والمعموديَّة. فالكنيسة كأي مجتمع لديها الأسس الطبيعيّة لإقامة علاقات قانونيَّة بين أعضائها، وهذا يتطابق مع قول البابا بولس السادس: "إنّ مجموعة العلاقات القانونيَّة مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بالمسار اللاهوتيّ الذي أراده الخالق، مع قيمة وكرامة الشَّخص البشريّ، لأنَّ الشَّرع ليس إلاّ محاميّاً أكيداً الذي يعرض بسلطان وبشكل شرعي خير العام ويضمن ويحمي في آن واحد ضدّ أي تدخل محتمل، إستقلاليَّة الفرد التي لا يمكن انتهاكها، ضمن نطاق يصبح فيه كل إنسان فعلياً قادرا ًعلى إتمام وتحقيق شخصيّته بمسؤوليَّة... وإذا اعتبرنا الإنسان كمسيحيّ، بوصفه عضواً في شعب الله في الحياة الكنيسة، نرى أن وظيفة الشَّرع ليست غريبة عن سرّ الخلاص salutis mysterium ، لكن كما أن شخصيّة الإنسان بجملتها تدخل في ديناميكية المخطط الخلاصي، لذا بجانبها يصبح إرث الوقائع القانونيَّة جزءاً من المخطط الخلاص".
طور المجمع الفاتيكانيّ الثَّاني هذه الأفكار الجوهرية على خطى التأمل العميق بحقيقة الكنيسة، وأعلن في الدستور العقائدي "نور الأمم": الكنيسة سرّ الخلاص، أي "العلامة والأداة في الاتحاد الذي لا ينفصم بالله ووحدة الجنس البشريّ برمته" (رقم 1،1). وهذا هو سبب اعتبارنا الكنيسة حقيقة واحدة، تتألف من عنصر داخلي وخارجي في الوقت نفسه، لتنفيذ مهمتها في العالم. إنَّه جسد المسيح الاجتماعي، ولها روح هو الروح القدس الذي يحييها ويغّنييها. كما أنَّ الروح لا يمكنه أن ينفصل عن الجسد من دون أن يؤدّي إلى الموت، كذلك كنيسة المحبَّة، لا يمكنها أن تكون موجودة من دون الكنيسة القانونيَّة. وهذا ينطبق على ما يُقال: "كنيسة الروح" Ecclesía Spiritus و"كنيسة القانون" Ecclesia Iuris كحقيقتين لوجه حقيقة واحدة غير قابل للإنفصال، وهذا مقارنة مع التشبيه غير الضعيف بسرّ الكلمة المتجسد.
المفهوم اللاهوتيّ للكنيسة كما قدَّمها المجمع الفاتيكانيّ الثَّاني، يوضّح أنَّ النشاط القانوني لا يُمكن أن ينشأ بشكل مستقل عن اللاَّهوت، لكن يجب أن يرتكز عليه كمرجع أخير. البابا بولس السادس بتاريخ 17 أيلول 1973 في الخطاب الذي ألقاه خاصّة بمناسبة المؤتمر الدولي للقانونيّين، أشار إلى أنَّ دراسة وتطوير القانون الكنسيّ يتمثّلان في ضرورة البحثّ في طبيعة الكنيسة والأسباب والمبادئ التي تخص تنظيمها الكنسيّ: "فإذا كان أساس القانون الكنيسة في يسوع المسيح، واذا كان له قيمة علامة لعمل داخلي لروح، فيجب أن يعبر ويعزز حياة الروح، إنتاج ثمار الروح، أن يكون أداة لنعمة ورباط الوحدة، ومع ذلك، متميزة وخاضعة للأسرّار المقدسة، التي هي ذات تأسيس إلهيّ....أن يقتصر القانون الكنسيّ ليكون نظاماً صارماً من الأوامر فيكون انتهاكاً لعمل الروح الذي يقودنا نحو المحبّة الكاملة في وحدة الكنيسة. لذلك، اهتمامكم الأول لن يكون إقرار نظام قانونيّ محضّ على مثال القانون المدني، لكن التعمّق بعمل الروح القدس الذي يجب أن يتم التعبير عنه في قانون الكنيسة".
يقول البابا بولس السادس في مناسبة أخرى: "... آراء غير سليمة ألقت ظلالا من الشك على شرع الكنيسة: يعتقد البعض أنَّ الكنيسة كمجتمع مرئي، يجب أن لا يكون لها علاقة مع الشَّرع الخاصّ، وتستطيع الإمتثال للوائح أو لأنظمة داخليّة؛ والبعض الآخر لم ير على ضوء المجمع الفاتيكانيّ الثَّاني، أنّ هذا الشَّرع متجذّر بعمق في سرّ الكنيسة". بالطبع ينبغي أن نأخذ في الإعتبار قدر الإمكان هذا التوجيه ليس فقط "في عرض الحقّ القانونيّ" وإنَّما أيضاً "في معرفته". هذه الحساسية اللاهوتيّة، كان لها مكانة في عمل الأعضاء ومستشاري اللجنة الخاصّة بتصنيف الشَّرع الجديد، فهي على علم بأنّها لا تهتم بحقّ إيجابيّ إنسانيّ بحت، إنَّما بحقّ له أساس في الحقّ الإلهيّ المتضمّن في العمل الخلاصي من خلاله تستمر الكنيسة في العمل برسالة مؤسّسها الإلهيّ.
يمكن أن نفهم من حديث البابا القدّيس يوحنَّا بولس الثاني في الدستور الرسوليّ الذي أصدر من خلاله الشَّرع اللاتيني لعام 1983، أنّ الشَّرع الكنسيّ "يتوافق تماما مع طبيعة الكنيسة" وهو "أداة أساسيّة لضمان النّظام سواء في الحياة الفرديّة والإجتماعيَّة، أو في نشاط الكنيسة". إنَّ الشَّرع هو في خدمة الشَّركة الكنسيّة، إنَّه "الأداة"، يتبع الحياة، ويعبّر عنها. فعلى الشَّرع في الكنيسة أن يتبع ويعبّر عن الشَّركة، التي هي حياة الكنيسة. يقول البابا القدّيس يوحنَّا بولس الثاني في كلمته خلال المؤتمر الدولي للقانون الكنسيّ: "إنّ إحترام التنظيم الكنسيّ، من خلال الحفاظ على نظامه، يسهم في نمو الشَّركة الكنسيّة. وهذه تصل إلى الملء عند المعمّدين المتّحدين مع المسيح من خلال روابط الإعتراف بالإيمان، الأسرّار الكنسيّة والحكم الكنسيّ. فإنَّ هذا الرابط الأخير ومن خلال مجموعة الشرائع الكنسيّة، يسوس حياة ورسالة الكنيسة، وواجبات وحقوق أعضائها وما هو ضروريّ ومفيد لبعدها المرئي". ويقول أيضًا في مكان آخر: "من بين الجوانب الأكثر أهميّة لتجديد القانون الكنسيّ في فترة ما بعد المجمع الفاتيكانيّ الثَّاني هو تزايد الإهتمام بأن يعكس نصّ وروح التشريع الكنسيّ على نحو أكمل طبيعة الكنيسة وهي سرّ الاتحاد مع الله ووحدة جميع البشر". و"بمعنى من المعاني، هذا الشَّرع الجديد يمكن أن يفهم كجهد كبير لترجمة [ ...] العلم الكنسيّ للمجمع باللغة القانونيَّة"، وأنّه إذا كان "من المستحيل ترجمة بشكل كامل باللغة القانونيَّة صورة الكنيسة، وفقاً لوصف التعليم المجمعيّ، لذلك على الشَّرع الجديد أن يشير دائماً إلى هذه الصورة، باعتبارها المثال الأوّل، حيث يجب أن يعبّر عن ملامحها بطبيعته بقدر الإمكان".
حدّد البابا القدّيس يوحنَّا بولس الثاني الهدف من القانون الكنسيّ، ذاكّراً أنَّه يحمي النظام الكنسيّ ويعزز الحياة المسيحيَّة: "المجموعة لا تتوخى بأي شكل من الأشكال أن تكون بديلة للإيمان والنعمة والمواهب، أو بديلاً لمحبة المؤمنين في حياة الكنيسة، ذلك أن غايتها هي إيجاد مثل هذا النظام في المجتمع الكنسيّ، الذي يُعطي الأولوية للمحبة والنعمة والمواهب، ويُسهّل في الوقت نفسه نموها التنظيمي في حياة المجتمع الكنسيّ، كما في حياة الأفراد المنتمين له"..."في الواقع، إنّ مجموعة الحق القانوني ضرورية جداً للكنيسة". وبسبب العلاقة الوثيقة بين العقيدة والقانون، "يجب صياغة القوانين بحيث تستند على أساس متين قانونياً وكنسيَّاً ولاهوتيَّاً".
أقرَّ البابا القدّيس يوحنَّا بولس الثاني في الدستور الرسوليّ "القوانين المقدّسة"، والذي من خلاله صدرت مجموعة قوانين الكنائس الشَّرقيّة الكاثوليكيّة، أنّ خلاص النّفوس يُشكل الغاية القصوى لكل الشَّريعة الكنسيّة. فلا بد من أن يتّفق مبدأ الحفاظ على الطقوس بأمانة مع هذه الغاية القصوى. لذلك "عند سنّ القوانين الجديدة، أو ما يجب اتّخاذه بعين الإعتبار، كانت بالفعل الأمور التي تصلح دون سواها لما يقتضيه خلاص النّفوس وتدبيره في الكنائس الشَّرقيّة". هذا هو السبب الذي جعل المشرّع يؤكّد في القانون الأخير من مجموعة قوانين الكنيسة اللاتينيّة الحالية أنّه يجب أن يكون خلاص النّفوس هو الشَّرع الاعلى (ق. 1752). وهذا الإعلان الرسمي ينطبق أيضاً على جميع قوانين الشَّرع الكنسيّ، ومن الواجب تطبيقه مع الحفاظ على الإنصاف القانونيّ، كما لو أنه يريد أن يؤكد على العلاقة الوثيقة بين الإنصاف وخلاص النّفوس في النّظام القانونيّ الكنسيّ كله. لذلك، فإنَّ خلاص النّفوس هو المبدأ التوجيهيّ والقياديّ لجميع الأنظمة القانونيَّة في الكنيسة، وعلى وجه الخصوص، ممارسة شؤون العدالة عن طريق المحاكم الكنسيّة.
