موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١٧ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
البابا مترئسًا القداس في باميندا: الطاعة لله لا للناس هي بداية التغيير الحقيقي

أبونا :

 

في عظته مترئسًا القداس الإلهي في مطار باميندا الدولي في الكاميرون، شدّد البابا لاون الرابع عشر على أنّ «الطاعة لله لا للناس» هي الأساس في مسيرة التغيير، مؤكدًا أنّها لا تُقيّد الإنسان بل تجعله حرًّا، لأنّها تعني أن يوكِل حياته لله ويجعل كلمته تُلهم طريقة تفكيره وعمله. وأوضح أنّ كلمة الله قادرة على أن «تحرّك القلوب» و«تزعزع مسار الأمور العادي»، فتدفع الإنسان إلى عدم الاستسلام للواقع.

 

وقال: «من يطيع الله قبل الناس وقبل طريقة التفكير البشرية والأرضية، يجد من جديد حريته الداخلية، ويتمكّن من اكتشاف قيمة الخير وعدم الاستسلام للشر» ليصبح «صانع سلام وأخوّة»، داعيًا إلى أن نكون «فاعلين حقيقيّين في التغيير» في مواجهة التحديات، وبناء مجتمع يسوده السلام والمصالحة.

 

 

وفيما يلي النص الكامل للعظة:

 

 

أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء في المسيح،

 

جئت إليكم حاجًّا ساعيًا للسّلام والوَحدة ولأعبّر لكم عن فرحيّ بوجودي هنا لزيارة منطقتكم، ولا سيَّما للمشاركة في مسيرتكم ومصاعبكم وآمالكم.

 

مظاهر الفرح التي ترافق احتفالاتكم الليتورجيّة، والبهجة التي تنبع من الصّلاة التي ترفعونها إلى الله، هي علامة على تسليم أنفسكم له واثقين، ورجائكم الثّابت فيه، وتعلّقكم بكلّ قوّتكم بمحبّة الآب الذي يقترب وينظر برأفة إلى آلام أبنائه. في المزمور الذي صلّيناه معًا، ننشد هذه الثّقة به التي نحن مدعوّون اليوم إلى تجديدها: "الرَّبُّ قَريبٌ مِن مُنكَسِري القُلوب، ويُخَلِّصُ مُنسَحِقي الأَرْواح" (مزمور 34، 19).

 

أيّها الإخوة والأخوات، كثيرة هي الأسباب والظّروف التي تكسر القلب وتلقي بنا في الهموم. في الواقع، الآمال بمستقبل يسوده السّلام والمصالحة، حيث يُحترم كلّ إنسان في كرامته وتُضمن لكلّ واحد حقوقه الأساسيّة، تُستنزف باستمرار بسبب المشاكل الكثيرة التي تَسِمُ هذه الأرض الجميلة: أشكال الفقر المتعدّدة التي تطال، حتّى في الآونة الأخيرة، عددًا كبيرًا من النّاس مع أزمة غذائيّة مستمرّة، والفساد الأخلاقيّ والاجتماعيّ والسّياسيّ، المرتبط خصوصًا بإدارة الثّروات، والذي يعيق نموّ المؤسّسات والهيكليّات، والمشاكل الخطيرة النّاتجة عن ذلك التي تؤثّر في النّظام التربويّ والنّظام الصّحّيّ، وكذلك الهجرة الكبيرة إلى الخارج، ولا سيّما هجرة الشّباب. وإلى جانب هذه المشاكل الدّاخليّة، التي تغذّيها مرارًا الكراهية والعنف، يُضاف أيضًا الشّرّ الآتي من الخارج، من قِبَل الذين يستمرّون، باسم المنفعة، في بسط أيديهم على القارّة الأفريقيّة لاستغلالها ونهبها.

 

كلّ هذا يوشك أن يجعلنا نشعر بالعجز وأن يزعزع ثقتنا بأنفسنا. ومع ذلك، هذا هو الوقت المناسب للتّغيير، وتحويل تاريخ هذا البلد. اليوم وليس غدًا، والآن وليس في المستقبل، قد حان وقت البناء من جديد، وإعادة تشكيل فسيفساء الوَحدة من جديد، بأن نضع معًا تنوّعات وثروات البلد والقارّة، وبناء مجتمع يسود فيه السّلام والمصالحة.

