موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء،
في مناسبة الاحتفال بدورة الألعاب الأولمبيّة الشّتويّة الخامسة والعشرين، التي ستُقام بين ميلانو (كورتينا دامبيتسو من 6 إلى 22 شباط المقبل، وفي مناسبة الألعاب الباراولمبيّة الرابعة عشرة التي ستُجرى في الأماكن نفسها من 6 إلى 15 آذار، أودّ أن أوجّه تحيّتي وأطيب تمنّياتي إلى جميع المعنيّين مباشرةً بهذه الأحداث، وأن أنتهز، في الوقت نفسه، الفرصة لتقديم هذه الأفكار إلى الجميع. ممارسة الرّياضة، كما نعلَم، لها طابع مهنيّ عالي التّخصّص. إنّها في هذه الحالة دعوةً خاصّة لفئة قليلة، وإن كانت تثير الإعجاب والحماسة في قلوب الكثيرين، الذين يتفاعلون مع انتصارات الرّياضيّين أو هزائمهم. فالنّشاط الرّياضيّ هو أيضًا نشاط جماعيّ، مفتوح للجميع، ومفيد للجسد والرّوح، بل هو تعبير شامل عمَّا هو إنسانيّ.
الرياضة وبناء السّلام
في مناسبة دورات الألعاب الأولمبيّة السّابقة، شدّد أسلافي على قدرة الرّياضة على أداء دورٍ مهمٍّ لخير الإنسانيّة، ولا سيّما لتعزيز السّلام. في سنة 1984، مثلًا، ذكَّرَ القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني، وهو يخاطب الرّياضيّين الشّباب القادمين من مختلف أنحاء العالم، بالميثاق الأولمبيّ الذي يعتبر الرّياضة عاملًا لـ"تعزيز التّفاهم المتبادل والصّداقة، بهدف بناء عالم أفضل فيه مزيد من السّلام". وقد شجّع المشاركين بهذه الكلمات: "اجعلوا لقاءاتكم علامة رمزيّة لكلّ المجتمع، وتمهيدًا للزّمن الجديد الذي "لا تَرفَعُ فيه أُمَّةٌ على أُمَّةٍ سَيفًا" (أشعيا 2، 4)".
وفي هذا السّياق تندرج الهدنة الأولمبيّة، التي كانت في اليونان القديمة اتّفاقًا يهدف إلى تعليق الأعمال العدائيّة قبل الألعاب الأولمبيّة وفي أثنائها وبعدها، لكي يتمكّن الرّياضيّون والمتفرّجون من السّفر بحرّيّة، وتُجرى المباريات بدون انقطاع. ونشأت هذه الهدنة من القناعة بأنّ المشاركة في مباريات منظّمة (ἀγῶνες) تُشكّل مسيرة فرديّة وجماعيّة نحو الفضيلة والتّميّز(ἀρετή) . وعندما تُمارَس الرّياضة بهذه الرّوح ووفق هذه الشّروط، فإنّها تعمل على تنضيج التّآلف الجماعيّ وخدمة الخير العام.
أمّا الحرب، عكس ذلك، فتنشأ من التطرّف في الخلاف ومن رفض التّعاون بين النّاس. فيُنظَر إلى الخصم على أنّه عدوّ لدود، يجب عزله وربّما القضاء عليه. والمظاهر المأساويّة لهذه الثّقافة القاتلة ماثلة أمام أعيننا: أرواح أُزهقت، وأحلام تحطّمت، ومدن مدمّرة، والأحياء الباقون تحت آثار الصّدمة، وكأنّ حياة النّاس صارت مشهدًا في ”لعبة فيديو“. وهذا يجب ألّا يُنسِيَنا أبدًا أنّ الاعتداء والعنف والحرب هي "دائمًا هزيمة للإنسانيّة".
وجاء مناسبًا اقتراح الهدنة الأولمبيّة من جديد في الأزمنة الحديثة من قِبل اللجنة الأولمبيّة الدّوليّة والجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة. في عالم متعطّش إلى السّلام، نحن بحاجة إلى وسائل تضع "حدًّا للفساد، واستعراض القوّة، واللامبالاة بالحقّ". أشجّع بحرارة جميع الدّول، في مناسبة الألعاب الأولمبيّة الباراولمبيّة الشّتويّة المقبلة، على أن تكتشف من جديد أداة الرّجاء هذه وتحترمها، أي الهدنة الأولمبيّة، لتكون رمزًا ونبوءةً لعالم متصالح.
قيمة الرّياضة التربويّة
"أَمَّا أَنا فقَد أَتَيتُ لِتَكونَ الحَياةُ لِلنَّاس، وتَفيضَ فيهِم" (يوحنّا 10، 10). كلمات يسوع هذه تساعدنا لنفهم اهتمام الكنيسة بالرّياضة والطّريقة التي يتعامل بها المسيحيّ معها. وضع يسوع الإنسان دائمًا في المقام الأوّل، واهتمّ به، وأراد لكلّ واحد ملء الحياة. ولهذا، كما أكّد القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني، الإنسان "هو الطّريق الأوّل الذي يجب على الكنيسة أن تسلكه في تتميم رسالتها"[5]. ومن هنا، ووفق الرّؤية المسيحيّة، يجب أن يبقى الإنسان دائمًا هو المحور في الرّياضة بكلّ نشاطاتها، بما في ذلك المباريات الاحترافيّة ورياضة النّخبة.