2- القانون الكنسيّ ولاهوت الأسرّار
من دون أي أدنى شكّ، هناك علاقة متأصلة بين الأسرّار ومجال القانون الكنسيّ، فالأخير له جذور أسرّاريّة مهمّة جداً والأولى لها قيمة تأسيسية في القانون الكنسيّ. قد يطرح البعض بخصوص هذه النقطة هذا السؤال: كيف يمكن شريعة النعمة – حقيقة غير منظورة أعطيت مجاناً وبحرية من الروح القدس في الأسرّار المقدسة –أن تتورّط بظاهرة قانونيَّة التي هي بطبيعتها خارجة ولا تتبع منطق الهبة المجانية؟ الإجابة على نحو كافٍ، يجب أن نبدأ من بعض الافتراضات التي تؤثر في العلاقة بين النعمة الإلهيّة والنظام القانوني. فيجب أن نؤكّد أنَّ "الحق" هو (res iusta)، موضوع فضيلة العدالة، كما يقول الفقيه الروماني Ulpiano أنَّها "الإرادة الثابتة والدائمة في إعطاء كلّ شخص حقّه". لذلك في القانون، الأمر يتعلق "بإعطاء" بفعل خارجي "شيء" إلى من لديه "صفة" (حق) للحصول عليها. فالمسألة تخص ما هو مستوجب إعطاؤه. وهذا يحدث أيضاً مع الأسرّار، التي هي هبات الله المعهودة إلى الخدّام المقدسين، المكلفين بتسليمها إلى جميع المؤمنين، والذين لهم الحق في قبولها والمطالبة بها. وقد يعترض البعض بصيغة سؤال آخر: الله، في سرّه المحبّة وهباته الروحيّة، هو خارج الأبعاد الكميّة والزمنيّة، وبالتالي أيضًا عن البعد القانونيّ. الجواب: علينا أن ندرك أن المخطط الخلاصي يتعلق بالعلاقات بين الله والبشر، وهذه مهمّة اللاهوت، وبالتالي هذا لا يدخل ضمن اختصاص القانون، الذي يأخذ بالاعتبار بعلاقات العدالة بين الأشخاص الأرضيين. فهذا الاعتراض في حد ذاته لا أساس له، لأنَّ النعمة الإلهيّة تخترق العالم باتباع قنوات أرضية، المكان والزمان المناسبين للقيمة القانونيَّة. فالعلامات الأسرّارية المقدّسة هي بطبيعتها محسوسة وتمنح النعمة الروحيّة؛ وهذا لا يعني أنَّها تأخذ الطبيعة الماديّة. فالنعمة الإلهيّة تُمنح من خلال العلامات الأسرّارية الموضوعة بالأيدي ومن خلال كلمات الإنسان، كقنوات محسوسة. في الواقع، الجانب القانوني في عمل الأسرّار الخلاصيّ ليس بالعنصر الأول والأساسي، لأن طبيعته أداتيّة، يسمح للهبات الإلهيّة بتحقيق فعاليتها. فالقانون الكنسيّ يَعتبر الأسرّار هبات الله الخلاصيَّة التي تنتمي إلى الإرادة الإلهيّة، "تعمل تلقائيًّا (أي بمجرد القيام بها)، أعني بقوة عمل المسيح الخلاصيّ الذّي حقَّقه دفعة واحدة. ويتبع ذلك أنّ السرّ لا يتحقّق ببّر من يمنحه أو يناله، بل بقدرة الله. فكل مرة يُحتفل بالسرّ وفقاً لنيّة الكنيسة، فإنَّ قدرة المسيح وروحه تعملان فيه بمعزل عن قداسة القائم به. بيد أنّ ثمار الأسرّار رهنٌ باستعدادات من ينالها".
في الواقع، يعتبر التشريع الزواجي الكنسيّ صحيحاً فقط عندما يكون أساساً لاهوت سليماً. وفي اللحظة التي يتم فيها رفض البعد اللاهوتيّ، فنحن أمام رؤية قانونيَّة وضعيَّة بحتة، وبالتالي خالية من ضوء وقوة الإنجيل التي من شأنها أن تمنحه الطابع الأسرّاري للمؤسّسة. من هنا نستنتج أن كل دراسة قانونيَّة حول الزواج يجب أن ينظر إليه في ضوء المبادئ التي تتلقاها هذه المؤسّسة من طبيعتها الأسرّارية. وهنا لابّد من التذكير ببعض الأركان الأساسية للمفهوم الكنسي لزواج المعمّدين، وخاصة مبدأ العقائديّ وهو أن عقد الزواج بين المعمّدين، لا يمكن أن يكون صحيحاً، ما لم يكن بالفعل ذاته سرّاً (ق. 1055 البند 2). هذا المبدأ يؤسس بدوره مبدأين يرتكز عليهما تنظيم الزواج في القانون الكنسي، وهما جوهرية رضى الزوجين، الذي "ما من سلطة بشرية تنوب فيه عنهما" (ق. 1057)، والاختصاص الحصريّ للكنيسة لتنظيم تشريعها القانوني. كون الزواج عقداً، فهو يتشكّل برضى الطرفين، يتجلى بشكل شرعي، وبوصفه سرّاً، فإنَّ اختصاص الكنيسة حصريّ، فليس بعنصرين متميّزين، فهما يشكّلان جوانب الزواج نفسه. فإذا كان رضى الزوجين عنصراً أساسيّاً للعقد هو في الوقت نفسه عنصراً أساسيّاً للسرّ، لأنه كما ذكرنا لا يمكن أن يكون بين المعمّدين عقد زوجي إن لم يكن في الوقت نفسه سرّاً. واختصاص الحصريّ للكنيسة على الزواج لا يقتصر على الجانب السرّي، ولكن أيضا على الجانب التعاقديّ، سواء بالنسبة للتفسير وتطبيق الأنظمة الصادرة عن السُّلطة الإلهية على الصعيد الطبيعيّ (قانون إلهي طبيعيّ) وعلى المستوى ما فوق الطبيعيّ (القانون الإلهي الإيجابيّ)؛ سواء بالنسبة للتشريع اللاحق الصادر عن الكنيسة (قانون إنساني كنسيّ) لأجل تحقيق أهداف القانون الكنسي. لهذا السبب لدى الكنيسة الحق الكامل، الحصريّ والخاص حول زواج المسيحيين، سواء فيما يتعلق بجوهر الوثاق، سواء فيما يتعلق بمفاعيله، ويرجع ذلك إلى حقيقة أنَّ الزواج مؤسسة طبيعيّة رفعت إلى كرامة سرّ. وهذا ما ينتج عنه أنَّ زواج المعمّدين يحكمه القانون الكنسي، الإلهي والإنساني، مع مراعاة اختصاص السُّلطة المدنيَّة التي تحكم آثاره المدنيَّة. لذلك، ينبغي الأخذ بعين الاعتبار في مؤسسة الزواج الطبيعيّة والسرّيّة مختلف القوانين والأنظمة المتعلقة بتفسير الشرائع الكنسية.
في هذا الصدد، يؤكّد تقليد الكنيسة بوضوح الطابع القانوني للزواج، أي انتماءه بطبيعته إلى مجال العدالة في العلاقات بين الأشخاص. من وجهة النظر هذه، يتشابك القانون مع الحياة والحب؛ كواجب أساسي لوجوده. لذلك لا يوجد زواج للحياة والآخر للقانون: بل هناك زواج واحد فقط، الذي يتشكّل من وثاق قانوني حقيقي بين الرجل والمرأة، وثاق يستند عليها مسار حياة وحب الزوجين. فالزواج المحتفل من قبل الزوجين، الذي هو موضوع يهتّم به المجال الرعويّ والقانوني، هو حقيقة واحدة طبيعيّة وخلاصيّة. فالجانب القانوني مرتبط ارتباطًا جوهري بجوهر الزواج. في العمق، مفهوم القانون نفسه كمجموعة أنظمة، عامل حاسم يمنع قبول فكرة قانون الزواج الكنسيّ أن يكون متأصل في واقع زواج المؤمنين. فالزواج يُشكّل خيراً قانونيّاً. أي خير ليس لأنه موضوع لعلاقات قانونيَّة فقط، لكن هو يتكّون من مجموعة علاقات قانونيَّة. بمعنى آخر، الخير من الوجهة القانونيَّة هو جوهرياً قائم على أساس العلاقات. لذا، الزواج في حد ذاته حقيقة قانونيَّة والعلاقات فيها تأسيسيّة. ومن الواضح أن هذا الرأي يختلف جذريا عن النظريّة الوضعيَّة التي من شأنها أن تعطى شرعية لهذه الوقائع من خلال العلاقة، في حد ذاتها ليست قانونيَّة، مع النظام التشريعيّ والسُّلطة العامَّة. فلا بدّ أن نؤكد أن هذا الزواج كخير داخل الكنيسة يحتفظ بطابعه التأسيسيّ الطبيعيّ والخلاصيّ، لذا هو خير قانوني خلاصي، كبقية الأسرّار، ولكن بخصوصية محددة كونه علامة سرّ تحتوي على جوهر ذي طابع طبيعيّ، لذلك لا وجود لزواج طبيعيّ وآخر غير طبيعيّ، بل زواج واحد فقط يتشابك فيه البعدان.
3- مصادر التشريع في القانون الكنسيّ
من الشائع استخدام مصطلح "مصدر القانون" أو "مصدر التشريع" في اللغة القانونيَّة، وهو مصطلح مجازي غامض إلى حد ما، على الرغم من وجود العديد من المعاني. من الممكن أن نشير كمعنى عام للتعبير "مصدر" القانون إلى النبع الذي تنبثق منه القواعد القانونيَّة. ومع ذلك، لا يوجد إجماع عند تعريف فئات المصدر. لتقديم صورة موجزة للتعبيرات المتعلقة بمصادر القانون، مع الأخذ بالاعتبار ما يستخدمه القانونيون بشكل معتاد، يمكن القول ما يلي: هناك نوعان من المصادر القانونيَّة: أ)-مصادر الإنتاج (fortes Iuris essendi)، وتسمى أيضاً بالشكلية وهي الأجهزة أو الإجراءات التي يتم من خلالها إنتاج أنظمة قانونيَّة؛ ب)- مصادر المعرفة (fontes cognoscendi)؛ وتسمى أيضا بالمادية، للإشارة إلى سلطات قادرة على سنّ واصدار قواعد قانونية. ج) يمكن أيضًا الحديث، وفقًا لبعض المؤلفين، عن المصادر التكميلية للشرع وهو العُرف.
1-3- الشَّرع الإلهيّ
الشَّرع الإلهيّ مؤسّس في جوهر الله، قُدّم لنا من خلال المشاركة الإلهيّة. وهو "المصدر الأساسيّ لجميع القوانين، وأساس لكلّ سلطة. ولا يستطيع المشّرع الإنسانيّ أن ينتهك ولا أن يلغيه، لأنه القاعدة الأساسيّة والضروريّة، ومبدأ وجوهر الشَّرع الإنسانيّ. وهو يعتبر شرعاً تأسيسّيّاً في الكنيسة، غير قابل للتغيير والتعديل، يتكوّن من أنظمة يعود تاريخها إلى الإرادة الإلهيّة، والتي تجسدت في الوحي ما قبل المسيحية واعطيت مباشرة من خلال تعاليم السيد المسيح أو من الرسل بتفويض منه في الكتب المقدّسةِ وفي التقليدِ. (ius scriptum)؛ وهو يشمل متطلبات العدالة والمباديء التنظيميَّة التي أقرّها الله صراحة وضمنا في الطبيعة البشريّة، فالإنسان لديه القدرة على إدراكها والتعرف عليها عن طريق ملكياته العقليّة.
