موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٤ ديسمبر / كانون الأول ٢٠٢١

أَرِنا يا ربّ خلاصَكَ

بقلم :
الأب فارس سرياني - الأردن
أَرِنا يا ربّ خلاصَكَ

أَرِنا يا ربّ خلاصَكَ

 

عظة الأحد الثّاني من زمن المجيء - ج

 

أَيُّها الأحبّةُ جَميعًا. كَلِمةُ الله يسوعُ المسيح، أَتى في الزّمانِ وفي الْمَكان. تَجسّدَ وَوُلِدَ في عَالمٍ، وَضِمنَ ظروفٍ وبيئة، تَحكُمها سِيَاساتٌ وأَنظِمةٌ، وتخضعُ لِسَيطرةِ قُوّةٍ عُظمَى، مُتَمَثّلةٍ بالإمبراطوريةِ الرّومانيّةِ. في هذا الإطار التّاريخي، وُلِدَ المسيح، وعاشَ وَعَلّمَ وعَمِلَ، وماتَ ثُمَّ قَام. وفي خِضمِّ تِلكَ الوقائِع والْمُجرياتِ، اِنطلَقت البشارةُ وَعَمَّت أَرجاءَ الْمَعمورةِ، ولا تَزالُ مُستمرّة حتّى يومِنا هذا. ولأنّها بشارةٌ حَيَّة، ولأنّه إيمانٌ نَابِض، فَنَحنُ نحتفِلُ بِأحداثِ إيمانِنا العُظمى، ولها نَستعِدُّ ونتهيَّأ.

 

دعونا نُلقي نَظرةً سَريعة على مجموعةِ الأسماءِ الّتي يُورِدُها لوقا الإنجيلي، في الفصلِ الثّالثِ من بِشارتِه. بدايةً يذكُر لوقا القيصر طيباريوس، وطيباريوس كان الإمبراطور الثّاني في سِلسلةِ الأباطرة، الّذين حَكموا الإمبراطورية الرّومانية، إذ خَلَفَ أوغسطس قيصر، الإمبراطور الأوّل للإمبراطورية. وقَد حَكمَ طيباريوس من السّنةِ الرّابعةِ عشرة للميلاد، وحتّى السّنةِ السّابعة والثّلاثين، وفي أيّامِ حُكمِهِ صُلِبَ المسيح. وإكرامًا لَهُ، بنى هيرودس أنتيباس مَدينةَ طبريّا، ومنها سُمّيَت البُحَيرَة بِبُحيرة طبريا.

 

أَمّا بُنطيوس بيلاطس، فَكانَ واليَ اليهودية وحاكِمًا عَليها، وَمُمَثِّلًا عن السُلطةِ الرّومانية. وقَد حَكمَ من السّنةِ السّادسةِ والعشرين ولغايةِ السّنة السّادسةِ والثّلاثين. وامتازَ حُكمُه بالدّموية. وهو مَن أَصدرَ حُكمَ الإعدامِ على الْمسيح صَلبًا. وبِحسبِ الْمؤرّخِ يوسيبيوس القَيصري، فإنَّ بيلاطس قَد ماتَ انتحارًا.

 

وبالانتقالِ إلى هيرودس أَنتيباس، فَقَد كانَ حاكِمًا مِنَ الجليلِ شمالًا حتّى البحرِ الْميت جنوبًا. وهو مَن أَمرَ بِقَطعِ رَأسِ يوحنّا المعمدان، نظرًا لانْتقادِه الْمباشِر والصّريح، لِلعلاقةِ غَير الشّرعيّة الّتي كانت تجمعُ هيرودس مع هِيروديّا اِمرأةِ أَخيِه فِيلبُّس. وفيليبّسُ أخوه كان حاكمًا على مَنطقةِ الجليل الأعلى، الّتي تضمُّ اليوم مناطقَ جَبلِ الشيّخ والجولان وسهلَ حوران. أمّا لِيسانياس فَكانَ حَاكمًا على مُقاطعةٍ تَقع اليوم في سوريا، بِالقُربِ من دمشق. هذا هو الواقعُ العسكري، والتّقسيماتُ الإداريّة والسِّياسيّة، الّتي كانت تَحكم المنطقة آَنَذاك.

 

أَمّا من ناحيةِ الإطارِ الدّيني، فَقد كَانَت طبقةُ الأحبارِ وعُظماءِ الكهنة، الطّبقةَ الدّينيةِ الْمُتَنَفّذة، ولها تأثيرٌ كبير على عامّةِ الشّعب. وهذا ما نَلمَسُه بِشكلٍ واضِح في مشهَدِ محاكمةِ يسوع، وَدَورِ عُظماءِ الكهنة في تَأجيجِ الشِّعب وَتجيشِهِ، لأجلِ الضّغطِ على بيلاطس، بِوجوب إعدامِ يسوع. فَقيافا كانَ عظيمَ الأحبار في السّنةِ الّتي أُصدِرَ فيها الحكمُ على يسوع بالموتِ صَلبًا (يوحنّا 48:11). وهو الّذي أشارَ على مجلسِ الفرّيسيين والكهنة، بِلُزومِ قَتلِ يَسوع، خيرٌ من أن تهلَكَ الأُمّةُ بأجمعِها (يوحنّا 46:11-50). وَحَنّان كان عظيمَ الكهنةِ قَبلَ تَولّي قَيافا لهذا الْمنصِب، وَإليه سِيقَ يسوع ليلةَ القبضِ عَليه، لِيَتَرأّسَ جَلسةَ استجوابِه، ومِن خلالِ ذلك، يَظهرُ جَليًّا أنّه كان ذا شأنٍ عَظيم ووزنٍ كبير عندَ اليهود (يوحنّا 12:18-14).

