موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إنّ وقف نيران الحرب التي تُطوّق الشرق الأوسط بأكمله أمرٌ ملحٌ وعاجل. فمن غير المقبول الاستمرار في عمليات هجومية تهدّد أرواح الأبرياء والضغفاء وتمحو معنى احترام الحياة.
في هذه الأيام، وأنا أسير في شوارع القدس الخالية، وسط صمتٍ لم نعتد عليه، وأبوابٍ ومتاجر مغلقة، والناس في بيوتهم، ولا وجود للحجّاج الذين كانوا يملؤون المدينة، شعرتُ بعمقٍ كبير بالرغبة في أن يعود السلام إلى هذه الأرض المقدسة.
ومن خلال لقائي ببعض الأشخاص الذين حيّوني بابتسامة، سرعان ما كانت تختفي عندما يبدأون بسرد قصصهم المثقلة بالصعوبات والتحديات اليومية.
إنّ الثوب الذي نرتديه نحن الفرنسيسكان، ومناداة الناس لنا بكلمة "أبونا"، يمثّل حتى بالنسبة لغير المسيحيين علامة قوية تدلّ على أن وجودنا هو تعبير عن استقبالنا وإصغائنا لكلّ إنسان، كما طلب منا القديس فرنسيس عندما قبلنا قاعدته الرهبانية. وهو التزام يقودنا إلى المحبة الأخوية وإلى خدمة "الحجارة الحية" التي تسكن هذه الأرض المقدسة.
لبنان أيضًا أرضٌ مقدسة، وللأسف فإن لبنان في هذه الأيام يعاني الموت والدمار والخوف. فقد اضطر أكثر من خمسمائة ألف شخص إلى ترك منازلهم التي دمّرها القصف، ولا يعرفون إلى أين يذهبون، ولا أين يجدون مأوى في هذه الأيام الباردة، ولا أين يحصلون على الطعام والعلاج. فهل سيصبح لبنان غزة أخرى؟ ومن سيوقف هذا العنف؟
إنّنا نعيش أيامًا مميّزة بالنسبة للديانات التوحيدية الثلاث. فنحن المسيحيين نعيش زمن الصوم الكبير، والمسلمون يعيشون شهر رمضان، واليهود يحتفلون بعيد "بوريم". ومع ذلك، فإن الأماكن المقدسة للديانات الثلاث مغلقة أمام مؤمنيها.
إن البوابة القديمة لكنيسة القيامة، التي شهدت عبر العصور مرور ملايين الحجاج ومشاعرهم وصلواتهم، أُغلقت يوم السبت 28 شباط. ويعدّ هذا اليوم عودة إلى أعنف صدمة منذ السابع من تشرين الأول 2023 المأساوي.
عادة في زمن الصوم الكبير تكون ساعات إغلاق كنيسة القيامة قليلة، لأن القبر الفارغ يظل ممتلئًا بصلوات المؤمنين المحليين والحجاج، وتعاقب الطقوس والليتورجيات لمختلف الطوائف المسيحية.
أما القبر المقدس، المكان الذي وُضع فيه جسد الرب، وهو المحطة الأخيرة من "درب الصليب"، بعد أن نسلك "طريق الآلام" كل يوم جمعة، فهو أيضًا مغلق منذ أيام أمام المؤمنين في هذا الزمن المهم جدًا للمسيحية.
وفي الجمعة الماضية، وهي الجمعة الثالثة من زمن الصوم الكبير، لم نستطع نحن الرهبان الفرنسيسكان والمؤمنون المحليون ممارسة هذه العبادة المحبوبة جدًا، والتي تكتمل داخل كنيسة القيامة، بسبب الحظر المفروض على البلدة القديمة.
وكذلك فإن ساحة المسجد الأقصى (الحرم القدسي الشريف) لم تكن متاحة لصلاة المسلمين في الجمعة الثالثة من شهر رمضان، مع العلم أن أكثر من مئة ألف مؤمن كانوا يجتمعون في كل عام في مثل هذا الوقت للصلاة.
وكذلك حائط البكاء أمام صلاة اليهود، وهو المكان الذي يكتظ عادة بالمصلين يوم الجمعة عند الغروب، حين يبدأ "السبت"، اليوم المقدس في الديانة اليهودية.
وفي ظل هذه الظروف، ترتفع إلى السماء صلاة أنقياء القلوب، من كل دين وجنسية، طالبة السلام للبشرية، لا النصر ولا السلطة. فالإغلاق والفراغ والصمت هي التعبير التام لاحتياجات الإنسانية. كم نحن بحاجة إلى أن نلتقي كإخوة، وأن نصغي بعضنا إلى بعض.
منذ 28 شباط 2026، سقطنا من جديد في هاوية العنف الذي يدمّر ولا يعترف بالحياة.
إنّ مبرّرات السياسة -أو بالأحرى مصالحها- لا تُصغي إلى ألم الذين ينتمون إلى هذه الأرض المباركة.
أمّا الذين تقع عليهم مسؤولية إيقاف الحروب، فهم لا يعرفون الصمت الناطق لهذه الحجارة العتيقة التي شهدت عبر القرون الألم والخوف، ولم تلتقِ عيونهم بعيون أطفال أبرياء خائفين، ولم يضطرّوا يومًا إلى طلب المساعدة لتلبية حاجات الحياة الأساسية.
ليت من يملك القدرة على وقف إطلاق النار يتحلّى بكرامةٍ تحفظ للحياة قدسيّتها، فيوقف العنف ويعيد السلام إلى الأرض المقدسة.