وعند التأمّل العميق، نجد أساسًا متينًا لهذا الوعي في كتابات القدّيس بولس الرّسول، المعروف برسول الأمم. في الزّمن الذي كان يكتب فيه، كانت لدى اليونانيّين تقاليد رياضيّة عريقة. مدينة قورنتس، مثلًا، كانت تنظّم الألعاب الإسثميّة (giochi istmici) كلّ سنَتَين منذ بدايات القرن السّادس قبل الميلاد. ولهذا، استخدم بولس، في رسالته إلى أهل قورنتس، صورًا رياضيّة ليساعدهم على فهم الحياة المسيحيّة، كتب: "أَما تَعلَمونَ أَنَّ العَدَّائينَ في المَيدانِ يَعْدونَ كُلُّهُم، وأَنَّ واحِدًا يَنالُ الجائِزَة؟ فاعْدوا كذلك حتَّى تَفوزوا. وكُلُّ مُبارٍ يَحرِمُ نَفْسَه كُلَّ شَيء، أَمَّا هؤُلاءِ فلِكَي يَنالوا إِكْليلًا يَزول، وأَمَّا نَحنُ فلِكَي نَنالَ إِكْليلًا لا يَزول" (1 قورنتس 9، 24-25).
وسيرًا على نهج القدّيس بولس الرّسول، استخدم كثير من الكتّاب المسيحيّين الصّور الرّياضيّة رمزًا وصورة لوصف ديناميّات الحياة الرّوحيّة، وهذا يدعونا حتّى اليوم إلى أن نتأمّل في الوَحدة العميقة بين مختلف مكوِّنات الإنسان. وعلى الرّغم من وجود كتابات مسيحيّة في عصور سابقة، متأثّرة بفلسفات ثنائيّة، حملت نظرة سلبيّة عن الجسد، فإنّ التيّار الرّئيسيّ في اللاهوت المسيحيّ شدّد على صلاح العالم المادّيّ، وأكّد أنّ الإنسان وحدة واحدة مكوّنة من جسد ونفس وروح. في الواقع، دحض بشدّة لاهوتيّو العصور القديمة والوسطى التّعاليم الغنوصيّة والمانويّة، لأنّها كانت تعتبر العالم المادّيّ والجسد البشريّ شرَّين في جوهرهما. ووفق هذه المفاهيم، كان هدف الحياة الروحيّة هو التّحرّر من العالم والجسد. عكس ذلك، استند اللاهوتيّون المسيحيّون إلى معتقدات الإيمان الأساسيّة، وهي صلاح العالم الذي خلقه الله، والحقيقة أنّ الكلمة صار جسدًا، وقيامة الإنسان في تناغم جسده ونفسه.
وقد أسهم فهم الواقع الجسديّ الإيجابي هذا في نشوء ثقافة يشارك فيها الجسد، المتّحد بالرّوح، مشاركةً كاملة في الممارسات الدّينيّة: في الحجّ، والتطوافات، والتمثيليّات المسرحيّة المقدّسة، والأسرار المقدّسة، وفي الصّلاة التي تستخدم الصّور والتّماثيل وأشكال التّعبير المختلفة.
ومع ترسّخ المسيحيّة في الإمبراطوريّة الرّومانيّة، بدأت العروض الرّياضيّة المميّزة للثقافة الرّومانيّة، ولا سيّما مبارزات المصارعين، تفقد تدريجيًّا أهمّيّتها الاجتماعيّة. غير أنّ العصور الوسطى شهدت ظهور أشكال جديدة من الممارسة الرّياضيّة، مثل بطولات الفرسان، التي اهتمّت الكنيسة لجانبها الأخلاقيّ، وساهمت أيضًا في إعادة تفسيرها من منظور مسيحيّ، كما تشهد على ذلك عظات رئيس الرّهبان القدّيس برناردس من كليرفو.
وفي الحقبة نفسها، اعترفت الكنيسة بقيمة الرّياضة التّربويّة، بفضل إسهامات شخصيّات مثل هوغو دي سان فيكتور والقدّيس توما الأكويني. فقد شدّد هوغو، في كتابه الدِّيداسكاليكون، على أهمّيّة الأنشطة البدنيّة ضمن المنهاج الدّراسيّ، فأسهم في تكوين النّظام التّربويّ في العصور الوسطى.
أمّا القدّيس توما الأكويني في فكره في اللعب والتّمرين الجسديّ، فقد رأى في ”الاعتدال“ ميزةً أساسيّة للحياة الفاضلة. بحسب توما، لا يقتصر هذا الاعتدال على العمل أو الأنشطة الجادّة، بل يحتاج أيضًا إلى وقت للّعب والرّاحة. كتب: "كما يقول أغسطينس: أرجوك، امنح نفسك أحيانًا قسطًا من الرّاحة، إذ يليق بالحكيم أن يخفّف أحيانًا من شدّة التّركيز في العمل. وهذا الاسترخاء الذّهني من العمل يتحقّق بالكلام والأعمال المرِحة. لذلك من اللائق أن يلجأ الحكيم الفاضل إليها أحيانًا". ويقرّ توما بأنّ النّاس يلعبون لأنّ اللعب مصدر سرور، ويمارسونه لذاته. وردًّا على الاعتراض القائل إنّ العمل الفاضل يجب أن يتوجّه إلى غاية، لاحظ أنّ "الأفعال في اللعبة لا تهدف إلى غاية خارجيّة، بل إلى خير من يلعب، لأنّها ممتعة أو تجلب الرّاحة". ”وهذه النّظرة الأخلاقيّة في اللعب“ التي وضعها توما الأكويني، أثّرت تأثيرًا كبيرًا في الوعظ والتّربية.