 

قَد يَقولُ البَعض: يا أبونا، دَعنَا وكلّ هَذهِ التَّواريخ والأسماء، وَحَدِّثنَا فَقَط عن الإنجيل. ولكنَّ الإنجيلَ أيضًا هو مجموعةٌ من الأحداثِ الّتي تَمَّت في الزّمان والمكان، وَلَيسَ خَارجَهُما، فَلا بُدَّ إذًا مِن مَعرفةِ وفَهمِ الإطارِ العام للنَّصِّ الإنجيليّ وَلِمُجرياتِ الأحدَاث.

 

ضِمنَ هذا الواقعِ القاتِم، حيثُ الخطيئةُ تَسود والشّرُّ يَطغى، وحيثُ الفَسادُ مُسْتَشرٍ والطُّغاةُ يَملَؤون الْمَشهد، تَظهرُ صورةٌ أُخرى مُغايرة تمامًا: "رَجلٌ مُرسَلٌ مِن لَدُن الله اسمه يوحنّا، جاءَ شاهِدًا لِيَشهدَ للنّور" (يوحنّا 6:1). وهذا إنْ دلَّ على شيءٍ إنّما يدلُّ على أنَّ اللهَ قادِرٌ على تَبديلِ أكثرِ الْمَشاهد ظُلمةً وظُلمًا وقتامةً.

 

إلهُنا عَظيم! قادرٌ على ردمِ أودية الخطايا، قادرٌ على إخفاضِ جبالِ الكبرياءِ وتلالِ الْمعصية، قادرٌ على إصلاحِ ما فينا من اِعوجاجٍ وانحراف، قادرٌ على تَيسيرِ كلِّ عسير، وتذليل كلِّ مُستعصٍ ومُستحيل. لأنّ اللهَ إلهُ خلاص، ودعوتُه لنا هي دعوةٌ إلى الخلاص، فكلُّ بَشرٍ يَرى خلاصَ الله!

 

"في البريّة أَعِدّوا طريق الرّب"! البريةُ في الكتابِ المقدّس، تحمِلُ دلالاتٍ عَظيمة ومعانٍ هامّة. فهي مكانُ الّلقاءِ مع الله بامتياز. فالبريّة تَعني الاتّكالَ الكامِل على الله، حيثُ لا يركنُ الْمؤمِن لا على ضماناتٍ مادّية، ولا على وَفرةِ أموالٍ، ولا على نُفوذٍ ولا سُلطة، إنّما فقط يَركِن مُتّكِلًا على الله، واثِقًا بالعَلي.

 

أَيّها الأحبّة، زمنُ الْمَجيءِ هو زمنُ الّلقاء، هو زمن نَختلي فيه مع الله، نخرجُ إليهِ، نَلتقي بهِ ومَعه. نخرجُ من أجواءِ الضّجيجِ والضّوضاءِ والانشغالات، وتزاحُم الحياة وكَثرة مشاكِلها. في بريّةِ النّفس، يُخاطبُ اللهُ قلبَنا، ونُخاطِب نحن قلبَ الله. نبثُّ إليه شكوانا، مصائِبَنا، هُمومَنا، آلامَنا، صعابَنا، أحمالَنا، أثقالَنا، طموحاتِنا، أحلامَنا، خيباتِ آمالِنا. نسألُهُ أن يُرينا خلاصَه، ويُشرِقَ علينا بنورِ وجهِه.

 

نسألُ الله تعالى بجاهِ مِيلادِه المقدَس، أن يَتَلَطّفَ على البشريةِ المتألّمة بهذا الوباء، وبكلّ تَبعاتِه وارْتِداداتِه الّتي أنْهَكتنا وَأَقلَقتنا وأتْعَبتنا، وأَلقَت في نفوسِنا الاضطرابَ والفَزع. كلٌّ في صدرِه هَم، وفي قلبِه وزرٌ ثَقيل. كلٌّ ينتظِرُ الفرجَ من الله، ويتوقُ إلى خلاصِ العَلي. فَهبنَا النَجاةَ يا رب، فَرّج عنا كروبَنا، إشفِ نفوسَنا، أَرِحْ عقولَنا، هَدِّأ الاضطراب فينا وَسكَن عواصِفَنا.

 

لأنّه ليس لَنا في الأحزان مُعينٌ سواك، فيا ربّ القواتِ كُن معنا وارحمنا، أشفِق وتَعطَف علَينا. آمين