موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أعلنت الكنيسة الكاثوليكية، السبت 7 تشرين الثاني 2026، تطويب 80 شهيدًا من ضحايا الاضطهاد الديني خلال الحرب الأهلية الإسبانية في ثلاثينيات القرن الماضي، وذلك خلال قداس احتفالي أُقيم في كاتدرائية انتقال السيدة العذراء بمدينة سانتاندير الإسبانية، وترأسه الكاردينال مارتشيلو سيميرارو، رئيس دائرة دعاوى القديسين، ممثلًا للبابا لاون الرابع عشر.
وأكد الكاردينال سيميرارو في عظته أن القداسة هي "الدعوة المشتركة لكل معمّد"، وليست امتيازًا يقتصر على فئة معينة من المؤمنين، مشددًا على أنها دعوة تشمل جميع الأعمار والحالات الحياتية داخل الكنيسة، بصرف النظر عن طبيعة الدعوة أو شكل التكريس.
وشمل التطويب خادم الله الأب فرانسيسكو غونزاليس دي كوردوفا و79 من رفاقه، الذين قُتلوا خلال الحرب الأهلية الإسبانية بسبب إيمانهم. وتضم المجموعة 67 كاهنًا، وثلاثة رهبان كرمليين، وثلاثة إكليريكيين، وسبعة علمانيين، واجهوا الاضطهاد في ظروف مختلفة، لكنهم اشتركوا جميعًا في الشهادة لانتمائهم إلى المسيح.
واستعرض الكاردينال بعض الظروف المأساوية التي استُشهد فيها هؤلاء المؤمنون، موضحًا أن بعضهم أُلقي في البحر بعدما قُيّدت أيديهم وأرجلهم ورُبطت الحجارة بأجسادهم، فيما اختفى آخرون على متن سفينة السجن "ألفونسو بيريز". كما قُتل بعضهم وأُحرقت جثثهم، بينما لقي آخرون حتفهم في مكان أشبه بمعسكر اعتقال.
وأشار إلى أن اختلاف ظروف حياتهم وخدمتهم الكنسية لم يكن عائقًا أمام بلوغ القداسة، مؤكدًا أنها ليست حكرًا على القلة، ولا ترتبط بشكل محدد من أشكال الحياة المكرسة، بل تنبع من الأمانة للمسيح والشهادة له في مختلف الظروف.
واستذكر الكاردينال سيميرارو كلمات البابا لاون الرابع عشر خلال المقابلة العامة يوم الأربعاء 4 تشرين الثاني، حين تحدث عن "الجمع الغفير من أصدقاء الرب"، مؤكدًا أن هذا الجمع يواصل النمو عبر الأجيال، وأن القداسة لا يمكن حصرها في زمن أو مكان أو حالة حياتية معينة.
وأوضح أن كل تطويب جديد يضيف قطعة إلى فسيفساء لا تزال قيد الاكتمال، مشيرًا إلى أن إعلان الطوباويين الجدد لا يقتصر على استحضار فصل مؤلم من تاريخ الكنيسة، بل يفتح نافذة على عمل نعمة الله في ذلك التاريخ.
وقال إن الشهداء الذين أُعلن تطويبهم لا ينتمون إلى الماضي وحده، بل يشيرون إلى طريق الأمانة الذي يُدعى المؤمنون إلى سلوكه اليوم. وأضاف أن جمع القديسين والطوباويين ليس مجرد مشهد نتأمله بإعجاب، بل جماعة نحن مدعوون إلى الانضمام إليها.
وشدد على أن شهادة الشهداء تدعو المسيحيين إلى تجاوز الاكتفاء بالإعجاب ببطولاتهم، والعمل على عيش الأمانة نفسها للمسيح في ظروف حياتهم اليومية.
وتوقف الكاردينال في عظته عند كلمات السيد المسيح على الصليب: "يا أبتاه، اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون"، موضحًا أن يسوع، رغم الظلم الذي تعرض له، لم يسمح للألم بأن يتحول إلى كراهية، بل كشف أن الشر لا يستطيع إطفاء رحمة الله، لأن محبته أقوى منه.
وأكد أن هذه الرسالة الإنجيلية تلتقي بصورة مباشرة مع شهادة الشهداء، الذين يُفهم استشهادهم في ضوء شهادة المسيح نفسه، الذي صلى من أجل مضطهديه وهو معلق على الصليب.
وأضاف أن القوة التي تمكّن المؤمنين من مواجهة الاضطهاد بروح المغفرة لا تنبع من قدراتهم البشرية وحدها، بل من نعمة المسيح، مستشهدًا بما ورد في سفر الرؤيا عن الذين "غسلوا حللهم وبيّضوها بدم الحمل".
واختتم الكاردينال سيميرارو تأمله بالتأكيد على أن شهادة الطوباويين الثمانين ليست مجرد ذكرى تاريخية لضحايا الاضطهاد، بل دعوة متجددة إلى جميع المؤمنين للثبات في الإيمان، والاقتداء بالمسيح في المحبة والمغفرة، والسير على درب القداسة في حياتهم اليومية.