الرّياضة مدرسة حياة ومكان حوار معاصر
في هذا الامتداد الطّويل من التّقليد، يندرج فكر الأديب ميشيل دو مونتين الذي كتب في مقال له عن التّربية: "نحن لا نربّي نفسًا ولا نربّي جسدًا، بل نربّي إنسانًا. ويجب ألّا نقسّمه إلى اثنين". ومن هنا برّر إدراج التّربية البدنيّة والرّياضة في اليوم الدّراسي. وقد طُبّقت هذه المبادئ في مدارس اليسوعيّين، مدعومة بكتابات القدّيس أغناطيوس دي لويولا، ولا سيّما بقوانين الرّهبنة اليسوعيّة ومنهج الدّراسات.
وفي هذا السّياق تندرج أيضًا أعمال كبار المربِّين، مثل القدّيس فيليبس نيري والقدّيس يوحنّا بوسكو. فقد أقام هذا الأخير، بتعزيز دور نوادي الرّعيّة، جسرًا مميّزًا بين الكنيسة والأجيال الشابّة، فجعل أيضًا من الرّياضة مجالًا للبشارة بالإنجيل. وفي السّياق نفسه، يمكن أن نذكر الرّسالة البابويّة العامّة ”في الشّؤون الجديدة “للبابا لاوُن الثّالث عشر، التي حفّزت نشوء الجمعيّات الرّياضيّة الكاثوليكيّة العديدة، استجابةً، على الصّعيد الرّعويّ، للتحوّلات التي فرضتها الحياة الحديثة، ولا سيّما أوضاع العمّال بعد الثّورة الصّناعيّة، والعوائد الجديدة الطّارئة.
وعند مطلع القرنَين التّاسع عشر والعشرين، تحوّلت الرّياضة إلى ظاهرة جماهيريّة، وظهرت الألعاب الأولمبيّة الحديثة (1896). وبدأ العلمانيّون والرّعاة يولون هذه الظّاهرة اهتمامًا أكثر منهجيّة. ومنذ حبريّة القدّيس البابا بيوس العاشر (1903-1914)، ازداد اهتمام الكنيسة بالرّياضة، كما تشهد على ذلك تصريحات بابويّة عديدة. وقد عرضت الكنيسة، على لسان البابوات، رؤية للرّياضة تتمحور على كرامة الإنسان، ونموّه المتكامل، وتربيته، وعلاقته مع الآخرين، وأوضحت قيمتها الشّاملة كأداة لتعزيز القِيَمِ مثل الأخوّة والتّضامن والسّلام. ويُعدّ السّؤال الذي وجّهه البابا المكرَّم بيوس الثّاني عشر في خطابه للرياضيّين الإيطاليّين سنة 1945 مثالًا جليًّا على ذلك، حيث قال: "كيف يمكن للكنيسة ألّا تهتمّ بالرّياضة؟".
وقد أدرج المجمع الفاتيكانيّ الثّانيّ تقييمه الإيجابيّ للرّياضة ضمن إطار الثّقافة الأوسع، فأوصى بأنّه "يجب استخدام أوقات الفراغ للترويح عن الرّوح ولتقوية صحّة النّفس والجسد، [...] وذلك أيضًا بالتّمارين والأنشطة الرّياضيّة، التي تساعد على الحفاظ على توازن الرّوح، وتساعد على إقامة علاقات أخويّة بين البشر على اختلاف أوضاعهم وأممهم وأجناسهم"[14]. وبفضل قراءة علامات الأزمنة، تعزَّز الوعي الكنسيّ بأهمّيّة الممارسة الرّياضيّة. وكان المجمع منعطفًا مثمرًا في هذا المجال، إذ تطوّر الفكر في العلاقة بين الرّياضة وحياة الإيمان، وظهرت، في العقود اللاحقة، خبرات رعويّة متعدّدة كشفت عن قوّتها الخلّاقة. كما شجّعت دوائر الكرسيّ الرّسوليّ مبادرات قيّمة للحوار مع هذا المجال في حياة الإنسان.
وكان لافتًا الاحتفال بيوبيلَين للرّياضة أقامهما القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني: الأوّل في 12 نيسان 1984، في سنة الفداء، واليوبيل الثّاني في 29 تشرين الأوّل 2000 في الملعب الأولمبيّ في روما. وفي النّهج نفسه جاء يوبيل 2025، الذي أكّد من جديد بوضوح على القيمة الثّقافيّة والتّربويّة والرّمزيّة للرّياضة على أنّها لغةٌ إنسانيّةٌ عالميّةٌ للّقاء والرّجاء. وهذا التّوجّه هو الذي ألهم قرار استضافة سباق الدّرّاجات لإيطاليا في الفاتيكان، إذ إنّ هذه المباراة الكبرى ليست مجرّد حدثًا رياضيًّا، بل هي أيضًا رواية شعبيّة قادرة على أن تعبر الأقاليم والأجيال والفوارق الاجتماعيّة، وأن تخاطب قلب الجماعة الإنسانيّة في مسيرتها.
تتجاوز الرّياضة أقدم التّقاليد المسيحيّة، وهو واضحٌ أنّها كانت حاضرة ومتأصّلة في الثّقافات التي وصلت إلينا شهاداتها. حتّى الرّوايات الشفهيّة تركت لنا آثار ملاعب، وأدوات رياضيّة، وصورًا أو منحوتات مرتبطة بممارساتها الرّياضيّة. ومن ثَمَّ، يمكن أن نتعلّم الكثير من التّقاليد الرّياضيّة للثّقافات الأصليّة، في الدّول الأفريقيّة والآسيويّة، والأمريكِيَّتَين، ومناطق أخرى من العالم.
لا تزال الرّياضة اليوم تؤدّي دورًا مهمًّا في معظم الثّقافات، وهي توفّر مساحة مميّزة للعلاقة والحوار مع إخوتنا وأخواتنا المنتمين إلى تقاليد دينيّة أخرى، وكذلك مع الذين لا ينتمون إلى أيّ منها.
