موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في إطار زيارته الرسولية إلى الكاميرون، التقى البابا لاون الرابع عشر السلطات وممثلي المجتمع المدني والسلك الدبلوماسي، حيث توقّف عند التحديات التي تواجهها البلاد، ولا سيما أعمال العنف والتوترات التي خلّفت ضحايا ومهجّرين وأثّرت على مستقبل الشباب، مجدّدًا دعوته إلى رفض منطق الحرب واعتماد سلام حقيقي قائم على العدالة والمحبة، لا على الأسلحة والخوف والتهديد.
وأكّد أن السلام لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى من خلال التزام جماعي ومسؤولية مشتركة، تبدأ من السلطات التي يُفترض أن تخدم شعوبها بروح العدالة والشفافية، وتعزّز الثقة عبر احترام القانون وحقوق الإنسان. وقال: «الحكم يعني حبّ الوطن والبلدان المجاورة أيضًا.. ويعني الاستماع الحقيقي للمواطنين، وتقدير ذكائهم وقدرتهم على المساهمة في بناء حلول دائمة للمشاكل».
وشدّد قداسته على «الشهادة المزدوجة» التي ينبغي أن يتحلّى بها أصحاب المسؤوليات العليا، والمتمثّلة في التعاون لخدمة الشعب ولا سيما الفقراء، وربط المسؤولية العامة بنمط حياة نزيه. وقال: «لإقامة السلام والعدل، يجب كسر قيود الفساد التي تشوّه السلطة وتفرغها من مصداقيتها». كما أكّد ضرورة «تحرير القلب من الجشع في طلب الربح الذي هو عبادة أصنام»، مشددًا على أنّ «الربح الحقيقي هو التنمية البشرية المتكاملة»، وذلك من خلال إشراك النساء والشباب في عملية صنع القرار.
السّيّد الرّئيس،
السّلطات المحترمين،
أعضاء السّلك الدّبلوماسيّ المحترمين،
سيّداتي، سادتي،
أشكركم من كلّ قلبي لحفاوة الاستقبال الذي استقبلتموني به، ولكلمات التّرحيب التي وَجِّهتموها إليّ. أشعر بفرحٍ عميق لوجودي معكم في الكاميرون، التي تُوصَف غالبًا بأنّها ”أفريقيا المصغّرة“ لما تتمتّع به من غنى في أراضيها وثقافاتها ولغاتها وتقاليدها. وهذا الاختلاف ليس ضعفًا، بل هو كنز، وهو وعدٌ بالأخوّة وأساسٌ متينٌ لبناء سلامٍ دائم.
أتيتُ إليكم راعيًا وخادمًا للحوار والأخوّة والسّلام. إنّ زيارتي تعبّر عن محبّة خليفة بطرس لجميع الكاميرونيّين، وكذلك عن رغبتي في تشجيع كلّ واحد منكم على مواصلة العمل، بحماسٍ ومثابرة، من أجل بناء الخير العام. إنَّنا نعيش في زمنٍ يكثر فيه روح الاستسلام، والميل إلى الشّعور بالعجز الذي يشلّ التّجديد الذي يشعر به الشّعوب في أعماقهم. الجوع والعطش إلى العدالة شديد! وما أشدّ التّوق إلى المشاركة، وإلى الرّؤى، وإلى الخيارات الشّجاعة، وإلى السّلام! إن رغبتي الكبيرة هي أن أصل إلى قلب الجميع، ولا سيّما الشّباب، المدعوّين إلى الإسهام، حتّى على الصّعيد السّياسيّ، في صُنعِ عالمٍ فيه مزيد من العدل. كما أودّ أن أعبِّر عن إرادتي في تعزيز روابط التعاون بين الكرسي الرّسولي وجمهوريّة الكاميرون، القائمة على الاحترام المتبادل، وعلى كرامة كلّ إنسان، وعلى الحرّيّة الدّينيّة.
