موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
«لا ساغرادا فاميليا ليست مجرد مبنى قيد الإنشاء: إنها صلاة ترتفع، وأنشودة تمجّد عظمة الله ونُبل الروح الإنسانية». يلتقط النحات الياباني إيتسورو سوتو أنفاسه ثم يضيف: «وأنا أعلم أنني سأجد هنا دائمًا بيتًا، وسببًا للاستمرار، وغاية تملأ قلبي».
منذ ما يقارب نصف قرن، جعل النحات الياباني المنحدر من كيوتو موقع بناء كاتدرائية ساغرادا فاميليا في قلب برشلونة سبب حياته. والأهم من ذلك أنه غيّر حياته بالكامل. ففي عام 1978، عندما كان شابًا وأستاذًا للفنون وصل حديثًا إلى إسبانيا من اليابان، أُصيب بالدهشة أمام السقالات التي كانت تكشف ملامح مشروع أنطوني غاودي، الأمر الذي أقنعه بالبقاء في المدينة الكتالونية والتفرغ لتحقيق حلم «معماري الله» الذي توفي عام 1926.
يقول سوتو في حديثه لصحيفة أفينيري الإيطالية: «كانت ساغرادا فاميليا المكان الوحيد في العالم الذي شعرتُ فيه أنني قد أجدُ ما أبحث عنه. وكان غاودي الشخص الوحيد الذي طرح الأسئلة نفسها التي أطرحها أنا، مع اختلاف أنه وجد الإجابات قبلي. وعندما أدركتُ ذلك، قلت لنفسي إن متابعة إكمال عمله تستحق العناء».
كما أن هذا «المعلم المقدس» الذي لا يزال غير مكتمل كان سببًا في لقائه مع الإنجيل، وبالتالي في تحوله الديني. ويضيف: «كنتُ دائمًا أقول: إذا أردت إنجاز عمل عظيم، عليك أن تكون حيث يكون المعلم، وإلا فلن ترى ما يراه هو. والوجود حيث كان غاودي يعني أيضًا الدخول إلى عالم الإيمان». وقد فعل سوتو ذلك بالفعل، فوجد الله في الحجر الذي نحته لساغرادا فاميليا. ويضيف: «كان غوته يكرر: إذا فهمت الثقافة والفن حقًا، ستصل إلى الله. فالجمال بلا روح ليس فنًا».
أكثر من خمسمئة منحوتة في هذه الكنيسة الضخمة تحمل توقيعه وبصمته الفنية. ويقول: «ما يهم هو أنني أنجزت كل واحدة منها بنفس الجدية ونفس التفاني ونفس الإخلاص. في الحجر اكتشفت نفسي أيضًا، لأن ساغرادا فاميليا، كما علّم غاودي، هي التي شكّلت غاودي نفسه».
وحتى في برج يسوع المسيح، البرج الأكبر الذي يبلغ ارتفاعه 172.5 مترًا والذي جعل من تحفة غاودي أعلى مبنى ديني في العالم، تظهر بصمته. ويحيط بالبرج الرئيسي أبراج الإنجيليين الأربعة وبرج العذراء، ومن المقرر أن يدشنه البابا لاون الرابع عشر يوم الأربعاء خلال زيارته الرسولية إلى إسبانيا التي تشمل أيضًا برشلونة.
يقول سوتو: «لقد صممتُ داخل البرج. ووجود البابا يعبّر عن العلاقة العميقة بين ساغرادا فاميليا والكرسي الرسولي». كما يرتبط أيضًا ببابا آخر هو بندكتس السادس عشر، الذي ترأس عام 2010 تكريس الكاتدرائية، وقد منحت مؤسسة تحمل اسمه جائزة راتزينغر لعام 2024 للنحات الياباني.
في اليوم الذي اختير لوصول البابا لاون الرابع عشر، في 10 حزيران، تحل الذكرى المئوية لوفاة غاودي، الذي دُفن في سرداب الكنيسة حيث سيصلي البابا أمام قبره. ويقول سوتو: «أعتبره شخصية ثورية في تاريخ الإنسانية لأنه جمع بين العلم والروحانية بطريقة قوية جدًا. رؤيته تتجاوز العمارة، إنها طريقة تفكير وحياة أراها أساسية لمستقبل البشرية».
ويرى البعض أنه قد يُعلَن قديسًا، إذ إن عملية تطويبه جارية بالفعل. وتُعد ساغرادا فاميليا ذروة رؤيته الفنية، وقد بدأ بناؤها عام 1882 ولم يكن غاودي هو من بدأها، بل تولّى المشروع بعد عام واحد فقط. ولم يُنجز من عمله سوى واجهة الميلاد.
أما الأبواب الأربعة فهي من عمل سوتو نفسه. وعندما يُسأل كيف يمكن إكمال عمل عبقري مثل غاودي من دون غاودي، يجيب: «هذا جزء أساسي من إرثه. لا يمكن لأحد أن يواصل عمل عبقري عبر الأنا أو التقليد فقط. عظمته تكمن في أنه علّمنا أن ننظر إلى ما وراء ما أنجزه هو نفسه، وأن نطوّر عمله للأجيال القادمة». ويضيف: «أنا أواصل عملًا لم يتخيله غاودي ولم يخططه. التحدي هو ابتكار رموز جديدة. وأحب أن أعتقد أن ساغرادا فاميليا يجب أن تُترك لتنمو».
وبفضل طابعها المبتكر، تستقطب الكاتدرائية نحو خمسة ملايين زائر سنويًا رغم استمرار الأعمال فيها. والسؤال المطروح: هل ما زالت الكاتدرائيات تمثل روح العصر؟ يبتسم سوتو ويقول: «ربما اليوم أصبحت ملاعب كرة القدم هي الكاتدرائية الحديثة. ومع ذلك، فإن أكثر ما يقلق الإنسان المعاصر هو مصير العالم ومن فيه. والمكان الذي تُطرح فيه هذه الأسئلة بجدية يبقى دائمًا هو فضاء العبادة والصلاة».
أما متى تُعتبر ساغرادا فاميليا منتهية؟ فيجيب: «تهدف الكاتدرائية إلى خدمة الإنسان ورفع شأنه. وفي اليوم الذي يصل فيه الإنسان إلى الكمال، سيكون ذلك اليوم الذي تُعتبر فيه ساغرادا فاميليا مكتملة».