الرّياضة ونموّ الإنسان
يمكن لبعض باحثي العلوم الاجتماعيّة أن يساعدونا لنفهم معنى الرّياضة الإنسانيّ والثّقافي، ومن ثمّ معناها الرّوحيّ. ومن الأمثلة البارزة على ذلك الأبحاث المتعلّقة بما يُسمّى ”خبرة التدفّق- flow experience “ في الرّياضة وفي مجالات ثقافيّة أخرى. نجد هذه الخبرات عادةً عندما يلتزم الأشخاص في نشاط يتطلّب تركيزًا ومهارة، ويكون مستوى التّحدّي مساويًا لمستواهم الحالي أو أعلى منه قليلًا. لنتصوّر، مثلًا، تبادلًا طويلًا للكرة في مباراة التِّنِس: إنّ ما يجعل بعض اللحظات من أكثر أجزاء المباراة متعة هو أنّ كلّ لاعب يدفع الآخر إلى حدود قدراته. وبهذا تكون الخبرة ممتعة وشيِّقة، بينما يدفع اللاعبان أحدهما الآخر إلى تحسين أدائهما، سواء كانا طفلَين في العاشرة من العمر أم بطلَين محترفَين.
أظهرت دراسات عديدة أنّ النّاس لا تحرّكهم فقط الدّوافع الماليّة أو الشّهرة، بل يمكنهم أن يختبروا الفرح والمكافأة الكامنة في النّشاط نفسه، وذلك بالقيام به وبتقدير قيمته الخاصّة. وقد لوحظ، بصورة خاصّة، أنّ النّاس يفرحون عندما يبذلون كلّ جهدهم في نشاط أو علاقة، ويتجاوزون المستوى الذي كانوا فيه، محقّقين تقدُّمًا إلى الأمام. هذه الدّيناميّات تعزّز نموّ الإنسان بكامله.
بالإضافة إلى ذلك، بالخبرة الرّياضيّة، يركّز الإنسان مرارًا انتباهه بصورة كاملة على ما يقوم به، فيحدث اندماج بين الفعل والوعي، لدرجة أنّه لا يبقى مجال لانتباه صريح موجّه إلى الذّات. وبهذا المعنى، الخبرة تحدّ من نزعة الأنانيّة. وفي الوقت نفسه، يُظهِر الأشخاص شعورًا بالاتّحاد مع ما يحيط بهم. في الرّياضة مع الفريق، هذا الشّعور هو عادةً رباط أو وَحدة مع الزّملاء: فاللاعب لم يعد منغلقًا على ذاته، لأنّه جزء من جماعة تسعى إلى هدف مشترك. وشدّد البابا فرنسيس مرارًا على هذا البُعد، حين شجّع الرياضيّين الشّباب على أن يكونوا لاعبين في فريق. قال مثلًا: "كونوا لاعبين في فريق. أن تنتموا إلى نادٍ رياضيّ يعني أن ترفضوا كلّ شكل من أشكال الأنانيّة والعزلة. إنّها فرصة للقاء الآخرين والبقاء معهم، ومساعدة بعضكم بعضًا، والتّنافس في الاحترام المتبادل، والنّموّ في الأخوّة".
وعندما لا تتلوّث الرّياضة في فريق بعبادة الرّبح، فإنّ الشّباب ”يراجعون أنفسهم“ بالنّسبة لما هو مهمّ حقًّا لهم. إنّها فرصة تربويّة كبيرة. ليس من السّهل دائمًا أن نعرف قدراتنا الشّخصيّة أو نفهم كيف يمكن أن تكون مفيدة للفريق. كما أنّ العمل مع الزّملاء يستلزم أحيانًا أن نواجه النّزاعات، ونتعامل مع الإحباطات والإخفاقات، بل من الضّروري أن نتعلّم المغفرة (راجع متّى 18، 21-22). وهكذا تتكوّن فضائل أساسيّة، شخصيّة ومسيحيّة ومدنيّة.
المدرّبون يؤدّون دورًا محوريًّا في خلق بيئة تسمح بعيش هذه الدّيناميّات، بمرافقة اللاعبين من خلالها. ونظرًا إلى المكوِّنات المعقّدة في شخصيّة الإنسان المعنيّ، من المفيد جدًّا أن يكون المدرّب مليئًا بقِيَمٍ روحيّة. وهناك كثيرون من المدرّبين من هذا النّوع في الجماعات المسيحيّة وسواها من البيئات التربويّة، وكذلك على مستوى المنافسة العالية والنّخبة المحترفة. يصف هؤلاء مرارًا ثقافة الفريق على أنّها قائمة على المحبّة، التي تحترم كلّ شخص وتسنده، وتشجّعه على أن يعطي أفضل ما فيه لخير الفريق. عندما ينتمي شاب إلى فريق من هذا النّوع، يتعلّم شيئًا جوهريًّا عن ما معنى أن يكون إنسانًا وأن ينمو. في الواقع، "لا نصير أو لا نحقّق ذاتنا الأصليّة إلّا معًا. بالمحبّة فقط تصير حياتنا في داخلنا عميقة وهويّتنا قويّة".