والشَّرع الإلهيّ الذي اعطاه الله للإنسان عن طريق الوحي، يثبّت الشَّرع الطبيعيّ، المحجوب في الضمير الإنسانيّ بسبب الخطيئة، ويقرّر قواعد جديدة، تلبي إرتقاء الإنسان إلى الحالة الفائقة الطبيعة ولكرامته كابن الله، وموجّه إلى السعادة الأبديّة. فالشَّرع الطبيعيّ "تعبير عقلانيّ وتشريعيّ لميول الطبيعة البشريّة إلى الخير". وهو ينجم عن جوهر الإنسان الميتافيزيقي وليس من بعده التاريخيّ، فيبقى ثابتاً عند كل تغيّر ثقافي. أوضح القدّيس توما الاكويني أنَّ: "الشَّرع الطبيعيّ هو نور التعقل الذي غرس في نفوسنا من الله، وبفضله نعرف ما يجب عمله وما يجب تجنبه. هذا النور أو هذا الشَّرع أعطاه الله للخليقة". وقال أيضاً: "تتحقّق في المخلوق العاقل مشاركة مع العقل أبدية بقوّتها لديه ميل طبيعيّ للعمل ولغاية. فالشَّرع الطبيعيّ ما هو إلاَّ المشاركة مع الشَّرع الأبديّ في المخلوق العاقل". لذا، "الشَّرع الطبيعيّ والشَّرع الإلهيّ هما جانبان لحقيقة واحدة، أي شريعة الله كشرع أسمى لسلوك البشر. الله ليس فقط بالكائن لكن أيضاً هو المشَّرع لأنّه مصدر جميع الكائنات الخارجة عنه، وعلى وجه الخصوص الإنسان. فالله خالق الإنسان وعلى هذا النحو، فهو حاكمه الأعلى، "يفكر" في طبيعة الإنسان، أي في جوهره لكونه أساس أفعاله الخاصّة. بالضبط، لهذا السبب هو القاعدة والمقياس للأفعال الإنسانيّة. هذه القاعدة موجودة في الله كما في الناس: في الله، بقدر ما هو القاعدة والمقياس سلوك الناس، وفي الإنسان بقدر ما يكون سلوكه منظّماً وبمقياس من الله". وكما يجب تجنب الميل إلى تطابق النظام الكنسيّ مع ما هو موجود في الشَّرع الكنسيّ. فالأخير سيصبح مرجعاً حصريّاً لطبيعته القانونيَّة، متناسيا أولوية الوحي ووجود العضوي للشرع الكنسيّ في تقليد الكنيسة القانوني بجنب التقليد العقائدي. لا يمكن أي قاعدة أن تكون إلهيّة فقط أو إنسانيّة فقط. ففي الحالة الأولى، سيكون لدينا علاقة صممها إله بالكامل، وبالتالي سيكون الإنسان هو مجرد منفّذ. وفي الحالة الثانية، يعني القول بوجود مجالات قانونيَّة لا يوجد فيها عنصر العدالة الذي يقوم على أساس الواقع الكنسيّ كونه هبة من الله. فمن الأفضل الحديث عن مكونات الشَّرع الإلهيّ والإنسانيّ، بدلاً من الشَّرع الإلهيّ والشَّرع الإنسانيّ. فالمصطلحان الأخيران ليسا بنظامين تشريعيّين متوازيين. فهما، بالأحرى، بُعدان للقانون نفسه كحقيقة موحّدة، مكوّنة من عناصر من أصل إلهيّ والأخرى من أصل إنسانيّ. في الواقع، طالما أنَّ الشَّرع الإلهيّ يتطلب دائمًا تحقيقه التاريخيّ، حيث توجد فيه بالضرورة عناصر ممكنة، والشَّرع الإنسانيّ يتطلّب بالضرورة أساساً إلهيّاً، فبدونه لن يكون له أي قيمة قانونيَّة حقيقية. وهذا لا يعني أنّه من المهم إدراك الفرق بينهما. فإذا تم التركيز على حقيقة القانون كونه نموذجاً لعلاقات قانونيَّة بين الأشخاص، وليس مجرد نظام أو تنظيم تقنيّ لوجهة النظر الإجتماعيَّة، عندها يتعييّن الاعتراف بالقانون الطبيعيّ، القانون القائم على الشَّخص في كيانه الطبيعيّ، في بعديه الفردي والاجتماعي. مع ذلك، لا يمكن رفض التمييز بينهما؛ فمن الضروري دائما التصرف مع ما يتكييف مع بيانات السُّلطة التعليمية في الكنيسة. فيجب تفسير الشَّرع الإنسانيّ باستمرار وتحسينه إذا لزم الأمر على ضوء الشَّرع الإلهيّ.
وهنا تجدر الإشارة إلى وجود نظريّة قويّة جداً في القرون الأخيرة تصوّر الشَّرع الإلهيّ - عادة ما يشار إليه "بالقانون الإلهيّ" - كشيء منفصل عن التاريخ البشري، كما لو كان الشَّرع الإلهيّ والشَّرع الإنسانيّ نظامين قانونيين كاملين ومنفصلين، وليس هناك أي تواصل بينهما. نجد هذه النظريّة في المدرسة الفكرية ius naturalismo العقلانية، التي تصور الشَّرع الطبيعيّ بـ"القاعدة" المستمدة من العقل الطبيعيّ، هو نظام تشريعيّ كامل بشكل عقلاني. وبمجرد وضع الشَّرع الطبيعيّ في مجال الأفكار، فهو ينفصل عن الشَّرع الإنسانيّ الإيجابيّ. الخطوة المنطقيّة التالية هي نفي ليس وجود الشَّرع الإلهيّ، ولكن شرعيته، وإضعاف مطالبته بجعلها مثاليات أخلاقية، غير قانونيّة، أو نوعا من أنظمة قيَّم من شأنها أن تدل إلى الحدّ من حرية المشرّع الإنسانيّ. فنحن بصدد مناقشة مشكلة الاعتراف أو عدم اعتراف بالشَّرع الطبيعيّ بشكل عام: فإذا نُظر إليه كهيكلية السُّلطة خارج عن الأشخاص، من منظور النظريّة الوضعيَّة القانونيَّة، سيُعتبر بديهيًا مستحيل. بينما إذا أدركناه كحقيقة العدالة جوهريّة بالنسبة لشخص الإنسانيّ، فإنّه سيبدو كحقيقة ملازمة لطبيعة الشَّخص الإنسانيّ. إن النظريّة الوضعيَّة القانونيَّة بأشكالها المتنوعة، تميل إلى اعتبار القانون مجرد تنظيم الحياة الإجتماعيَّة يتوافق مع أي محتوى، وقيمته القانونيَّة تعتمد على القدرة على فرض نفسها في الأمر الواقع، باللجوء إلى القوة إذا لزم الأمر. وبهذه الطريقة، يُفهم القانون على أنّه حقيقة غريبة عن الشَّخص الإنسانيّ وعلاقاته الحقيقية. لكنَّ القانون بمعناه ما هو عادل هو دائما شيء ملموس، حيث لا يمكن الفصل بين الجوانب الطبيعيّة والإيجابيّة. فتطابق القانون مع الشَّرع الإيجابيّ حقّ، وفصله عن الشَّرع الطبيعيّ، كما تفعل النظريّة الوضعيَّة القانونيَّة، يترك الواقع القانوني خالياً من أي أساس أنثروبولوجي وأخلاقي حقيقي. أوضح البابا الفخريّ بنديكتس السادس عشر أنَّ الوضعيَّة القانونيَّة (ظاهريا أو ضمنيًا) لا تتوافق مع القانون الكنسيّ: "في حال كان هناك توجّه بطبيق القانون الكنسيّ مع نظام الشرائع الكنسيّة، فإنَّ معرفة ما هو قانوني في الكنيسة ينطوي أساسا على فهم ما تقرره النصوص القانونيَّة. [...] لكن يبدو واضحاً ما ينطوي عليه هذا المفهوم من الإفتقار: مع النسيان العملي للقانون الطبيعيّ والقانون الإلهيّ الإيجابيّ، كذلك العلاقة الحيوية لكل قانون مع الشركة ورسالة الكنيسة". وحتى في حالة التأكد "أن الإنتاج القانوني فيه تصبح حالة فردية معياراً حاسماً ليؤكّد المعنى الحقيقي لأمر قانوني في حالة معيّنة" (المرجع نفسه)، فسوف نجد أنفسنا أمام شكل من أشكال النظريّة الوضعيَّة القانونيَّة. في هذا المنظور - يلاحظ البابا بنديكتوس السادس عشر - "ليس هناك معنى لقانون موضوعي كي نبحث عنه، لأنه يبقى تحت رحمة الاعتبارات التي تدعي أنها لاهوتية أو رعوية، ولكن في النهاية يتعرضون لخطر التعسف". في النهاية، "القانون الحقيقي لا ينفصل عن العدالة. والمبدأ بالطبع ينطبق على القانون الكنسيّ، بمعنى أنه لا يمكن أن يكون منغلقاً في نظام تشريعيّ إنسانيّ محض، لكن يجب أن يكون مرتبط بنظام عادل في الكنيسة، فيه قانون أعلى نافذ". فالقانون الكنسيّ قائم على أساس الشَّرع الطبيعيّ والإلهيّ الإيجابيّ. ينسجم مع نظام العدالة والهدف النهائي. دون أو ضد العدالة، دون أو ضد نظام القوانين الكنيسة الجامعة، فإنّه يخلو بشكل موضوعي من مبرر لوجوده الخاص، أو من صحته.
في الواقع، التوقّف على مفهوم القانون باعتباره مجموعة من أنظمة، من السهل جداً أنَّ يتوجّه الاهتمام تقريباً بشكل حصريّ إلى الأنظمة الإنسانيّة، وبالتالي سيصبح الشَّرع الإلهيّ فئة إشكالية وفارغة تقريباً، وغير فاعلة في مجال قانون الزواج الكنسيّ. أو إنَّه سيستخدم بمثابة حدّ، يخصّ معطى مرسل أكثر من مطلب للواقع. وهذا بالتأكيد لا ينطوي على مناقشة بجميع الأنظمة، لكن ينظر إلى أنّ استقرارها أكثر إنسانيّة مما هي إلهيّة، وهذا الأمر يترك نظام الزواج بأكمله في حالة هشّة، خالية من تلك الصلابة التي لا يمكن أن تأتي إلا من أساس حقيقي وهو الله. والسبب في ذلك بسيط جداً: الشَّرع الإلهيّ، سواء الطبيعيّ أو الإيجابيّ، إذا وجد حقاً، هو الشَّرع الحقيقي، الشَّرع النافذ. ولفهمه يجب أن نبدأ من فكرة القانون. التي تنطوي على التلازم بين القانون والعدالة، فالشَّرع الإلهيّ سينظر إليه في هذا المجال كمجموعة من خيرات تنتمي إلى الأشخاص -على سبيل المثال الحياة الزوجيَّة - كمستوجب من قبل الآخرين وفقا للعدالة في عيش هذه العلاقات الأسرّية. وبهذه الطريقة يكتسب الحقّ الإلهيّ خاصّة به.
إنَّ الرؤية الوضعيَّة أو الإيجابيّة للشَّرع تسبب بعض المشاكل وهي كثيرة، لأنها غير قادرة على أن تساعد على فهم وعيش الواقع القانونيّ بشكل صحيح. عيبها الرئيسي هو في التجرد الذي يجعل الشَّرع فقيرا بشكل جذري، حيث يتوقّف على الجوانب الشَّكليَّة للشَّرع. وتعتقد النظريّة الإيجابيّة القانونيَّة أنّ الشَّرع الوحيد هو الإيجابيّ (مستبعدة الشَّرع الطبيعيّ). وتعتبر الشَّرع نظاماً يتضمّن قواعد يجب تطبيقها على الأفراد والمجتمع من خلال الوسائل الرسميّة والإجراءات والعقوبات الخاصّة. فالقيمة القانونيَّة لهذا النّظام تعتمد على قدرته علي فرض نفسه على نحو فعال، بما في ذلك من خلال إستخدام القوّة. ويمكن تحديد مضمون القواعد حسب الخيارات السياسيّة التشريعيّة، والتي بدورها تعكس الإجماع الإجتماعيّ القائم على القيم والسلوكيّات التي هي بحاجة إمّا إلى تعزيزها أو تجنبّها. وهذا ما يسمّى بالقيم النسبية المتغيّرة دائماً.
