موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لم تبدأ رحلة الكاتبة والصحفية الإسبانية آنا إيريس سيمون نحو الإيمان بتحول مفاجئ، بل بخيط خفي رافقها منذ طفولتها. فقد نشأت في أسرة يغلب عليها الإلحاد والعداء التاريخي للكنيسة، لكنها كانت، وهي في السادسة من عمرها، تهرب من منزلها لتذهب وحدها إلى القداس، دون أن تعرف لماذا.
وتُعدّ سيمون واحدة من أبرز الأصوات الفكرية في إسبانيا خلال السنوات الأخيرة. فقد ذاع صيتها مع صدور كتابها «فيريا» عام 2020، الذي حقق نجاحًا واسعًا، ثم أثارت نقاشًا وطنيًا بعد خطابها في قصر مونكلوا عام 2021، حيث انتقدت أوضاع جيلها ودافعت عن قيم الأسرة والجذور والانتماء، ما جعلها من أكثر الشخصيات حضورًا في الساحة الثقافية الإسبانية.
وفي مقابلة مطولة مع برنامج «كافيتال» الإسباني، روت سيمون للمرة الأولى كيف أعادت قراءة حياتها بعد عودتها إلى الإيمان، قائلة إنها باتت تؤمن بأن الله كان يبحث عنها منذ سنوات طويلة، حتى عندما كانت تعلن أنها ملحدة.
تقول سيمون إنها كانت تعيش في قرية صغيرة، وكان والداها ينامان بعد الظهر، فتغادر المنزل بهدوء وتتجه إلى الكنيسة، حيث كانت تجلس في المقاعد الخلفية بين نساء القرية، من دون أن تفهم كثيرًا ما يجري في القداس.
وتضيف: «كنت أقول لنفسي إن ما يجذبني هو الطقس أو الشعور بالانتماء، لكنني اليوم أؤمن أن الأمر كان أكثر من ذلك... لقد كانت دعوة» من الله. وتعترف بأنها، في طفولتها، تقدمت أكثر من مرة لتناول القربان الأقدس قبل أن تتلقى المناولة الأولى رسميًا، لأنها كانت مقتنعة، ببساطة الأطفال، بأنها تستطيع فعل ذلك.
ورغم أن والدها ربّاها على رؤية ملحدة للعالم، بقيت جدتها من جهة الأم الشخصية الأكثر تأثيرًا في حياتها الروحية. كانت الجدة تأخذها إلى الدورات الدينية، وتحكي لها قصة المسيح، وتضع لها سرًا السكبولا، بينما كان والدها يزيلها عندما يعود إلى المنزل.
وعندما توفيت الجدة في يوم عيد ميلادها التاسع، قررت آنا أن تنال سرّ المعمودية وتتقدم إلى المناولة الأولى. وتقول: «لم أكن أعرف إن كنت أؤمن بالله، لكنني كنت أؤمن بجدتي. وكنت مقتنعة بأن المرأة التي أحببتها أكثر من أي شخص آخر لا يمكن أن تؤمن بشيء غير حقيقي».
ومع مرور السنوات، انخرطت سيمون في أوساط اليسار الإسباني، وشاركت في حركة «الغاضبون» (15-M)، واعترفت بأنها كانت تحمل عداءً شديدًا للكنيسة، حتى إنها شاركت في أعمال فنية ساخرة من الإيمان، وكانت ترى في الكنيسة رمزًا للنظام الذي كانت تعارضه.
لكنها، في الوقت نفسه، كانت تجد نفسها تدخل الكنائس وتحضر القداديس، من دون أن تستطيع تفسير ذلك. وتروي أنها كانت تتردد على كنيسة القديس أنطون في مدريد، فتجلس في المقاعد الأخيرة، لا تردد الصلوات ولا تشارك في الليتورجيا، لكنها كانت تشعر براحة عميقة لا تعرف مصدرها.
وتقول: «كان أصدقائي يسألونني دائمًا: لماذا تذهبين إلى القداس؟ ولم يكن لدي أي جواب».
وتؤكد الكاتبة الإسبانية أن نظرتها إلى تلك السنوات تغيرت بالكامل بعد عودتها إلى الإيمان.
وتقول: «طوال حياتي كنت أظن أنني أنا من كنت أبحث عن الله، أما اليوم فأؤمن أنه هو الذي كان يبحث عني منذ طفولتي». وترى أن الكنيسة التي رفضتها سنوات طويلة هي نفسها التي اكتشفت فيها العدالة والرحمة والاهتمام بالفقراء، وهي القيم التي كانت تبحث عنها منذ شبابها.
وتوقفت سيمون مطولًا عند شخصية جدتها، مؤكدة أنها لا تزال تشعر بحضورها حتى اليوم.
وقالت: «بدأت أصلي إلى جدتي قبل أن أؤمن بالله. لم أصلِّ إليها لأنني كنت حزينة على رحيلها، بل لأنني كنت ممتنة لكل ما منحته لي». وأضافت أن حب الأم أو الجدة لا ينتهي بالموت، بل يبقى حاضرًا في حياة الإنسان، معتبرة أن هذا الحب كان أحد الجسور التي أعادتها إلى الله.
ولا ترى سيمون أن قصتها حالة فردية، بل تعتقد أنها تعكس بحثًا متزايدًا لدى كثير من الشباب الأوروبيين الذين نشأوا بعيدًا عن الكنيسة، ثم عادوا يطرحون أسئلة كبرى حول الحقيقة، والانتماء، والأسرة، والإيمان. وتخلص إلى أن الإنسان قد يبتعد سنوات طويلة عن الله، لكنه يكتشف أحيانًا، بعد مرور الزمن، أن الله لم يبتعد عنه يومًا.