وإذا وسَّعنا نظرنا، يجب أن نذكّر بأنّ الرّياضة، بما أنّها مصدر فرح وتعزّز النّموّ الشّخصيّ والعلاقات الاجتماعيّة، يجب أن تكون متاحة لجميع الذين يريدون أن يمارسوها. في بعض المجتمعات التي تُعدّ متقدّمة، حيث تُنظَّم الرّياضة وفق مبدأ ”الدّفع مقابل اللعب“، يعجز الأطفال القادمون من عائلات أو جماعات فقيرة عن تحمّل رسوم الاشتراك، فيُستبعَدون. وفي مجتمعات أخرى، لا يُسمَح للفتيات والنّساء أن يمارسن الرّياضة. وأحيانًا، في التّنشئة على الحياة الرّهبانيّة، ولا سيّما النّسائيّة، تبقى شكوك ومخاوف تجاه النّشاط البدنيّ والرّياضيّ. لذا من الضّروريّ أن نعمل من أجل جعل الرّياضة متاحة للجميع، لأنّ ذلك أمر أساسيّ لتقدُّم الإنسان. وقد أكّدت لي ذلك شهادات مؤثّرة لأعضاء فريق اللاجئين الأولمبيّ، والمشاركين في الألعاب الباراولمبيّة، والأولمبيّات الخاصّة، وكأس العالم للمشرّدين. وكما رأينا، فإنّ القِيَم الرّياضيّة الأصيلة تنفتح طبيعيًّا على التّضامن والاندماج.
المخاطر التي تهدّد القِيَم الرّياضيّة
بعد أن نظرنا كيف تسهم الرّياضة في تنمية الإنسان وتعزيز الخير العام، لا بدّ الآن من أن نشير إلى الدّيناميّات التي يمكن أن تمنع هذه النّتائج. ويحدث ذلك خصوصًا بنوع من ”الفساد“ بات واضحًا للجميع. في كثير من المجتمعات، ترتبط الرّياضة ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد والمال. ولا شكّ في أنّ المال ضروريّ لدعم الأنشطة الرّياضيّة التي تنظّمها المؤسّسات العامّة والهيئات المدنيّة والمؤسّسات التربويّة، وكذلك الأنشطة الخاصّة على المستويَين التّنافسيّ والمهنيّ. لكن المشاكل تنشأ عندما يصير الرّبح هو الدّافع الأساسيّ أو الوحيد. حينئذ لا تعود القرارات تنطلق من كرامة الأشخاص، ولا ممّا يخدم ويعزّز خير الرّياضيّ ونموّه المتكامل وخير الجماعة.
عندما يكون الهدف تحقيق أكبر ربح ممكن، يُبالَغ في تقدير ما يمكن قياسه أو تحديده، على حساب أبعاد إنسانيّة لا تُقدَّر بثمن: ”لا يهمّ إلّا ما يمكن احتسابه“. وتتسرّب هذه العقليّة إلى الرّياضة عندما يتركّز الاهتمام بصورة مهووسة على النّتائج المحقّقة وعلى المبالغ الماليّة التي يمكن جنيها من الفوز. وفي كثير من الحالات، حتّى على مستوى الهواة، طغت مقتضيات السّوق وقيمه على قِيَم رياضيّة إنسانيّة أخرى، من الواجب المحافظة عليها.
نبّه البابا فرنسيس إلى الآثار السّلبيّة لهذه الدّيناميّات على الرّياضيّين، قال: "عندما تُفهم الرّياضة وفق معايير اقتصاديّة فقط أو يكون المعيار هو الفوز بأيّ ثمن، يظهر خطر تحويل الرّياضيّين إلى مجرّد سلع لزيادة الرّبح. ويدخل الرّياضيّون أنفسهم في نظام يجتاحهم، فيفقدون المعنى الحقيقيّ لنشاطهم، وفرح اللعب الذي جذبهم وهم أطفال، ودفعهم إلى تقديم تضحيات كبيرة ليصيروا أبطالًا. الرّياضة هي انسجام، ولكن عندما يسود السّعي المحموم وراء المال والنّجاح، ينكسر هذا الانسجام".
الرّياضيّون المحترفون وذوو المستوى العالي أيضًا، عندما يصير هدفهم الاقتصاديّ هو الأساسيّ أو الوحيد، يوشكون أن ينغلقوا على أنفسهم وعلى أدائهم الفردي، فيُضعِفون البعد الجماعيّ للّعبة، ويخونون قيمتها الاجتماعيّة والمدنيّة. مع أنّ الرّياضة هي ممارسة تحمل قِيَمًا مشتركة بين جميع المشاركين فيها، وهي قادرة على إضفاء طابع إنسانيّ على العيش المشترك حتّى في الظّروف الصّعبة. عكس ذلك، التّركيز المفرط على المال، فإنّه يُعيد الانتباه بشكل صريح ومقزِّم للذّات. وهنا أيضًا يصدق كلام يسوع: "ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يَعمَلَ لِسَيِّدَيْن" (متّى 6، 24).
يظهر خطر خاصّ عندما تُعتَبر المكاسب الماليّة النّاتجة عن النّجاح في الرّياضة أهمّ من قيمة المشاركة نفسها: ديكتاتوريّة الأداء قد تدفع إلى تعاطي المنشّطات وإلى أشكال أخرى من الغشّ، وقد تؤدّي بلاعبي فرق الرّياضة إلى أن يركّزوا على مصلحتهم الاقتصاديّة بدل الأمانة للنظام نفسه. وعندما تصير الحوافز الماليّة المعيار الوحيد، قد يُعرِّض الأفراد والفرق أنفسهم للخطر بسبب فساد صناعة المراهنات وتغلغلها. وهذه الأشكال المتعدّدة من الغشّ لا تفسد النّشاط الرّياضيّ نفسه فحسب، بل تُحبط الجمهور الكبير وتقوّض مساهمة الرّياضة الإيجابيّة في المجتمع بشكل عام.
المنافسة وثقافة اللقاء
إن وسّعنا النّظر إلى مستوى المنافسات الرّياضيّة، نرى أنّها يمكن أن تؤدّي دورًا مهمًّا في تعزيز الوَحدة بين البشر. ومن اللافت أنّ الكلمة اللاتينيّة ”للمنافسة“ (competizione) مشتقّة من جذرين لاتينِيَّين (cum)أي ”معًا“، و (petere)، أي ”السّعي أو الطّلب“. إذًا، في المنافسة، يمكن القول إنّ شخصَين أو فريقَين يسعيان معًا إلى التميُّز، لا إلى اعتبار بعضهما عدوَّين لدودَين. والزّمن الذي يسبق المباراة أو يليها يتيح فرصة للّقاء والتّعارف.
