موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في القرن الخامس، ازدهرت الرهبنة في براري فلسطين، وأصبحت هذه الأرض أحد أهم مراكز الحياة النسكية في العالم المسيحي. لم تكن البرية مجرد خلفية جغرافية للأحداث الإنجيلية، بل صارت مدرسة قداسة. من برية الأردن إلى صحراء القدس، تحوّلت الصخور والكهوف إلى مذابح صلاة، وصار الصمت لغة لاهوتية بحد ذاته.
يكفي أن نتأمل في ديرمار سابا، وهو واحد من أقدم وأشهر الأديرة الأرثوذكسية في فلسطين والعالم، تأسس سنة 483م على يد القديس سابا (مار سابا). ويقع في برية القدس شرق بيت لحم، لندرك كيف تحوّلت الطبيعة نفسها إلى شريكة في العبادة.
في قلب براري فلسطين، حيث الصخور الحادة والصمت الواسع، عاش الرهبان الأرثوذكس حياتهم بين الصلاة والعمل اليدوي، بعيدًا عن ضجيج المدن وصخب الحياة اليومية. لم يبنِ الرهبان أديرتهم فوق الطبيعة بل داخلها. لم يقهروا الجبل بل سكنوه. لم يغيّروا ملامح البرية بل تأقلموا معها. هذا بحد ذاته لاهوت بيئي حيّ، الإنسان ليس سيدًا متسلطًا على الخليقة، بل شريكًا متواضعًا فيها.
قديسو فلسطين، مثل القديس سابا المتقدس، كان مرجعًا روحيًا ولاهوتيًا، وأسهمت مدرسته في تشكيل النظام الليتورجي للكنيسة الارثوذكسية. جعل من برية فلسطين مركز إشعاع روحي للعالم الأرثوذكسي.القديس ذيوذوسيوس الكبير من روّاد الحياة الرهبانية الجماعية في برية بيت لحم.عُرف بتنظيم الحياة المشتركة للرهبان وخدمتهم للفقراء والحجاج. القديس كرياكوس الناسك والذي عاش أكثر من تسعين سنة في البرية والذي اشتهر بالحكمة والإرشاد الروحي للرهبان الشباب، وغيرهم كثر.
كان لرهبان فلسطين تأثيرا ليتورجيا ولاهوتيا في الكنيسة الارثوذكسية، فقد قاموا بترتيب نظام الصلوات في الكنيسة (التيبيكون) كما أعطوا الصوم طابعًا نسكيًا عميقًا من حيث الإطالات في السجدات، القراءة المكثفة للمزامير، كما وأسهموا في ترتيب الترانيم، حيث ان كل مرة نرتل "المسيح قام"، نحن نرتل بلغة لاهوتية صاغها رهبان عاشوا في برية فلسطين.
البرية في الكتاب المقدس ليست عقوبة بل مسيرة تطهير، والتي فيها صام السيد المسيح أربعين يومًا. البرية تكشف هشاشة الإنسان، لكنها في الوقت نفسه تفتح قلبه على الاتكال الكامل على الله.من هنا، فهم الآباء أن البرية ليست هروبًا من العالم، بل مواجهة أعمق مع الذات ومع الخالق.الحياة الرهبانية في البرية كانت، وما زالت، اعتراضًا صامتًا على ثقافة التكديس والاستهلاك. الراهب الذي يكتفي بالقليل يعلن أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك بل بما يكون.
في زمن تتحول فيه الأرض إلى مورد يُستنزف، تقدّم لنا البرية رؤية مغايرة: الاكتفاء، الاعتدال، والانسجام مع إيقاع الطبيعة. إن الصمت الذي يعيشه الراهب هو أيضًا صمتٌ أمام جشع العالم. قد يظن البعض أن الرهبنة تخص فئة قليلة، لكن رسالتها روحية وبيئية بامتياز لكل إنسان.
في واقعنا الفلسطيني، حيث الأرض مهددة والتوازن البيئي هش، يمكن للمؤمنين أن يستعيدوا روح البرية، لا كجغرافيا بل كأسلوب حياة: تقليل الهدر، احترام المواسم، دعم الزراعة المحلية، وتربية الأجيال على أن الأرض عطية لا غنيمة.
ليست البرية مكانًا جغرافيًا فقط، بل حالة روحية. يمكن لكل رعية، حتى في قلب المدينة، أن تعيش روح البرية عبر لحظات صمت، بساطة في النشاطات، ووعي بيئي عملي.
لقد أنجبت براري فلسطين قديسين لأنهم فهموا سرّ الأرض: أن الخليقة ليست مادة صمّاء، بل أيقونة تشير إلى خالقها. وحين نحترم الأيقونة، نحترم الأصل.
في زمن ندرك فيه تهديد الطبيعة واستنزاف موارد الأرض، تقدم لنا براري فلسطين وحكمة رهبانها درسًا حيًا: القداسة الحقيقية لا تنفصل عن احترام الخليقة، بل كل صلاة وصمت وتوبة تحمل في طياتها رسالة بيئية وعبرًا للحياة.وفي أرضٍ مثل فلسطين، حيث الحجر يصلي والتاريخ يتنفس، تظل البرية مدرسة قداسة… ومدرسة بيئية أيضًا.