موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٧ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦
كنيسة الحبل بلا دنس في حقل الرعاة: حلم إسباني يتحقّق في الأرض المقدّسة

حراسة الأراضي المقدسة :

 

في حقل الرعاة في بيت ساحور، قرب بيت لحم، أصبحت كنيسة الحبل بلا دنس اليوم واقعًا حيًّا وفاعلًا بالكامل. ففي 14 كانون الثاني، وبعد مسيرة طويلة ومعقّدة امتدّت لأكثر من خمس سنوات، جرى الافتتاح الرسمي لما يُعرف بـ"الكنيسة الإسبانيّة" بقداس إلهي، شكّل لحظة ذات قيمة روحيّة وفنيّة وكنسيّة كبيرة للرسالة الإسبانيّة في الأرض المقدّسة ولدعمها حراسة الأرض المقدّسة.

 

 

مشروع وُلد منذ زمن

 

تعود فكرة تجديد مزار حقل الرعاة إلى مطلع الألفيّة الجديدة، عندما بدأت حراسة الأرض المقدّسة التفكير في كيفية الاستجابة لازدياد أعداد الحجّاج، والحاجة إلى صون الموقع الأثري المرتبط بليلة الميلاد. وقد اتّخذ المشروع شكله العملي عام 2015، من خلال دراسة أوليّة أعدّها المهندس الإسباني خايمي بوهيغاس، ثم تلقّى دفعًا حاسمًا ابتداءً من عام 2016، تحت إشراف الحارس آنذاك الأب فرانشيسكو باتّون.

 

وفي عام 2018، أُقرّ المخطّط العام لإعادة هيكلة المزار، والذي تضمّن إنشاء كنائس جديدة، بعضها تحت الأرض وأخرى في الهواء الطلق، موزّعة بشكل شعاعي حول الموضع الذي يضع فيه التقليد إعلان الملاك للرعاة. وقد خُصّصت الكنيسة المموَّلة من إسبانيا للحبل بلا دنس، علامةً على التقوى المريميّة التاريخيّة للشعب الإسباني، وعلى دعمه المتواصل لحراسة الأرض المقدّسة عبر القرون.

 

من الحجر الأوّل إلى التحدّيات

 

انطلقت أعمال البناء رسميًا في 21 نيسان 2022، مع مباركة الحجر الأوّل لكنيسة الحبل بلا دنس. غير أنّ المسيرة لم تخلُ من الصعوبات: فجائحة كورونا، وتأخيرات مواقع البناء، والتحدّيات الاقتصاديّة، والصراع في الشرق الأوسط، أثّرت بعمق على تقدّم الأعمال.

 

ومع ذلك، وبفضل سخاء المؤمنين الإسبان، الذين تكفّلوا بالكامل بتغطية كلفة الكنيسة، لم يتوقّف المشروع يومًا.

 

وفي كانون الأوّل 2022، أُسند إلى الفنّان ميغيل أنخل لاغونا تنفيذ المجموعة الفنيّة الكاملة للهيكل. وخلال عامي 2024 و2025، أُنجزت الأعمال التصويريّة والنحتيّة تدريجيًا وجرت مباركتها، إلى أن بلغ المشروع مرحلته النهائيّة في الأشهر الأخيرة.

14 كانون الثاني: القدّاس الافتتاحي

 

في يوم الأربعاء 14 كانون الثاني، جرى الافتتاح الرسمي لكنيسة الحبل بلا دنس بالاحتفال بالقدّاس الإلهي، برئاسة رئيس أساقفة طنجة، المطران إميليو روشا، وبمشاركة حارس الأرض المقدّسة، الأب فرانشيسكو يلبّو. كما حضر الاحتفال ممثّلون رسميّون عن إسبانيا، من بينهم القنصل العام في القدس، إضافة إلى عدد كبير من الحجّاج الإسبان المتواجدين في الأرض المقدّسة في هذه الأيّام.

 

وكما ذكّر الأب لويس كوينتانا، نائب مفوّض الأرض المقدّسة في إسبانيا: "لقد بلغنا ذروة مسار طويل ومُرهِق، لكنّه مسار مفعم بالإيمان. وهو مصدر فخر لإسبانيا أن يكون لها مكان احتفالي مفتوح للجميع، مرتبط بالحبل بلا دنس وبسرّ رعاة بيت لحم".

الهيكل: تعليم إيماني بالصور

 

يشكّل الهيكل قلب كنيسة الحبل بلا دنس، وقد صُمّم كمسيرة لاهوتيّة وروحيّة حقيقيّة. ففي الوسط تنتصب صورة الحبل بلا دنس، وفق الأيقونوغرافيّة الفرنسيسكانيّة، ضمن هالة مجديّة (مندورلا صوفيّة)، حاملةً الطفل يسوع بين ذراعيها، وتحت قدميها القمر والحية. وحولها، تتوزّع عشرون ميداليّة دائريّة تُشكّل درب الأم (Via Matris) لأهمّ المزارات المريميّة في الأرض المقدّسة.

 

وعلى الجدارين الجانبيَّين لوحتان كبيرتان؛ إلى اليسار يظهر الشعب الإسباني وهو يكرّم مريم العذراء، يتقدّمه القدّيس يعقوب الرسول والقدّيس فرناندو الثالث، وإلى جانبهما أساقفة ورهبان وعائلة في الصلاة، تحت العبارة: «Tota Pulchra es Maria»، وإلى اليمين تُعرض العائلة الفرنسيسكانية، مع القدّيس باسكال بايلون، والقدّيس بطرس الألكنتري، والقدّيس دييغو دي ألكالا، وشهداء دمشق، تحت العبارة: «Tu Gloria Hierusalem».

 

ويكتمل هذا العمل الفنّي بميداليّة برونزيّة على المذبح تُصوّر عناق القدّيسين يواكيم وحنّة، وبـمراحل درب الصليب الأربعة عشرة مع حجارة تذكاريّة من مواضع الآلام، إضافة إلى باب الدخول المصمَّم على هيئة قبّة سماويّة، يرمز إلى العبور إلى سرّ الله.

علامة باقية

 

إنّ كنيسة الحبل بلا دنس ليست مجرّد إنجاز معماري، بل علامة حيّة للإيمان والفنّ والشركة، وُلدت من تعاون وثيق بين حراسة الأرض المقدّسة والشعب الإسباني. وفي سياقٍ مثقل بالجراح والتوتّرات، تقدّم هذه الكنيسة ذاتها مكانًا للسلام والصلاة والجمال، حيث دوّى أوّل إعلان إنجيلي: "المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام لأهل الرضى".