لهذا، تفترض المنافسة الرّياضيّة عندما تكون أصيلة ميثاقًا أخلاقيًّا مشتركًا: القبول الصّادق بالقواعد، واحترام حقيقة المواجهة. رفض المنشّطات وكلّ أشكال الفساد، مثلًا، ليس مسألة انضباطيّة فحسب، بل يمسّ جوهر الرّياضة نفسها. والتّلاعب الاصطناعيّ بالأداء أو شراء النّتيجة يعني كسر بُعد ”السّعي معًا-cum-peter“ وتحويل السّعي المشترك إلى التميّز إلى قهر فردي أو فئوي.
أمّا الرّياضة الحقيقيّة، فتربّي على علاقة صافية مخلصة للحدود والقانون. فالحدود عتبة يجب الإقامة عندها: هي التي تمنح الجهد معناه، وتجعل التقدّم مفهومًا، والاستحقاق ظاهرًا ومعترفًا به. أمّا القانون فهو الأساس المشترك الذي يجعل اللعب ممكنًا. من دون قواعد، لا تكون هناك منافسة ولا لقاء، بل فوضى أو عنف. وقبول حدود الجسد والزّمن والتّعب، واحترام القواعد المشتركة، يعني أن نعرف أنّ النّجاح ينشأ من الانضباط والمثابرة والأمانة.
بهذا المعنى، الرّياضة تقدِّم درسًا حاسمًا يتجاوز ميدان اللعب: تعلّمنا أنّه يمكن أن نسعى إلى أقصى الطّموح دون أن ننكر ضعفنا، وأنّه يمكن أن نفوز بدون أن نُذِلَّ غيرنا، وأنّه يمكن أن نخسر بدون أن ننهزم كأشخاص. فالمنافسة العادلة تحفظ بُعدًا إنسانيًّا وجماعيًّا عميقًا: لا تفصل بل تربط، ولا تعتبر النّتيجة أمرًا مطلقًا بل تقدّر المسيرة كلّها، ولا تجعل الأداء صنمًا بل تعترف بكرامة اللاعب.
المنافسة العادلة وثقافة اللقاء لا تهمّ فقط اللاعبين، بل تشمل أيضًا المتفرّجين والمشجّعين. فالانتماء إلى فريق هو عنصر مهمّ في هويّة مشجّعين كثيرين، إذ يتشاركون أفراح أبطالهم وفشلهم، ويشعرون بإحساس بالجماعة مع سائر المناصرين. هذا عامل إيجابيّ في المجتمع، ومصدر لمنافسة ودّيّة ومزاح بريء، لكنّه قد يصير إشكاليًّا عندما يتحوّل إلى استقطاب يقود إلى عنف لفظيّ وجسديّ. إذّاك يتحوّل التّشجيع إلى تعصّب، ويصير الملعب مكان صدام بدل أن يكون مكان لقاء. وهنا لا تعود الرّياضة توحّد بل تُفرّق، ولا تُربّي بل تُفسد، لأنّها تقزِّم الهويّة الشّخصيّة في انتماء أعمى ومعارِض. ويزداد القلق حين يرتبط هذا التعصّب بأشكال تمييز سياسيّ أو اجتماعيّ أو دينيّ، وحين يُستعمل للتعبير عن مشاعر أعمق من الحقد والكراهية.
توفّر المنافسات الدّوليّة، بصورة خاصّة، فرصة مميّزة لنختبر إنسانيّتنا المشتركة في غنى تنوّعها. في الواقع، هناك شيء مؤثّر جدًّا في حفلات افتتاح الألعاب الأولمبيّة واختتامها، عندما نرى الرّياضيّين يسيرون حاملين أعلام بلدانهم ويلبسون أزياءهم التّقليديّة. مثل هذه الخبرات يمكن أن تلهمنا وأن تذكّرنا بأنّنا مدعوّون إلى أن نكوِّن عائلة إنسانيّة واحدة. والقِيَم التي تعزّزها الرّياضة، مثل قِيَم الأمانة والمشاركة والضّيافة والحوار والثّقة بالآخر، هي قِيَمٌ مشتركة بين جميع البشر، بغضّ النّظر عن أصلهم العرقيّ، أو ثقافتهم، أو معتقداتهم الدّينيّة.
الرّياضة والعلاقات والتّفرقة
الريّاضة تنشأ كخبرة مبنيّة على العلاقات: فهي تجمع الأجساد، وبالأجساد، تظهر القصص والاختلافات والانتماءات. التّدريب المشترك، والتّنافس الشّريف، وتقاسم التّعب، وفرح اللعب، كلّ هذا يعزّز اللقاء ويبني روابط تتخطّى الحواجز الاجتماعيّة والثّقافيّة واللغويّة. بهذا المعنى، الرّياضة تشكّل عاملًا قويًّا لتسهيل العلاقات الاجتماعيّة: إنّها تخلق جماعة، وتربّي على احترام القواعد المشتركة، وتعلِّم أنّ أيّ إنجاز ليس ثمرة مسيرة فرديّة معزولة. مع ذلك، ومع أنّها تُثير هوًى في النّفس عميقًا، فإنّ للرّياضة أيضًا حدودًا.