 

صحيح أنّه عندما تستقرّ حالة ما لمدّة طويلة، يكمن الخطر في الاستسلام والعجز، لأنّنا لا نتوقّع أيّ جديد. ومع ذلك، فإنّ كلمة الله تفتح آفاقًا جديدة وتُحدِث تحوّلًا وشفاءً، لأنّها قادرة على أن تحرّك القلوب، وعلى أن تزعزع مسار الأمور العادي الذي نوشك بسهولة إلى الاعتياد عليه، وعلى أن تجعلنا فاعلين حقيقيّين في التّغيير. لنتذكّر هذا: الله هو كلّ شيء جديد، والله يخلق أمورًا جديدة، والله يجعلنا أشخاصًا شجعانًا يتحدّون الشرّ ويصنعون الخير.

 

نرى ذلك في شهادة الرّسل، كما أصغينا إليها في القراءة الأولى: بينما كانت سُلُطات المجلس تستجوب الرّسل وتوبّخهم وتهدّدهم لأنّهم كانوا يبشّرون بالمسيح علنًا، أجابوا: "اللهُ أَحَقُّ بِالطَّاعَةِ مِنَ النَّاس. إِنَّ إِلهَ آبائِنا أَقامَ يسوعَ الَّذي قَتَلتُموه إِذ عَلَّقتُموه على خَشَبَة" (أعمال الرّسل 5، 29-30).

 

شجاعة الرّسل صارت وعيًا ناقدًا، ونبوءة، وإدانة للشّرّ، هذه هي الخطوة الأولى لتغيير الأمور. في الواقع، الطّاعة لله ليست عمل خضوع يقيّدنا أو يلغي حرّيّتنا. بل العكس، الطاعة لله تجعلنا أحرارًا، لأنّها تعني أن نوكل حياتنا إليه ونترك كلمته تُلهم طريقة تفكيرنا وعملنا. هكذا، كما أصغينا في الإنجيل الذي ينقل إلينا الجزء الأخير من الحوار بين يسوع ونيقوديمُس: "إِنَّ الَّذي يأتي مِن عَلُ هو فَوقَ كُلِّ شَيء، والَّذي مِنَ الأَرض هُوَ أَرضِيّ، يتكلَّمُ بِكلامِ أَهلِ الأَرض" (يوحنّا 3، 31). من يطيع الله قَبل النّاس وقَبل طريقة التّفكير البشريّة والأرضيّة، يجد من جديد حرّيّته الدّاخليّة، ويتمكّن من أن يكتشف قيمة الخير وعدم الاستسلام للشّرّ، ويكتشف من جديد طريق الحياة، ويصير صانع سلام وأخوّة.

 

أيّها الإخوة والأخوات، تعزية القلوب المنكسرة والإيمان بتغيير المجتمع أمر ممكن إن أوكلنا أنفسنا إلى الله وإلى كلمته. غير أنّ دعوة الرّسول بطرس يجب أن نحفظها دائمًا في قلوبنا وأن نتذكّرها: أن نطيع الله لا النّاس. أن نطيعه هو، لأنّه هو وحده الله. وهذا يدعونا أيضًا إلى تعزيز إنثقاف الإنجيل وإلى السّهر واليقظة بانتباه على تديّننا، لئلّا نقع في خداع اتّباع مسارات تخلط بين الإيمان الكاثوليكيّ ومعتقدات وتقاليد أخرى غامضة أو غنوصيّة، والتي تكون لها في الواقع مرارًا أهداف سياسيّة واقتصاديّة. الله وحده يحرّر، وكلمته وحدها تفتح دروب الحرّيّة، وروحه وحده يجعلنا أناسًا جدُدًا قادرين على تغيير هذا البلد.

 

أرافقكم بصلاتي الدّائمة، وأبارك بشكل خاصّ الكنيسة الحاضرة هنا: الكهنة، والمرسلين، والرّهبان والرّاهبات، والعلمانيّين الكثيرين الذين يعملون ليكونوا مصدر تعزية ورجاء. أشجّعكم على الاستمرار في هذا الطّريق، وأوكلكم إلى شفاعة مريم العذراء الكاملة القداسة، ملكة الرّسل وأمّ الكنيسة.