من الجانب الشَّرع الطبيعيّ، نجد أنَّ نظام الزواج الكنسيّ يؤسس جوهر الزواج على قواعد سلوك مستمدة من الطبيعة يمكن للإنسان معرفتها بشكل عقلاني والتي تمتاز برؤية متكاملة عن الإنسان وبعده الزواجي. إذا قرأنا نصّ القانون اللاتيني 1055 نجد عناصر الزواج الكنسيّ كحقيقة طبيعيّة وهي التالية: 1- رضى الطرفين، الصادر شرعاً عن شخصين مؤهلين قانوناً، وما من سلطة بشرية تنوب فيه عنهما ". بموجب القانون الطبيعيّ، فإنَّ رضى الزوجين يفترض في الواقع حريتهما، وأهليتهما ("iure habiles") والوعي بإقامة عهد زواجي foedus: 2-طبيعة الاختلاف الجنسي للوثاق الزواجي التي يتم تشكيلها بين vir و mulier، توضّح الافتراض الطبيعيّ لتنوع الجنسي والذي هو ضروري لبلوغ الهدف الطبيعيّ للزواج وهو الإنجاب (ق.1096 §1).3-شراكة حياة كلّها، كمفهوم، فإنه يعبرعن الأهداف الطبيعيّة للزواج. لذلك، يستند جوهر الزواج على عناصر طبيعيّة أسسها الله، كونه صانع الطبيعة الإنسانيّة وميولها الطبيعيّة. والكنيسة اكتسبت معرفة هذه العناصر الجوهرية للزواج من خلال نور العقل الإنسانيّ ومن خلال الوحي. وأعلنت أنَّ الزواج حقيقة من حقائق الخلق يندرج ضمن نظام الخلاص، فيُعدّ حقّاُ طبيعيّاً والمطمح المشترك لكّل إنسان؛ ودعوة طبيعيّة للأغلبية الشاسعة من الجنس البشريّ لإقامة مؤسّسة زوجيّة، أي اتّحاد مع شخص يختلف عنه جنسيًّا، ينشىء معه حياة مشتركة. لهذا فإنَّ اختيار الحالة الزوجيَّة هو حقّ إنسانيّ يرتكز على ذات الطببعة الإنسانيّة، مكتوب في الشَّرع الإلهيّ الطبيعيّ. ويعتبر هذا الحقّ أحد الحقوق الأساسيّة، الجامعة، الطبيعيّة لا يمكن خرقه، ولا يمكن استبعاده أو الحدّ من إمكانيّة تحقيقه. وتعترف الكنيسة بحقّ الزواج هذا لجميع المعمّدين على أن يتمّ تنظيمه وفقاً لشرع الإلهيّ الطبيعيّ والإلهيّ الإيجابيّ والكنسيّ؛ وهذا لحماية الهيّكلية الطبيعيّة لمؤسّسة الزواج التي أرادها الخالق.
بين الشَّرع الطبيعيّ والشَّرع الإلهيّ الإيجابيّ قد توجد علاقة لأنَّ الثاني يؤكّد ويوضّح أوامر هي من الأول، على سبيل المثال عدم إنحلال الزواج هو أمر من الشَّرع الطبيعيّ، ولكنه يصبح في الزواج -سرّ أمرأً مطلقاً من الشَّرع الإلهيّ الإيجابيّ. هذا التعليم نكتشفه مباشرة من قصة الخلق الوارد في العهد القديم في سفر التكوين، وهنا كلمة الإيمان تنير الحقيقة الطبيعيّة، وتؤكد على أهمية الاتحاد في الزواج وتوضّح الخصائص الأساسية للوحدة وعدم الإنحلال للزواج.
2-3- الشَّرع الإلهيّ الإيجابيّ
يتجسد الشَّرع الإلهيّ في تاريخ البشر، من خلال الشَّرع الذي يصوغه المشرّع الإنسانيّ بشكل إيجابيّ. وهذا لا يعني، بأي شكل من الأشكال، خضوع الشَّرع الإلهيّ للشرع الإيجابيّ (في الكنيسة)، بل هو لا يزال يحمل قيمة في حد ذاته، كونه تعبيراً عن إرادة الله. لكن، تمشيا مع منطق التجسد، كل حقيقة إلهيّة تصبح واضحة وملموسة من الناس عندما تأخذ شكلا ملموسا في حياتهم اليومية. فالإيجابيّة ليست سوى الوعي الكنسيّ لمحتويات الشَّرع الإلهيّ، والذي يوضّح ويجعل الشَّرع الإلهيّ فاعل بقوّة إلزامية. والشَّرع الإلهي الإيجابيّ هو أنظمة ظهرت من خلال الوحي الإلهيّ، يمكن أن نكتشفها من الكتاب المقّدس (العهد القديم والجديد)، وكذلك من التقليد الرسولي، وهو في حدّ ذاته ثابت وغير قابل للتغيير، تخصّ هيكلية الكنيسة وعمل دستورها، ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكن أن يكون موضع تعمّق ودراسة، فهو لا ينفصل عن الأحداث والتجارب التاريخيّة. بالتالي فإنَّ الشَّرع الإلهيّ الإيجابيّ هو مجموعة مبادئ مرتبطة بشكل عميق بالكنيسة وبهيكليتها، كونها كياناً أسّسه المسيح، الذي أعطى أهدافاً محددة يجب اتباعها مع مرور الوقت، ووسائل لاستخدامها، وأنظمة أساسية لتسوس ومعايير الانضمام. هذه المبادئ ضرورية لأنها تحدد هيكل وعمل دستور الكنيسة، والتي لا يمكن تغييرها لأن المشرع الإلهيّ وضعها. لا يستطيع الشَّرع الإلهي الإيجابيّ مُنَاقَضَة الشَّرع الطبيعيّ؛ هو بالأحرى يُؤكّدُه ويُثبتّه أكثر. والكنيسة بدورها تقبل كلا الشَّرعين وتعتبرهما كقوانين مُلزمة ذات سيادة، يُمكن تفسيرها لكن لا يمكن تَعديلها. ومهمّة الشَّرع الإيجابيّ تفسيريّة/إعلانيّة للشرع الإلهيّ وجعله فاعلاً، وتوضيح محتويات الأمر الموجود المهيّأ بقوّة إلزاميّة. لذلك يجب أن يطبّق هذا الشَّرع ليس فقط على الحالات التي تنشأ بعد صدوره، ولكن أيضاً على تلك التي نفذت سابقاً.
وتمرّ كلمة الله أيضاً في تقليد الكنيسة الذي يكفله الطابع الرسوليّ وتنشره الكنيسة بطرق متعدّدة. كتب العلامة توما الأكويني:" في الكتاب المقدس، تُنقل الينا الأمور الإلهيّة بحسب الطريقة التي اعتاد الناس أن يفهموها". فهذا التعليم حُفظ بطريقة حية في الكنيسة، لأنّ الروح القدس أعطي لها ويوجّهها ويرشدها. انها "عمود الحق وركنه" (ا طيموتاوس 3/ 15)، ولقد انارها روح الحق لتحفظ كلمة الله والتقليد المقدس بأمانة وتعرضها وتنشرها. فتقليد الإيمان الرسوليّ في الكنيسة هو دليل ضروريّ لفهم الكتاب والضمانة الأساسيّة للتفسير الصحيح. وكل تفسير للكتاب المقدس "يخضع أخيرا لحكم الكنيسة، التي كلّفتّ بمهمّة حفظ كلمه الله وشرحها بانتداب من الله". وبعبارة أخرى، ليست الكنيسة سلطة خارجيّة مهمتها الحكم على الكتاب المقدس، بل إنَّها تحفظ الحقيقة الإلهيّة المودعة فيه". فالإيمان المعلن من قبل جسد الكنيسة (sensus fidelium)، تحميه وتفسرّه السُّلطة التعليميّة المألوفة وغير المألوفة الممنوحة من السيّد المسيح إلى الرسل وإلى خلفائهم. فالوحي وتعليم الكنيسة يشكّلان إتّحاداً طبيعيّاً ولا يمكن الفصل بينهما. يعلن مجمع الفاتيكانيّ الثانيّ: "يتّضِحُ أنّ التقليد المقدس والكتاب المقدس وسُلطة الكنيسة التعليميّة، بتدبيرٍ إلهيّ كُلّيّ الحكمة، ترتبطُ ببعضها وتشتركُ فيما بينها، إلى حدِّ أنّ لا قيام للواحد منها دون الآخرين، وإنها كلّها مجتمعة، وبحسب طريقةِ كلٍّ منها وبتأثيرِ الروحِ الواحدِ، تُساهم بصورةٍ فعّالةٍ في خلاصِ النّفوس".
تحدّث الدستور المجمعي "في الوحي الإلهيّ" عن "التقليد المقدّس والكتاب المقدّس اللذين يشكلان وديعة كلمة الله المقدّسة الواحدة التي أعطيت للكنيسة. وفي اللاهوت الكاثوليكي، الطابع الكنسيّ للإيمان يجب أن ينعكس بالضرورة بالإشارة إلى السُّلطة التعليميّة بإستمرّار. وتعتبر السُّلطة الكنيسة التعليميّة سلطة خدمة، لأنّ هذه السُّلطة ليست فوق كلام الله ولكنّها تخدمه، إذ إنَّها لا تُعلِّمُ إلا ما استلمته، بحيث إنَّها بتكليفٍ من الله وبمعونةِ الروح القدس تُصغي إليه بتقوى وتحفظه بقداسةٍ وتعرضه بأمانةٍ. ومن وديعة الإيمان الواحدةِ هذه تنهلُ كل ما تقدّمهُ من حقائق يجبُ الإيمان بها كموحاةٍ من الله". لهذا السبب، يجب ألا تنفصل سلطة الكنيسة التعليميّة عن الكنيسة، فهي تعتبر مهمّة ووظيفة ترافقهما مواهب في الجماعة ولأجل الجماعة.
يقتضي القبول المستمر للرسالة الموحاة مطلباً أساسيّاً من الأمانة في الإيمان والمحافظة على الكلمة الإلهيّة. وسميت في عالم الفكر القانونيّ: الوديعة. وتقع مهمّة المحافظة على الكلمة ضمن مسؤوليَّة شعب الله كلّها. فكلّ مؤمن ومجموعة أو جماعة مؤمنين لا يمكن ان تُعفى من هذه المسؤوليَّة، ضمن مجالها في الحياة وإمكانياتها. فهذا يعتبر حق المؤمن في المحافظة على الكلمة، أي أن لا يكون مهدداً لتمسكه بإيمانه. فهناك تصرَّفات من قبل المعمّدين تضرّ أو تهدد الإيمان، وتشكّل ظلماً حقيقيّاً، لأنها تهاجم حقّه في العيش ضمن "بيئة كنسيّة سليمة". فالأمانة الشَّخصيّة للكلمة تتطلب إتمام جميع الواجبات المسيحيَّة، ولا سيما في بعديها التنشئة الدائمة وانسجام الحياة مع الإيمان. بالتأكيد قد يتعرّض المؤمن لتهديدات داخليّة وخارجيّة ضدّ إيمانه، وليس بالضرورة أنَّ تشكّل ظلماً، إلاّ إذا كانت ضدّ الحقّ الطبيعيّ للحريَّة الدينية، هذا في حال كانت التهديدات خارجيّة؛ أمّا إذا كانت من داخل الكنيسة، فإنَّها تعتبر انتهاكاً للواجب القانونيّ في المحافظة على الإيمان.