معنى الرّياضة التّربوي يتجلّى على نحو خاصّ في العلاقة بين الفوز والخسارة. الفوز ليس مجرّد تفوّق، بل هو تقدير لقيمة المسيرة المنجزة، والانضباط، والالتزام المشترك. والخسارة لا تعني فشل الشّخص، بل يمكن أن تصير مدرسة للحقيقة والتّواضع. وهكذا تُربِّي الرّياضة على فهم أعمق للحياة، حيث النّجاح ليس دائمًا نهائيًّا، والسّقوط ليس الكلمة الأخيرة أبدًا. إنّ قبول الهزيمة بدون يأس، والانتصار بدون غرور، يعني أن نتعلّم أن نعيش في الواقع بنضج، ونعترف بحدودنا وإمكانيّاتنا.
بالإضافة إلى ذلك، ليس من النّادر أن تُضفَى على الريّاضة وظيفة شبه دينيّة. فالملاعب هي مثل كاتدرائيّات علمانيّة، والمباريات مثل لِيتورجيّات جماعيّة، والرّياضيّون مثل رموز خلاص. هذه النّظرة التي تضفي نوعًا من التّقديس تُظهِر حاجة حقيقيّة إلى المعنى والشّركة، لكنّها توشك أن تُفرغ الرّياضة والحياة الرّوحيّة من مضمونهما. عندما تدّعي الرّياضة أن تحلّ محلّ الدِّين، فإنّها تفقد طابعها كلعبة وخدمة للحياة، وتتحوّل إلى مطلق شامل، غير قادر على أن يتنازل لمعرفة حدوده.
في هذا السّياق، يظهر أيضًا خطر النّرجسيّة الذي يجتاح اليوم كلّ الثّقافة الرّياضيّة. يمكن أن ينغلق الرّياضيّ على صورة جسده وإنجازاته، وعلى نجاحه الذي يقيسه بمقدار الظّهور والشّهرة. إنّ عبادة الصّورة والإنجاز، التي تُضخّمها وسائل الإعلام والمنصّات الرّقميّة، توشك أن تفتّت الشّخص، وأن تفصل الجسد عن العقل والرّوح. من الضّروريّ أن نؤكّد من جديد على العناية المتكاملة بالشّخص الإنسانيّ، حيث لا تنفصل العافية الجسديّة عن التّوازن الدّاخليّ، والمسؤوليّة الأخلاقيّة، والانفتاح على الآخرين. ومن الضّروريّ أن نستعيد نماذج جمعت بين الشّغف الرّياضيّ، والحساسيّة الاجتماعيّة والقداسة. ومن بين الأمثلة الكثيرة، أودّ أن أذكر القدّيس بيير جورجو فراسّاتي (1901–1925)، الشّاب من تورينو (إيطاليا) الذي جمع بانسجام بين الإيمان، والصّلاة، والالتزام الاجتماعيّ، والرّياضة. كان بيير جورجو شغوفًا بتسلّق الجبال. نظّم رحلات مع أصدقائه، وكان صعوده إلى الجبال والتأمّل في مشاهدها المهيبة يقوده إلى التأمّل في عظمة الخالق وسموّه.
تظهر تشوّهات أخرى في توظيف المنافسات الرّياضيّة الدوليّة لأغراض سياسيّة. عندما تُخضع الرّياضة لمنطق السُّلطة أو الدّعاية أو التفوّق القوميّ، فإنّها تخون رسالتها العالميّة. التّظاهرات الرّياضيّة الكبرى يجب أن تكون ساحات لقاء وإعجاب متبادل، لا منصّات لتأكيد مصالح سياسيّة أو أيديولوجيّة.
التحدّيات المعاصرة تتفاقم مع تأثير النّزعات الإنسانيّة الشّاملة والذّكاء الاصطناعيّ في عالم الرّياضة. التّقنيّات المطبّقة على الإنجازات توشك أن تُدخل انفصالًا مصطنعًا بين الجسد والعقل، فتحوّل الرّياضيّ إلى منتج محسَّن ومراقَب، ومُعزَّز إلى ما وراء حدوده الطّبيعيّة. وعندما لا تعود التّقنيّة في خدمة الإنسان بل تدّعي إعادة تكوينه، تفقد الرّياضة بعدها الإنسانيّ والرّمزيّ، وتصير مختبر تجارب مجرّدة من الجسد.
على النّقيض من هذه الانحرافات، تحتفظ الرّياضة بقدرة استثنائيّة على الشّموليّة. عندما تُمارَس بطريقة صحيحة، تفتح مجالات مشاركة لأشخاص من كلّ الأعمار والأوضاع الاجتماعيّة والقدرات، فتصير أداة اندماج وكرامة.
في هذا الأفق تندرج خبرة ”فريق الرّياضة في الفاتيكان-Athletica Vaticana“ الذي تأسّس سنة 2018 بوصفه فريق الكرسيّ الرّسوليّ الرّسميّ، تحت إشراف دائرة الثّقافة والتّربية. وهو يشهد على إمكانيّة عيش الرّياضة أيضًا كخدمة كنسيّة، ولا سيّما تجاه الفقراء والأضعفين. الرّياضة هنا ليست استعراضًا، بل هي قربٌ، وليست انتقاءً، بل مرافقة، وليست تنافسًا مفرطًا، بل مسيرة مشتركة.
أخيرًا، من الضّروريّ أن نتساءل عن الميل المتزايد إلى تشبيه الرّياضة بمنطق ”ألعاب الفيديو“. إنّ الإفراط في تحويل الرّياضة إلى ألعاب آليّة، وحصر خبرة اللعب في تسجيل نقاط وفي مستويات وأداءات قابلة للتكرار، يوشك أن يفصل الرّياضة عن واقع الجسد والعلاقة العمليّة. فاللعب، الذي هو دائمًا مخاطرة ومفاجأة وحضور، يُستبدَل بأسلوب ”يشبه اللعب“ خاضع لتحكّم كامل ومكافأة فوريّة. أن نستعيد قيمة الرّياضة الأصيلة تعني أن نعيد إليها معناها المتجسّد في الإنسان وبُعدَها التّربويّ وما فيها من علاقات، لكي تبقى مدرسة إنسانيّة لا مجرّد أداة استهلاك.
