موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٣ يوليو / تموز ٢٠١٣

عيد السيّدة العذراء مريم سلطانة الكرمل

بقلم :
الأب بيتر مدروس - فلسطين

تحتفل الكنيسة الجامعة الكاثوليكية في العالم، في الجليل وسائر فلسطين في هذه الفترة، بعيد السيّدة مريم البتول منها السلام، سلطانة جبل الكرمل و"نجمة البحر". وتزدان حيفا بأبهج ألوان، ويجتمع المؤمنون العرب من غير تمييز لإكرام "المباركة في النساء" "المطهّرة المصطفاة المطهّرة على نساء العالمين". ويغتنم المرء هذه المناسبة العطرة –مع صوم الشّهر الفضيل عند العالم الإسلاميّ– كي يذكّر بجذورنا الإيمانية وتراثنا الوطنيّ العربيّ الذي حافظ عليه نفر غير قليل من عرب سنة 1948 أي من فلسطينييّ النكبة. وتنفع الذكرى أيضاً –"ومن كان له أذنان سامعتان فليسمع"– لتعيد هويّتنا وتراثنا وأصولنا وقِيَمَنا إلى أذهان أهلنا في فلسطين الدّاخل ، وفي المهجر وحتّى في الخليج العربيّ الّذين نسوا جذورهم وتقاليدهم وحتّى لسانهم العربيّ - لغة الضّاد التي بها نفتخر مسلمين ومسيحيّين وهي – كما كتب المستشرق "جولدتسيهر" وأحسبه عبرانيّ الأصل – "هي اللّغة الوحيدة أو من اللغات القليلة النّادرة التي يمكن للمرء أن يقع في حبّها". اللّغة العربيّة طيّ النسيان أو عرضة للتّشويه! استهلّ المرء الحديث هنا باللغة أو اللسان "لسان العرب". ولو عاصرَنا "ابن منظور" لصُعق لهول وضعنا في المهجر وفي عدد من البلاد "العربيّة". زار أحد اساقفتنا الكاثوليك الرعايا الفلسطينيين المهاجرين في أمريكا اللاتينية ، وذُهل لعدم معرفتهم للغة العربيّة. ويُصدَم المرء عندما يرى عرباً في شبه الجزيرة العربيّة –يخاطبون أولادهم بالإنكليزيّة ، ناهيكم عن المهاجرين إلى الولايات المتّحدة أو كندا أو سواها في الغرب... وعودة إلى "عرب الدّاخل" : في إحدى المدن "من الوسط العربيّ" يستعدّ أطفال مسيحيّون للتثبيت والتناول الأوّل . عددهم في إحدى الرّعايا أثنا عشر ، منهم ثمانية لا يعرفون لا القراءة ولا الكتابة بالعربيّة . وفي المنزل يبدو أنّ لغة الحديث بين الوالدين والأولاد – إن وُجد حديث – هي العبريّة ، وكأنّهم من "قوم موسى" ومن "أولاد عمّنا" . أمّا في جنوب البلاد فهنالك عائلات "عربيّة" نسيت أنها "فلسطينيّة – ولا تتكلّم إلاّ العبريّة في البيت. وهنالك من يقول كلمة في العربيّة وعشراً في العبريّة! هل كانت خمس وستّون سنة كافية لمحو لساننا وهويّتنا ، فصار لسان بعضنا أعجميّ وكأنه تقمّص بسرعة البرق جنسيّة أخرى ، أنستها قروناً من العروبة وقِيَماً من الديانة والأخلاق؟ ويكتب المرء هنا – كما أسلفنا – عن اللغة ، لئلاّ نخوض في الضّياع وفقدان الهويّة وخسران التقاليد العربيّة الحميدة في المهجر وعند عرب الدّاخل ، وأيضاً عند نفر من مواطنينا في الضفة الغربية وسواها- وقد تعوّدوا ، على سبيل المثال، إرسال الرسائل القصيرة على الهواتف التي أمست "ذكيّة" ولعلّها باتت "أوفر ذكاء من الآدميّين" في لغة عربية وبأحرف أجنبيّة. السيّدة العذراء طود من الفضيلة والعفاف والحكمة يرتفع كالكرمل ويشمخ كحرمون (جبل الشّيخ)! يجمعنا نحن المؤمنين العرب – بين أمور دينية وأخلاقية كثيرة – إكرامنا للسّيّدة العذراء مريم والدة السيّد المسيح. ولا يقتصر إعجابنا بالبتول على الإشادة بمناقبها، بل فيه دعوة إلى الاقتداء بفضيلتها الناصعة وتواضعها مضرب الأمثال ، وحكمتها وشديد محبّتها للسيّد المسيح. لذلك تبقى مثالاً متألقاً "مثل السوسن بين الشّوك" ، يسمو بالنفوس ويهيب بها للنزاهة والبراءة والحسّ السّليم والخلق القويم ، الّتي من غيرها يكون "الحُسن غروراً والجمال باطلاً". السيّدة العذراء الأمّ سيّدة السّلام! الله هو السلام (ميخا 5 : 5) ، والسلام من الأسماء الحسنى في الإسلام. والسيّد المسيح "أمير السلام" (أشعيا 9 و 11). والسيّدة البتول مريم "سلطانة السلام" تبكي أبناءها الّذين يسقطون في الحروب الدولية والأهليّة، وخصوصاً في الشرق الأوسط موطنها المحبوب! نسأل العزّة الإلهيّة أن "تمنحنا السلام في أيامنا" ، وأن نستمع إلى الوصايا الّتي تحرّم القتل والاحتلال وسلب البشر أعراضهم وأموالهم ! ولتكن المناسبات المقدّسة التي نحتفل بها مسيحيين ومسلمين ، فرصاً للتقرّب إلى الباري تعالى ، وللتقارب بيننا وقد "خلقنا من ذكر وأنثى " كلّنا وجعلنا "شعوباً وقبائل لنتعارف" لا لنتناحر ، وحرّم على المؤمن دم المؤمن وماله بعد عِرضه، وحرّم على كلّ إنسان دم أي إنسان آخر. وصدق الأعاجم عندما قالوا : "إنّ الأمّهات – وعلى رأسهنّ البتول مريم – يكرهن الحروب". فلنبغضنّ جميعنا كلّ حرب وخصام وفتنة . ولنلحظنّ أننا عيال الله نُدعى عندما "نسعى إلى السلام" (متّى 5 : 9). نعم ، هذه هي التطويبة الوحيدة في الإنجيل المقدّس في حرفيه عند البشيرين متّى ولوقا – التطويبة الوحيدة التي يُعطى فيها المطوّبون أي المهنَئون (بفتح النون) هوية جديدة - كما يكتب سيادة المطران إلياس شقّور رئيس اساقفة الناصرة وحيفا للروم الكاثوليك الملكيين في شمال فلسطين- أحد كبار دعاة السلام والعيش المشترك في بلادنا وعلى مستوى العالم. قدّرنا الله أن "نسعى إلى السلام وأن نلازمه" فيرفع جميعنا – ولا سيّما زعماء دولنا – "أيدياً طاهرة من غير غضب ولا خصام" (عن تيموثاوس الأولى 2 : 8 ).