3-3- الشَّرع الإنسانيّ (lex humanum)
أنظمة ذات طبيعة إنسانيّة وطبيعة إلهيّة. والشكل الذي يتم من خلاله إصدار هذه الأنظمة يمكن أن يكون: أ) الشَّرع (ius scriptum) وهذا القانون يتضمّن أنظمة قانونيَّة أصدرتها الهيئات التشريعيّة الكنسيّة؛ يعود بعضها إلى القرون الأولى من تاريخ الكنيسة؛ والتي لا تزال لها أهيمة لدراسة القانون الحالي.
الشَّرع الإنسانيّ أو الكنسيّ، مرتبط بالشَّرع الإلهيّ الطبيعيّ والإيجابيّ، وفي الحالة التي يتناقض فيها معهما، فإنَّه يعتبر غير شرعي. وإذا أصبح في حالة معينة عائقًا أمام الخير الروحي أو حتى فرصة للخطيئة، فإنَّ السُّلطة التي وضعته يجب رفض تطبيقه لأنه يعتبر انتهاك من قبل الشَّرع الكنسيّ للهدف الأسمى في الكنيسة (salus animarum). لذلك المؤسسات التي تطبّق الشَّرع الكنسيّ بمرونة لن تجد لها أي تطبيق في الشَّرع الإلهيّ. ولا يمكن للشَّرع الإلهيّ (الطبيعيّ والإيجابيّ) أن يتخطى مؤازرة الشَّرع الإنسانيّ، أي الأنظمة القانونيَّة الإيجابيّة، المكتوبة من المشرّع الإنسانيّ. "في الواقع، نجد في النّظام القانونيّ المعمول به حاليا، العنصر الطبيعيّ والإيجابيّ، متّحديان معاً ويشكّلان مختلف الحقوق، وبالتالي فإنَّ تحديد كلّ منّها يتطلب إستخدام معايير طبيعيّة وإيجابيّة في وقت واحد". على سبيل المثال: ينصّ القانون اللاتيني الحالي 1098: "يُعتبر الزواج باطلاً، إذا تم عقده بدافع التدليس، المستخدم بقصد الحصول على الرضى والمتعلّق بصفة في الطرف الآخر، يمكنها بطبيعتها أن تُعكّر، بصورة خطيرة، صفو شركة الحياة الزوجيَّة"، في التشريع اللاتيني السابق لعام 1917 لم يكن سبباً للبطلان. في هذه الحالة، يمكننا القول إنَّه إذا كان القانون 1098 يُعبر عن مبدأ الشَّرع الإلهيّ، فقد كان دائمًا نافذاً (حتى إذا أدركت الكنيسة ذلك الآن)، بالتالي فنحن نطبقه أيضًا على الزواجات التي تم الاحتفال بها قبل دخول القانون اللاتيني 1983 حيّز التنفيذ؛ وفي حالة خلاف لذلك، أي إنَّ القانون يعبر عن مبدأ ذي شرع إنسانيّ، فإنه ينطبق فقط على الزواجات التي تم الاحتفال بها لاحقًا. وهذا اتجاه الاجتهاد القضائي السائد، وهو توجّه متأثر بالحاجة إلى الحذر.
والشَّرع الكنسيّ يتميّز بأنه شرع عامّ، وهو مشترك للجميع، اصدره المشرّع الأعلى في الكنيسة، وشرع خاص تصدره السُّلطة الكنسيّة المختصّة، سواء مؤتمر الأساقفة أو مجمع خاصّ أو سينودس الأساقفة لكنيسة شرقية كاثوليكية تتمتّع بحكم ذاتي، وفعاليتها تقتصر على إقليم أو مجتمع معين من الأشخاص. والمشرِّع الأعلى يستطيع أن يسن شرائع خاصة تنظيميَّة لموضوع محدد: على سبيل المثال، محاكمة التطويب والتقديس؛ محاكمة الأقصر بشأن القضايا إعلان بطلان الزواج. المجامع الكوريا رومانا الذين يقدمون خدمتهم الرعوايَّة إلى البابا، ليس لديهم أي اختصاص تشريعيّ في حد ذاته. يمكنهم أن يصدروا أنظمة عامّة فقط بموجب السُّلطة المفوضة من الحبر الروماني أو من خلال المصادقة الصريحة لها.
لا بد من ذكر التأكيد العام الوارد في القانون 11: "تُلزم القوانين الكنسيّة البحتة المعمّدين في الكنيسة الكاثوليكية ومن تم قبولهم فيها، وكانوا يتمتعون بقدرٍ كافٍ من الإدراك، وأتموا السابعة من عمرهم، ما لم ينص القانون صراحة على خلاف ذلك". إذن لا تلزم المعمّدين في الكنائس المسيحية غير الكاثوليكية. وهذا يعني أن الخاضعين لنظام القانون الزواج هم المعمّدون في الكنيسة الكاثوليكية فيما يتعلق بالقوانين الكنسيّة البحتة، من دون المساس بالطبيعة الإلزامية لجميع المعمّدين في ما يتعلق بالقوانين التي تندرج ضمن القانون الطبيعيّ (على سبيل المثال، عدم انحلال الزواج) أو في القانون الإلهيّ الإيجابيّ واحترام الاستثناءات الممكنة والمقررة صراحة (على سبيل المثال ، الصيغة القانونيَّة).
نجد في التشريع الجديد، اللاتيني أو الشرقيّ، تجديداً جوهرياً خلافاً لما جاء في التشريع السابق، حيث إنّ جميع المعمّدين المنتمين إلى الكنائس الكاثوليكيّة مقيّدون بتطبيق أحكام القانون الكنسيّ الكاثوليكي، ما عدا غير الكاثوليك، بموجب القانون 11 اللاتيني والقانون 1490 الشرقيّ الكاثوليكي. ويبقى المعمّدون غير الكاثوليك ملزمين بالشَّرع الإلهيّ الطبيعيّ، المذكور في القوانين الشرقيّة الكاثوليكيّة: 776؛ 801؛ 802 البند1؛ 808؛ 818؛ 820؛ 819؛ 822؛ 824 البند2؛ 853. تطبيقاً لهذا المبدأ الجديد، يُصبح المعمّدون غير الكاثوليك معفَيين من قانون الزواج الكاثوليكي.
يُلزم القانون 1490 الشرقي المعمّدين في الكنيسة الكاثوليكيّة بالقوانين الكنسيّة البحتة ويُحكم زواج الكاثوليك من الشَّرع الإلهيّ والشَّرع الكنسيّ أيضاً (ق. 780 البند1). وللسلطة التعليميّة الكنسيّة وحدها مهمّة التفسير الصحيح للوجهات القانونيَّة للزواج (دستور عقائدي "الوحي الإلهيّ"، رقم 10)، لكي تتحاشى أي خطأ حول بعض النقاط التي تخصّ القانون الطبيعيّ ومعطيات الوحي وخطورة التفسير الذاتية في تطبيق القانون وحفظ الوحدة الزواجيّة.
يُطرح هذا التساؤل: أي شرع إنسانيّ يجب أن يُنظم زواج المعمّدين غير الكاثوليك عندما يعقدون زواجاً في ما بينهم أو زواجات مختلطة، إذا تعلّق الأمر بالأهلية القانونيَّة للطرف غير الكاثوليكي، وبالموانع والمستلزمات القانونيَّة الإنسانيّة لصحة الرضى (ق.لاتيني 1098،ق.ش 821؛ ق.لاتيني 1103، ق.ش 825؛ ق.لاتيني 1102، ق.ش 826؛ ق. 1156 بند 2، ق.ش 843 بند 2)؟ أي شرع يجب تطبيقه في ما يخص الشروط المطلوبة من الشَّرع الإنسانيّ لطرف غير كاثوليكي، لصحة احتفال الزواج المختلط؟ وفي هذه الحالة هل يجب فهم خاتمة القانون 1059 "وإن كان أحد طرفيه فقط كاثوليكياً" بمعنى أنّ في الزواج المختلط يجب تطبيق الشَّرع الكنسيّ فقط أو يجب الأخذ بالحسبان أيضاً الشَّرع الذي يخضع له الطرف غير الكاثوليكي؟
في ما يتعلق بالمعمّدين غير الكاثوليك فهم مُلزمون بالشَّرع الإلهيّ الطبيعيّ، المذكور في القوانين الشرقيّة الكاثوليكيّة: 776؛ 801؛ 802 البند1؛ 808؛ 818؛ 820؛ 819؛ 822؛ 824 البند2؛ 853 . والشَّرعان الإلهيّ والكنسيّ حدّدا الأهليّة الزواجيّة للأشخاص، كالموانع الكنسيّة والصيغة القانونيَّة الكنسيّة للاحتفال بالزواج ومفاعيله. تطبيقاً لهذا المبدأ الجديد، يُصبح المعمّدون غير الكاثوليك معفَيين من قانون الزواج الكاثوليكي. وهذا للتأكيد على أنّ لهم الحقّ والواجب أن يحكموا أنفسهم وفقاً لأنظمتهم الخاصة الذاتية في ما يتعلق بالمادة التشريعيّة والإدارية والقضائية.
لم ينصّ الشَّرع اللاتيني الحالي قانوناً تنظيمياً بخصوص الشَّرع الذي يجب أن يُحفظ في لحظة الاحتفال بالزواج المختلط مع طرف غير كاثوليكي، لكنّ المشّرع اللاتيني أقرّ في الإرشاد Dignitas Connubii الذي صدر بتاريخ 25 كانون الثاني 2005، مادتين 2 و 4 تشبهان القانونين (780 و 781) من مجموعة القوانين الكنائس الشرقيّة؛ وهذا يغطي الفراغ قانوني الذي كان موجوداً في الشَّرع الكنيسة اللاتينية.
أقرَّ الشَّرع الشرقي في القانون 780 بند 2 قاعدة تنظيميَّة في مجال العلاقة بين المذاهب والتي تنصّ في ما يخصّ الزواج المختلط بين الشرقيين الكاثوليك والمعمّدين غير الكاثوليك، المحافظة على الشَّرع الإلهيّ، وأيضاً الشَّرع الخاص الذي يخضع له الطرف المعمّد غير الكاثوليكي الأرثوذكسي أو البروتستانتي. فيما يخص الأهلية القانونيَّة لعقد زواج مختلط بشكل صحيح والمتطلبات لصحة الرضى حسب الشَّرع الإنسانيّ، تُعدّ صالحة هذه القوانين: ق.لاتيني 1103، ق. ش 825؛ ق.لاتيني 1102، ق.ش 826؛ ق.لاتيني 1098، ق.ش 821؛ ق.لاتيني 1156 بند 2، ق.ش 843 بند 2. ويجب أن يكون واضحاً أن المحافظة على هذا القاعدة من قبل طرف السُّلطة الكاثوليكيّة المختصّة إلزامي، لأنه مقرّر من المشرع الكنسيّ بواسطة إحالة رسمية. لذا يجب الأخذ بعين الإعتبار تجنب التصادم بين النظام الخاص والنظام الذي يخضع له الطرف غير الكاثوليكي. والمشرّع الكاثوليكي يدعو بإحالة رسمية، إلى تشريع زواج المعمّدين غير الكاثوليك، ليس لضمّها من خلال"القوننة"،لكن الاعتراف بأنّ طبيعة شرع الكنائس الأرثوذكسيّة لها قيمة قانونيَّة. لذلك، في حالة زواج طرف معمّد كاثوليكي مع طرف معمّد كاثوليكي (شرقي أو غربي) ينبغي التحقق من الشَّرع الخاضع له الطرف الثاني ولا سيما بخصوص الشروط الضرورية لعقد زواج مختلط صحيح. ويجب التأكّد من أن المتعاقدَين يمتلكان الأهلية القانونيَّة المقرّرة من الشَّرع الإلهيّ الإيجابيّ-الطبيعيّ والكنسيّ، أي أن يكونا حرَّين من الموانع ذات الطابع الإلهيّ والكنسيّ.