رعويّة الرّياضة من أجل الحياة الوافرة
رعويّة الرّياضة السّليمة تنشأ من الوعي بأنّ الرّياضة هي أحد الأماكن التي يتكوَّن فيها الخيال، وتتبلور أنماط الحياة، وتُربَّى الأجيال الشّابّة. لهذا، من الضّروريّ أن تعترف الكنائس المحلّيّة بالرّياضة وترى فيها مكانًا للتمييز والمرافقة، يستحقّ الالتزام بتوجيه إنسانيّ وروحيّ. في هذا الإطار، يبدو مناسبًا أن توجد داخل مجالس الأساقفة مكاتب أو لجان مختصّة بالرّياضة، تُعِدّ وتنسّق المقترحات الرّعويّة، وتفتح حوارًا بين الواقع الرّياضيّ والتّربويّ والاجتماعيّ في مختلف المناطق. في الواقع، الرّياضة توجد في كلّ الرّعايا والمدارس والجامعات والنّوادي الرّعويّة والجمعيّات والأحياء: يجب أن نعزّز رؤية مشتركة تساعد لنتجنّب التشتّت ونقدِّر ونؤيّد الخبرات الموجودة.
على الصّعيد المحلّي، تعيين مسؤول أبرشيّ وتكوين فرق رعويّة للرّياضة يلبّي الحاجة نفسها إلى القرب والاستمراريّة. مرافقة الرّياضة الرّعويّة لا تقتصر على مناسبات احتفاليّة، بل تتحقّق مع الزّمن، بتقاسم التّعب والتّطلّعات والفشل والآمال للذين يعيشون يوميًّا في الملعب أو في صالة الرّياضة أو على الشّارع. هذه المرافقة تشمل كلّ الظّواهر الرّياضيّة، بكلّ أوجهها الثقافيّة والاقتصاديّة، كما تشمل الأشخاص الذين يعيشونها. الكنيسة مدعوّة إلى أن تكون قريبة حيث تكون الرّياضة مهنة، أو منافسة عالية المستوى، أو فرصة للنّجاح والظّهور الإعلاميّ، مع اهتمام خاصّ بالرّياضة الشّعبيّة الفقيرة غالبًا بالوسائل، لكنّها غنيّة بالعلاقات.
يمكن لرعويّة الرّياضة الجيّدة أن تسهم إسهامًا كبيرًا في التّفكير في أخلاقيّات الرّياضة. لا يعني ذلك فرض قواعد من الخارج، بل إنارة معنى العمل الرّياضيّ من الدّاخل، وإظهار إمكانيّة التّوفيق بين السّعي إلى النّتيجة وبين احترام الآخر والقواعد وأنفسنا. وعلى وجه الخصوص، يجب اعتبار الانسجام بين النّموّ الجسديّ والنّموّ الرّوحيّ بُعدًا تأسيسيًّا لرؤية متكاملة للإنسان. وهكذا تصير الرّياضة مكانًا لنتعلّم فيه أن نعتني بأنفسنا بدون أن نقدّسها، وأن نتجاوز أنفسنا بدون أن نلغيها، وأن نتنافس بدون أن نفقد الأخوّة.
وأمامنا واجب حاسم آخر، وهو التّفكير في الممارسة الرّياضيّة وتطبيقها كأداة جماعيّة مفتوحة وشاملة. الرّياضة يمكنها ويجب عليها أن تكون مكانًا للترحيب، قادرًا على إشراك أشخاص من أصول اجتماعيّة وثقافيّة وجسديّة متنوّعة. وفرح اللقاء معًا، الذي ينشأ عن اللعب المشترك، والتّدريب معًا، والدّعم المتبادل، هو من أبسط وأعمق المظاهر في إنسانيّة متصالحة مع نفسها.
في مثل هذه الرّؤية، الرّياضيّون هم نموذج يجب أن نراه ونعترف به ونرافقه. خبرتهم اليوميّة فيها زهد واعتدال، وعمل صبور على أنفسهم، وتوازن بين الانضباط والحرّيّة، واحترام لإيقاعات الجسد والعقل. هذه الصّفات يمكن أن تنير كلّ الحياة الاجتماعيّة. أمّا الحياة الرّوحيّة، فتوفّر للرياضيّين نظرة تتجاوز الأداء والنّتيجة، وتُدخل معنى التّمرين كممارسة تبني حياتنا الدّاخليّة. وتساعدنا لنعطي معنى للتعب، ونقبل الهزيمة دون يأس، والنّجاح دون غرور، ونحوّل التّدريب إلى انضباط لسلوك الإنسان.
كلّ ذلك يجد أفقه الأسمى في وعد الكتاب المقدّس الذي يحمل عنوان هذه الرّسالة: الحياة الوافرة. ليست تراكُم نجاحات أو إنجازات، بل امتلاء حياة يشمل الجسد والعلاقة والحياة الدّاخليّة. من المنظور الثّقافي، الحياة الوافرة تدعونا إلى أن نحرّر الرّياضة من منطق التّقزيم الذي يحوّلها إلى مجرّد عرض أو استهلاك. ومن المنظور الرّعويّ، الحياة الوافرة تحثّ الكنيسة على أن تكون حضورًا يرافق ويميّز ويولّد الرّجاء. هكذا يمكن للرّياضة أن تصير حقًّا مدرسة للحياة، نتعلّم فيها أنّ الوفرة لا تولد من الفوز بأيّ ثمن، بل من المشاركة، والاحترام، وفرح السّير معًا.