4-3- الشَّرع المدني
هي أنظمة وضعها المشرّع المدني بهدف تنظيم الظاهرة الدينية والطوائف الدينية. وبهذا المعنى، فإنه يعني جزءاً من الشَّرع المدني. فرع من القانون العامّ يُفهم على أنه مجموعة قواعد متعلقة بالظاهرة الدينية وكعلم يوضع كموضوع الدراسة. والمشرِّع الكنسيّ يدعو بطريقة غير مباشرة إلى ضرورة مراعاة الأنظمة المدنيَّة لكلّ دولة، على الرغم من أنّه لم "يتمّ قوننتها صراحة. وبهذه الطريقة تصبح الأنظمة المدنيَّة أنظمة كنسيّة. والإحالة إلى القانون المدنيّ لا تعني تنازلاً من الكنيسة لاختصاصها في المسائل الإداريَّة، ولا يعني حتّى أنّه ليس للكنيسة تقاليدها الخاصّة وتعاليمها وقوانينها بخصوص هذه المادَّة. لفهم هذه الروح، يجب أن نشير باستمرار إلى كلمة الله، القاعدة العليا للكنيسة، بما في ذلك في ما يتعلّق بالخيارات الزمنيَّة، فضلاً عن عقيدة الكنيسة وبخاصّة تعاليمها الأخلاقيَّة، أو أهدافها الأخيرة وتاريخ تكوين تراثها الكنسيّ". وهناك شكلاين من الإحالة إلى القانون المدنيّ: الشَّكليَّة والماديّة. تطبّق الأولى في حالات يكون فيها النظام الكنسيّ غير مختصّ في تنظيم مسألة معيّنة ويعود الإختصاص للدولة ويعترف بالآثار القانونيَّة لأنظمة الدولة. وبعبارة أخرى يمكن القول إنّ المشرِّع يهدف ببساطة، من خلال سَنّ هذه الأنظمة، إلى تحديد "الحدود التي يجب أن تحكم القانون الكنسيّ، ويجب أو يمكن، أن يُسمح بقانون الدولة خارجًا عن تلك الحدود"؛ مع ذلك، فلهذا النشاط مجال ضيّق جدًا من العمليّات لأنّه "تمّ في العقيدة وفي دستور الكنيسة، تحديد الأنظمة أو مجالات السُّلطة، للدولة وللتنظيم القانونيّ في الكنيسة نفسها". بينما في الشكل الثاني، يعترف المشرِّع الكنسيّ بإختصاصه في بعض المجالات التي يسعى إلى تنظيمها شخصيًّا من خلال قواعد قانونيَّة كنسيّة. فينبغي الحديث، من الناحية التقنيّة، عن معايير تبدو "شكليًّا، كنسيّة، ولكنّها مدنيّة ماديًّا". الإحالة الثالثة هي قوننة الشرائع المدنيَّة، أي الأنظمة المدنيَّة المذكورة، ويتمّ الاعتراف بها وضمّها كأنظمة كنسيّة. وهذا يختلف عن الإحالة الشَّكليَّة، التي تقتضي إحالة متحرِّكة إلى الأنظمة، بحيث إذا غيّرت في النظام الأصليّ، غيّرت أيضًا في النظام الكنسيّ. يتمّ اتخاذ القواعد المدنيَّة المقوننة في المعنى نفسه الذي نجده في النظام الأصليّ. وهناك أيضًا في الشَّرع الكنسيّ الافتراض المسبق، أي عندما لا يرتبط الشَّرع الكنسيّ مع القاعدة ولكن مع الآثار: على سبيل المثال، فالأطفال الذين تمّ تبنّيهم وفقًا للقواعد المدنيَّة، يعترف بهم الشَّرع الكنسيّ أيضًا.
5-3- العُرف (ius non scriptum)
يمثّل العُرف تعبيراً عن واقعة إجتماعيَّة، وبالتالي يمكننا أن نتساءل ما إذا كان هذه الواقعة الإجتماعيَّة لديها، في حدّ ذاتها، سلطة تأسيسيَّة وتنظيميَّة للحقوق؛ وفي حالة كانت الإجابة إيجابيّة، فنطرح هذا السؤال: هل هذا ينطبق على الكنيسة؟. إذا كان الواقع الاجتماعي لديه طابع تشريعيّ، بأن ينشىء حقوق، نستنتج بأن ليس فقط أعضاء المجتمع سيكون لديهم الالتزام باحترام هذه الحقوق، ولكن أيضا المشرّع سيكون بطريقة ما مضطراً إلى أخذ ذلك بعين الاعتبار عند سَّن التشريعات، بشكل أن العادات الجماعية من شأنها أن تشكّل حدًا قانونيًا للسلطة التشريعيّة الكنسيّة. بالطبع، ليست كل العادات الإجتماعيَّة، المتجذرة في حياة المجتمع، تتمتع بالقوة القانونيَّة الملزمة نفسها. الحياة الإجتماعيَّة نفسها تحتوي على أمر تشكيل هيكيلية للجماعة لأنها تمنح اختصاصات، حقوقاً وواجبات؛ والمشرّع في محاولة لإصدار هذا الآمر يجب الاخذ بعين الاعتبار النظام الذي أقره المجتمع نفسه، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه يجب أن يكون غير قابل للتغيير.
العُرف في جوهره ضرورة تفرضها طبيعة الكنيسة نفسها، التي يجب أن تراعي العادات والتقاليد المختلفة بسبب طابعها الجامعي، ولإنتشارها بين شعوب ذات تاريخ وثقافة مختلفين. وهو قانون موضوعي غير مكتوب؛ قاعدة قانونيَّة جديدة يقدّمها المجتمع الكنسيّ لاستخدامه لها بشكل مستمر ومتكرر. لكن العُرف ليس بشرع، لأن الشَّرع هو عمل المشرّع ويتطلب الإصدار. والعُرف لا يتطلب الإصدار بل الموافقة عليه. لذلك ، يجب القبول بأن العُرف هو المصدر الثاني للقانون الكنسيّ. علاوة على ذلك، طبيعة العُرف تسلّط الضوء على حقيقة أن قيمته كمصدر للقانون يعتمد بشكل أساسي على العدالة المتأصلة في الحلول العُرفية، والتي تشمل الضرورة الإجتماعيَّة الهامة للغاية في تحديد بعض القواعد والممارسات.
يصبح العُرف معيارًا قانونيًا ليس على أساس رضى الأشخاص ولكن فقط إذا حصل على موافقة السُّلطة المختصة (ق. لاتيني 23). وفقا لأحكام الشَّرع قد تحدث هذه الموافقة إذا وقعت الظروف التالية:أ)- أن ينشأ العُرف من جماعة مسيحية "أهل على تلقي القانون" (ق. 25)؛ب) -التأكّد من وجود ممارسة متكررة وثابتة لأفعال تمتّ بشكل حر، مصحوبة بالقناعة على إتمام أعمال ملزمة قانونيّاً ؛ج) - أن لا يتعارض مع القانون الإلهيّ (ق. لاتيني 24 البند 1) ؛ ح)- أن يكون صوابيّاً، أي لديه موضوع مناسب؛ في هذا الصدد، يعلن البند 2 من القانون 24 أن " كما لا يمكن أن يكتسب قوة القانون، العُرف المناقض للحق القانوني أو الخارج عليه، ما لم يكن صوابياً. وكل عُرف يرفضه القانون صراحة لا يكون صوابياً" ؛خ) - وجود فترة معينة من الزمن ، وعادة ما لا يقل عن ثلاثين عاما (ق. لاتيني 26). في الواقع نجد في منطوق القانون 23 نية المشرّع تسليط الضوء على نشاط المؤمنين الفعال. والقانون الشرقي 1506 البند 1 أراد صراحة أن يذكر عمل الروح القدس في إنتاج القاعدة العُرفية، لأن الروح القدس هو من يوجه حياة الجماعة المسيحية: "البند 1- عادة الجماعة المسيحيّة، بقدر استجابتها لفعل الروح القدس فى جسد الكنيسة، يمكن أن تحصل على قوّة القانون".
أمَّا علاقة العُرف بالشَّرع، فيمكن أن تكون praeter legem أي التي تقرر قاعدة لا تتعارض مع أي شرع، لأنه لا يوجد أي شرع ينظم هذا النشاط، وهذا العُرف يمنع وجود ثغرة قانونيَّة وفقا للقانون 19. العُرف حسب الشَّرع هو الذي يقدم قاعدة في الخط نفسه من الشَّرع السابق. إنَّها ليست مجرد مراعاة الشَّرع، لأنه في هذه الحالة لا ينبغي الحديث عن عرف كمصدر تشريعيّ، لكن مصدر شرع، حيث إنَّ الحقوق المقررة والواجبات القانونيَّة المرتبطة لا تأتي من هذه العادة ولكن الشَّرع الصادر. على أي حال ، فإنَّ فئة العُرف، وفقاً للشرع، ضعيفة جداً وليست مفيدة جداً، لأنه إذا كان حقّاً عُرفاً الذي يدخّل قاعدة إيجابيّة بشكل إيجابيّ، فإنه سيصبح praeter legem في حالة أنشاء قاعدة جديدة وحقوق وواجبات جديدة، سواء على أساس شرع موجود مسبقا، أو حتى ضد الشَّرع contra legem، عندما يخلق تعارضاً بين العُرف وأحكام التشريع. وأخيرا ، فإنَّ العُرف المخالف للشرع الذي يسود على الشَّرع. وهنا نحن نشير إلى قاعدة إيجابيّة، التي تدخّل قاعدة معينة للسلوك تتعارض مع شرع سابق.
4-المصادر المساعدة للقانون الكنسيّ
أدرج الشَّرع اللاتيني في القانون 19 بعض مصادر المساعدة للقانون الكنسيّ التي يجب أن يلجأ إليها المفسرّ (باستثناء المسائل الجزائية) عندما لا يجد في الشَّرع العامّ قاعدة مكتوبة أو عرفية تتناول حالة معينة، وهذا ما يسمى بالثغرات القانونيَّة. فقد أقرَّ المشرّع في حالة ثغرة قانونيَّة مصادر تكميلية يمكن اللجوء إليها.
المصادر هي: (أ) التشابه الذي يتكون من مسار تكاملي يبحث المفسرّ من خلالها من بين القواعد التي تنظم الحالات المماثلة أو المواضيع المماثلة، قاعدة أكثر ملاءمة لتنظيم حالة معيّنة (غير المنصوص عليها في القانون). ب) المبادئ العامَّة للقانون، مستقاة من التعميمات المتتالية للقانون الإيجابيّ؛ ج) الإنصاف الذي يستخدم عادة في النظام الكنسيّ لتخفيف صلابة القاعدة المكتوبة؛ د) الاجتهاد وتصرّف الكوريا الرومانية؛ ه) التعليم الذي يصبح مصدراً لقانون موضوعي عندما تتكون في "تعليم مشترك ومستمر".
1-4- الاجتهاد القضائي
هو من "النشاط الرعوي الكامل للكنيسة"، ولهذا السبب فهو دائمًا متأصل في التأمل اللاهوتيّ للزواج بعمق. وعلى السُّلطة التعليمية الكنسيّة أن تلجأ إلى الوسائل الإنسانيّة لإيجاد الحقيقة، أي الكشف عن الإرادة الإلهيّة، أي إلى العلم الذي يكتسبه الإنسان بعقله الخاص، لأنَّ "الله يعمل" عبر عمل إنسان. لذا التفكير العلمي، الذي يقوم به الاجتهاد القضائي في مجال القانون الطبيعيّ، له قيمة موضوعية في التعمق بالحقيقة التي على السُّلطة التعليمية أن تأخذها بعين الاعتبار عندما التفكير نفسه يرسو نحو نتائج التي لفترة طويلة، لن تكون موضع نقاش من قبل الهيئات القضائية في الكنيسة. فالمقصود بالاجتهاد القضائي، التعليم القانوني الذي يستند إلي الأحكام القضائية، ثمار التفكير القانوني، يتقوّى من خلال تطبيقه المتكرر في المحكمة. ويهدف الاجتهاد القضائي إلى فهم السبب القانونيّ ratio iuris لواقعة محدّدة. في الواقع، وظيفة القاضي هي قول الحقّ "ius dicere"، أي إعلان حق لكل شخص، فعليه أن يفكرّ كي يحدد السبب في القانون. وبهذا المعنى، يعطي الحكم الحقّ للطرفين sententia facit ius inter partes. في هذه الحالة، يقوم القاضي بنشاط إداريّ، لأنه لا يعلن عن حق قائم مسبقًا ولكن يشكّله. لذلك، حتى بوجود افتراض إنشاء حقوق جديدة، على القاضي أن يحترم الواقع القانوني القائم مسبقاً، والاجتهاد القضائي قد يساعد على اتخاذ هذا الاجراء من دون التعدي على حقوق أخرى. لذلك، الاجتهاد له أهمية كبيرة في تحليل تصرّفات المحاكم الكنسيّة في لحظة اتخاذ القرار المتعلقة ب quaestio iuris.
والسمة المميزّة للتعليم الفقهي هي أنه يعرض حقيقة العدالة، من دون النظر إلى الأمور بصورة مجردة، لكن بحلّ مسألة dubium وفقاً للواقعة المحددة. يؤيد بعض القانونيين النظريّة القائلة إنَّ الاجتهاد القضائي هو مصدر تشريعيّ في النظام الزواج الكنسيّ، على سبيل المثال Carnelutti الذي يعتبر الاجتهاد القضائي على المستوى نفسه من الشَّرع لأنه الشَّرع المفسرّ". وهذا ما أكّده أيضاً المونسينيور Pompedda في كتابه بعنوان "الاجتهاد القضائي كمصدر للقانون في النظام الزواجي الكنسيّ"، موضّحاً أن الاجتهاد القضائي يمكن أو يجب أن تكون وظيفته في النظام الكنسيّ مصدر ليس فقط للمعرفة ولكن أيضًا لوجود القانون. ومن هذا المنطلق، يقول: "يجب أن يُفهم الاجتهاد القضائي، ليس فقط كتفسير للقاعدة المتكرّرة بمعنى واحد، ولكن معًا يجب أن يتضمّن في هذا المفهوم أيضًا التوحيد الأفقي، أي عامّ لهيئات قضائية ضمن الجهاز الحاكم نفسه".
يعبر Montini عن رأيه في حال تم الاعتبار أنَّ الاجتهاد القضائي مصدر للقانون، يجب أن نفهم المفهوم نفسه ليس بالمعنى المادي، أي يعني "مجموعة قرارات متماثلة أو أقرّتها المحاكم بشكل متماثل بالممارسة الفعالة لوظيفته القضائية "، بل بالمعنى الشكليّ، أي إنَّها نفس السُّلطة المرتبطة بالقرارات نفسها لأنّها أُقرّت بشكل متماثل". ويترتب على ذلك أن التغيير في الاجتهاد القضائي لا يحدث من الشَّرع؛ لأنَّ بالتأكيد قد يفقد تعليم الاجتهاد القضائي قيمته بسبب توقّف القانون الذي كان مؤسّساً عليه، لكن بسبب تفسير أفضل، الذي يمكن أن يستند إلى رأي تعليميّ أو بتشكيل أدلة جديدة في القضاء. وبعبارة أخرى، فإنَّ التغييرات الفقهية تحدث من خلال الممارسة المألوفة للوظيفة القضائية، مع العلم أنَّ تعليماً فقهيّاً معيّناً قد يسقط إذا استند إلى قانون إيجابيّ وهو في حالة التوقّف.
الاجتهاد القضائيّ الروتالي له مهمَّة أن يضمن تفسيراً أكثر تاكَيْداً وموّحداً للشَّرع الإلهيّ والكنسيّ. فالقَرارات النّاجمة عن الاجتهادات روتا رومانا هي نماذج كمرجعية ومواضيع للدراسة القضائيَّة. أكّد البابا يوحنا بولس الثاني رفضه أي تفسير يتعارض مع الشَّرع الكنسيّ، خصوصا في المسائل الزوجيَّة، يقول: "يعود إلى القاضي المشاركة المهمّة جدا في تحديد معنى القانون ... ولكن القوة التفسيرية تكمن أساسا في تشكيل الاجتهاد القضائي (الفقه القضائي)، أي مجموعة الأحكام المتطابقة التي، من دون أن يكون لها مطلق السُّلطة القديمة على الأشياء حُكمت دائما بالشيء نفسه، مع ذلك له دور ملحوظ في ملء الثغرات القانونيَّة". وأمام أعضاء روتا رومانا سَنَة 1983 تحدّث عن مهمّة الاجتهاد القضائي: "مهمَّة الاجتهاد القضائي الرَّوتالي – مع إحترام وجود التعدديَّة التي تُظهر شموليَّة الكنيسة- هي قيادة نحو أكثر وحدة وتقارب وتنسيق جوهري لحماية المحتويات الأساسيّة للزواج الكنسيّ".
لكثرة الأحكام في المحكمة، ولكثرة المحاكم التي تحكم وتشكل مجموعة من تفسيرات قانونيَّة فرديَّة لا بد من الطابع التنظّيمي، أي وجود إمكانية التواصل بين المحاكم لبلوغ إلى تفسيرات تشريعيّة لقانون ما، من طرف عدة أحكام وعدة محاكم. فإنَّ كثرة المحاكم الكنسيّة لا يمكن أن تخلق عدة أحكام وتفسيرات قضائيَّة بدون وحدة، فهذا سيؤدي بتأكيد إلى إنقسام في الجماعة الكنسيّة. والأسباب التي تطالب بوحدة التفسير القضائي الكنسيّ هي عديدة، يُمكن ذكر البَعضَ منْها: 1-إنّ وحدة الاجتهادات القضائيَّة، هي من جوهر طبيعة التفسير في الاطار الكنسيّ والمعَطى التشريعيّ. فالتفسير القَانوني في كنيسة، يأخذ مسار إجراء قانوني موّجه لبلوغ إرادة المشرّع. لذا، جميع الأحكام الصادرة عن محاكم كنسيّة مختلفة لها نقطة مرجعيَّة وحيدة تتوجّه نحوها وهي إرادة المشرّع. أي متناسب مع إرادة المشرّع.
لا يمكن معالجة مسألة التوحيد في الاجتهادات القضائية من دون الأخذ في الاعتبار بحقيقة أنَّ الاجتهادات القضائية تعالج بشكل حصريّ قضايا إعلان بطلان الزواج. لذلك، إنَّ موضوع المحاكمة هو دائماً نفسه. بالتأكيد الاختلافات الثقافية تؤثر في الطريقة التي من خلالها يمكن تقديم بطلان الزواج، ولكن لا تؤثر في جوهر موضوع المحاكمة ذاته (صحة الزواج)، الذي ينتمي إلى مجال الشَّرع الطبيعيّ بدلاً من المجال الثقافي. وبالنظر إلى أن موضوع المحاكمة سيكون دائماً هو نفسه، عندها سوف نفهم لماذا لاحظ بعض المؤلفين أنّ التحدث عن الاجتهاد القضائي الموّحد سيكون حتمياًّ. وتجدر الإشارة إلى أنه في القضايا الزوجيَّة، المحاكم المرتبطة بالسُّلطة العليا تتمتع منطقياًّ بسلطة خاصة، كما ذكر مسبقا الحبر الروماني قبل الدستور الرسولي "الراعي الصالح"، لدرجة أنَّ الدور التوجيهي لوحدة الاجتهاد القضائيّ سيبدو على أنَّه نتيجة. وهذا لا يعني أنَّ الاجتهادات القضائية للمحاكم السفلى ليس لها قيمة قانونيَّة. حتى اجتهادات لهذه المحاكم لها قيمة، المذكورة أعلاه. فإذا كان هناك فرضية تدعمها المحكمة السفلى، فمن الصواب أن يتم تقديمها في محاكمة أمام المحكمة ذاتها (بينما في محكمة أخرى لن يكون لها أي قيمة، في رأيي، سوى رأي فقهي له أساس أكثر أو أقل).
مسألة أخرى وهي إذا كان الاجتهاد القضائي لمحكمة سفلى مخالفاً للاجتهاد القضائي الروتالي له أي قيمة قانونيَّة. في رأيي، الجواب سلبي. هذا، ومع ذلك، لا يعني أنّض القاضي لا يستطيع في حالات فردية، إذا عرض حججاً مقنعة، أن يحيّد عن التحكيم الاجتهاد القضائي الروتالي، وبالتالي يحكم بحسب الضمير. وفي حال كان منطق التفكير لمعالجة القضية أكثر إقناعا من العلم الروتالي، فإنَّ الروتا نفسها يمكن أن تغيّر توجّهها الفقهي بالقضية نفسها. في هذه الحالة، المحاكم السفلى ستساهم في تشكيل الاجتهاد القضائي الكنسيّ. يعلّق Gullo على هذه القضية، مؤكّداً بوجود حرية القاضي في أن يصدر حكماً كما يمليه عليه ضميره؛ وأنَّ الحكم لا يشكّل إجتهاداً قضائيَّاً، والقوة الملزمة للاجتهاد القضائي تكمن في التفكير العقلي. بهذا المعنى القانون الشرقي 1501 بدلا من أن يتحدّث عن الاجتهاد الكوريا الرومانية فإنّه يشير إلى الاجتهاد القضائي الكنسيّ، ويبدو أكثر شمولا ويمكن أن يتوافق مع المادة 126 من الدستور "الراعي الصالح" في ما يخص وظيفة الاجتهاد الروتالي. وفي هذا الصدد، فإنَّ السؤال المطروح ما هي قيمة الخطابات السنويّة التي يعرضها الحبر الروماني أمام محكمة روتا الرومانية؟ أكد بعض الكتّاب القانونيين على قيمتها التعليميّة، وينبغي تقديم لها الاحترام فكريّاً، وتعدّ قيمتها ملزمة للقضاة الذين يحكمون باسم البابا. وهناك من لم يشكك في فعاليتها التشريعيّة، في حين البعض اعترف بوظيفتها التعليمية-التوجيهية. كانت هذه القضية، في الآونة الأخيرة، موضوع دراسات على نطاق واسع، من عمل المحكمة الروتا الرومانية ومن البابا يوحنا بولس الثاني. على وجه الخصوص في أحكام المادة 126 من الدستور الرسولي "الراعي الصالح" حيث عهد إلى الروتا مهمة توفير توحيد الاجتهادات " unitati iurisprudentiae" في القانون الكنسيّ بأكمله، اللاتينية والشرقية.
أشار البابا يوحنا بولس الثاني مراراً إلى صعوبة تحديد بعض الأنظمة الجوهرية الزوجيَّة، على سبيل المثال تلك المتعلقة باضطرابات نفسية التي تبطل الرضى الزوجيّ (ق. 1095)، أو الغش (ق. 1098)، أو الغلط الذي يحدّ من الحرية (ق. 1099). في هذه الحالات، خشي البابا من "مخاطر التفسيرات المتجددة غير الدقيقة أو غير المتناسقة". لذلك قَبِل البابا بالتفسيرات المتجدّدة التي يمكن أن تكون مشروعة إذا كانت غير دقيقة أو غير متناسقة. هذه التفسيرات - تتعلق بالمواد التي تعتمد مباشرة على القانون الإلهيّ - لا يمكن أن تتمّ من خلال استخدام مفهوم epikeia، وهذا سيتطلب التفكير في طبيعة تطورية للقانون الطبيعيّ، وبشكل دقيق بتطور انطولوجي - تختلف عن التطور المعرفي - وهو مستحيل. والتفسيرات المبتكرة ممكنة في حالة التعمّق بمحتويات قاعدة ثابتة وأساسية التي تسند مؤسّسة الزواج.
2-4- المحكمة الروتا الرومانا
هي محكمة تحكم "بإسم الكرسيّ الرَّسوليّ"، "بإسم وبسلطة الحبر الروماني". لهذا ما يتوافق مع وضع كلّ ديوان في الكوريا رومانا، فهي مهيَئة بسلطة مألوفة ونيابيَّة. أكّد البابا يوحنَّا بولس الثانيّ أنَّ قرارات الروتالية تكتسب أهميتها الكبيرة من خلال مشاركتها، بشكل غير مباشر، في خدمة نائب القديس بطرس؛ ويقول للقضاة: "أنتم تعملون، تدرسون، تحكمون باسم الكرسي الرسولي". لذلك، قرارات المحكمة الروتا الرومانية، وأن لا تحمل قيمة قانونيَّة محددة، لكنها مصادر موثوقة كونها تُنشر فيActa Apostolicae Sedis . ومن ناحية أخرى، على الرغم من أنَّ الاجتهاد الروتالي، كما أشار إليه البابا يوحنَّا بولس الثاني، سائد في الواقع على نشاط دوائر الكرسي الرسولي الروماني الأخرى (ما عدا وظيفة المجلس الحبري لتفسير النصوص التشريعيّة) لملء الثغرات القانونيَّة، لا يبدو أن هذا يعني تقليلاً من مهام التوقيع الرسولي، والسبب في ذلك، أنَّ المحكمة الروتالية هي الجهة الوحيدة ذات الاختصاص المألوف للحكم في قضايا بطلان الزواج. في الواقع، عندما تجد المحكمة التوقيع الرسولي في أحكام روتالي أو في محاكم السفلى سبباً يبرر محاكمة جديدة في قضايا بطلان الزواج، هذه القضية تحال إلى المحكمة الروتالية للحكم بشأن الموضوع. تستثني كلمات البابا في خطاب عام 1992 بالتأكيد من الوظيفة التشريعيّة اجتهاد المحاكم التي لا تنتمي إلى الكوريا الرومانية.
أشار الدستور الرَّسولي "الراعي الصالح"، بتاريخ 28 حزيران 1988، بوضوح نيَّة المشَّرع، بأنَّ وظيفة الحفاظ وإدارة وحدة الاجتهاد القضائي في الكنيسة تعود إلى المحكمة روتا رومانا. والمادة 126 منْ الدستور نفسه، كأول نصَّ تشريعيّ، أشارت إلى ثلاث مهمّات أو وظائف لروتا رومانا عَلى صعيد الكنيسة الجامعة: 1)- حماية حقوق المؤمنين، وإن كانت من واجب أية محكمة كنسيَّة؛ 2)- الإهتمام بوحدة الاجتهادات القضائيَّة؛ 3)- منْ خلال أحكامها الخاصَّة، تجعل نفسها المساعدة للمحاكم الكنسيّة في كلّ أنحاء العالم التي هي في الدَّرجة السّفلى. في الواقع، منطوق المادة 126 ورد في خطاب البابا يوحنا بولس الثاني الموجّه إلى روتا رومانا بمناسبة صدور مجموعة القوانين الكنيسة اللاتينية "وظيفة الاجتهاد القضائي هو ... بلوغ -مع احترام التعددية السليمة التي تعكس الطابع الجامعي للكنيسة- مزيد من الوحدة والتوحيد الاساسيّ بحماية محتويات أساسيّة للزواج الكنسيّ". ويُفسرّ السبب وراء منح هذه المحكمة مهمة توحيد الاجتهاد القضائي على أساس الاعتقاد بأن المحكمة الروتا لديها فرصة تحقيق "من الداخل" المهمة الموكلة إليها، وذلك بفضل القيمة العلمية لفقهها القانوني، كمرجعية علمية لجميع المقرارات القضائية"، قيمة كبيرة للفقه القانوني الروتالي في الكنيسة".
وضّح البابا يوحنَّا بولس الثاني في خطابه عام 1992 بشكل موسّع معنى المادة 126: "ما هو واضح للجميع أنَّ التفسير القضائي – بقوّة القانون 16 البند 3- ليس له قيمة الشَّرع ويلزم حصريّاً الأشخاص أو يخصّ الاشياء التي تم لأجلها النطق بالحكم (...). وفي مجال التفسير الشَّرع الكنسيّ ولا سيما حيث يمكن أن توجد أو يبدو أن هناك "ثغرة قانونيَّة"؛ القانون 19 (...) – يضع بوضوح المبدأ القائل إنَّ من بين مصادر تكميلية أخرى، هناك الاجتهاد وطريقة التصرّف الكوريا الرومانية. وإذا استخدمنا هذا المعنى في قضايا بطلان الزواج، يبدو من الواضح أنه، من حيث القانون الموضوعي، يجب أن يُفهم الاجتهاد، في هذه الحالة، حصراً تلك الاحكام الصادرة عن المحكمة الروتا الرومانية. وأخيرا، في كانون الثاني عام 1993، في خطابه أمام اعضاء المحكمة الروتا رومانا، أشار البابا إلى مهمة المجلس الحبري للتفسير النصوص التشريعيّة في حل الثغرات في القانون (رقم 4 §§ 1 و 2)، مضيفاً الاشارة إلى المادة 126 من الدستور الرسولي "الراعي الصالح: "مع ذلك ما هو واضح، أنه غالبا ما تحتّم الظروف التي يكون فيها تفسير (...) الشَّرع الكنسيّ معهود لمن لديهم في الكنيسة سلطة تنفيذية والقضائية".
مُهمَّة المحكمة الرَّوتا رومانا التحريك نحو وحدة الاجتهاد القضائي، على أن لا تكون مهمَّة مانعة للمحكمة الرَّسوليَّة، إلاّ في حالة الإختصاص. فمثلاً: المحكمة روتا رومانا لا تستطيع ممارسة هذه المهمَّة في إطار الاجتهاد القضائي للحقوقيَّة الإداريَّة، التي هي من إختصاص خاص ومانع، في الدرجة الأولى والأعَلى لمحاكمة القسم الثَّاني لمحكمة التوقيع الرسوليّ العليا؛ ففي إطار الاجتهاد القضائي الزَّواجي، مهمتّها محدّدة مع الأخذ بعين الاعتبار إختصاص مجمع تَنظيم الأسرّار والعبادة الإلهيّة المتعلّق بعدم إكتمال العلاقة الزوجيَّة، ومجمع عقيدة الايمان فيما يخص التنعيم بالايمان.
الخاتمة
لم يتحدّث المشرّع عن "ابداء الإيمان" ولا عن "تقديم الإحترام الديني بالفكر وبالإرادة"، ولكن عن قاعدة آمرية، تنص على أن المؤمنين ملزمون بمراعاة الدساتير والقرارات. ولا سيما تلك التي سنّها الحبر الأعظم أو هيئة الأساقفة (ق. لاتيني337). نصّ القانون اللاتيني 752: "لا يكفي إبداء قبول الإيمان، بل يجب رضوخ العقل والإرادة دينيا للعقيدة التي تتناول الإيمان والأخلاق، والتي يُعلنها الحبر الأعظم أو هيئة الأساقفة، أثناء ممارستهم لسلطة التعليم الأصلية، وإن كانوا لا ينوون إعلانها بصورة نهائيّة؛ ولذلك على المؤمنين، أن يجتهدوا في اجتناب ما لا يوافقها". ومن هنا ينشأ واجب القاضي بأن يكون أميناً للشَّرع الإلهيّ، الطبيعيّ، الإيجابيّ، الكنسيّ والقضائي، والذي يرتكز على خضوعه للأنظمة التشريعيّة الكنسيّة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقوانين الزواج، فلا مكان للبحث الحُر عن القانون من خلال تفاسير نفسيَّة وإجتماعيَّة محضة، بدون الأخذ بعين الاعتبار العناصر الجوهريَّة القانونيَّة. ولكي يُفسرّ القاضي الشَّرع، يجب اللجوء إلى نيّة المشرّع mens legislatoris وإرادته voluntas Legislatoris، أي إلى روح وقلب النظام الذي ينبض تحت سطح الكلمات المنظورة للنَصَّ التشريعيّ.
"تذكّر مجموعة القوانين اللاتينية غالباً أنّ الشَّرع لا يلزم إذا الإجراء المضاد له إلاّ إذا كان لسبب خطير منطقي أو مناسب. فمن يتصرّف خلافا لمقتضيات الشَّرع لأنَّ سببًا مناسبًا -كذلك يعتبره الشَّرع بهذه الصورة- يدفع لذلك، فهو ينتهك الشَّرع ماديّاً فقط، لأنّه في تلك الظروف الشَّرع لا يلزمه فقط أخلاقيّاً لكن أيضاً، بالإشارة إلى النصوص المذكورة اعلاه، قانونيّاً. في هذه الحالات، لا يمكننا بالتالي التحدث عن انتهاكات لقواعد قانونيَّة بالمعنى الضيق للكلمة، لأنَّه بالنسبة لذلك الشَّخص في تلك الظروف الامتثال للقاعدة لم يكن إلزاميّاً". في الواقع، عندما يُصبح الامتثال لقاعدة أمر مستحيلاً، فإنَّه يعفي من حاجة الحفاظ حتَّى من دون إجراءات خاصّة. هذه الاستحالة قد تكون مختلفة عن الاستحالة الجسديَّة. فمن الواضح أنه لا أحد يستطيع أن يكون مجبراً بموجب القانون على فعل شئ مستحيل جسديا. ويمكننا القول: في هذه الحالات "الطبيعة" هي التي تجعل الواجب باطلاً". قد يُعلق الإلتزام بالشَّرع الكنسيّ لأسباب داخليّة في حالات فرديّة، بالإضافة إلى حالة الاستحالة الأخلاقيّة، عندما يتوقّف هدف الشَّرع في حالة ملموسة لدى المؤمن.