تحتفظ الكاميرون في ذاكرتها بزيارات أسلافي: زيارة القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني، رسول الرّجاء لجميع شعوب أفريقيا، وزيارة البابا بنديكتس السّادس عشر، الذي شدّد على أهمّيّة المصالحة والعدالة والسّلام، وكذلك على المسؤوليّة الأخلاقيّة للحكام. أعلم أنّ هذه اللحظات قد وَسَمت تاريخكم الوطنيّ، وكانت بمثابة دعوات ملزمة بروح الخدمة، والوَحدة، والعدالة. يمكننا إذن أن نتساءل: إلى أين وصلنا؟ وكيف أثمرت الكلمة التي أُلقِيَت إلينا؟ وما الذي يبقى علينا إنجازه؟
كتب القدّيس أغسطينس، منذ ستة عشر قرنًا، كلمات لا تزال في غاية الأهمّيّة لعصرنا: "الذين يحكمون هم في خدمة من يبدو أنّهم يحكمونهم. فهم لا يحكمون بدافع الرّغبة في السّيطرة، بل بواجب الرّعاية وتوفير ما يلزم، لا بدافع الكبرياء وفرض السيّطرة، بل بالشّفقة التي تريد أن توفّر ما يلزم". وفي هذا المنظور، خدمة الوطن تعني أن يكرّس الإنسان عقله الواعي وضميره النّقي من أجل الخير العام للشعب كلّه: للأغلبيّة، والأقليّات، ولتناغمهم المتبادل.
اليوم، كما هو الحال في العديد من الدّول الأخرى، يواجه بلدكم تحدّيات معقّدة. لقد أدّت التوترات وأعمال العنف التي ضربت بعض مناطق الشّمال الغربي، والجنوب الغربي والشّمال الأقصى إلى معاناة عميقة: فقد فُقِدَت أرواح، وهُجِّرَت عائلات، وحُرِمَ الأطفال من المدرسة، والشّباب لا يرون مستقبلًا. خلف هذه الإحصاءات وجوه وقصص وآمال مجروحة. في مواجهة مثل هذه المواقف الدّرامية، دعوت في بداية هذا العام الإنسانيّة إلى رفض منطق العنف والحرب، واحتضان السّلام المبني على المحبّة والعدل. سلام بلا أسلحة، أي لا يستند إلى الخوف أو التّهديد أو التّسلّح. بل هو سلام يدعو إلى إلقاء السّلاح، وقادر على حلّ النّزاعات، وفتح القلوب، وإشاعة الثّقة والتّعاطف والأمل. لا يمكن اختزال السّلام في شعارات: بل يجب تجسيده في أسلوب حياة، للأفراد والمؤسّسات، يرفض كلّ شكل من أشكال العنف. لهذا أكرّر بقوّة: "العالم متعطش إلى السّلام [...]. كفى حروبًا، وما تخلفه من موت ودمار وتهجير". هذه الصّرخة هي دعوة إلى إرادة صادقة تساهم في سلام حقيقي، يٌفضَّل على كلّ مصلحة خاصّة.
فالسّلام لا يُفرض، بل هو عطيّة يُرحَّب بها وتصير حياة في الإنسان. إنّه هبة من الله، تتطوّر بعمل صابر وجماعي. وهو مسؤوليّة الجميع، وعلى رأسهم السّلطات المدنيّة. الحكم يعني حبّ الوطن والبلدان المجاورة أيضًا. "أحبب قريبك حُبَّك لنفسك"، ينطبق هذا القول أيضًا على العلاقات الدّولية. الحكم يعني الاستماع الحقيقي للمواطنين، وتقدير ذكائهم وقدرتهم على المساهمة في بناء حلول دائمة للمشاكل. وقد أشار البابا فرنسيس إلى ضرورة تجاوز "فكرة السّياسات الاجتماعيّة من أجل الفقراء، لكن ليس مع الفقراء، ولا من قادمة الفقراء، وأقلّ من ذلك أن تكون مشروعًا يجمع الشّعوب".
في هذا التحوّل في النّهج، يجب اعتبار المجتمع المدنيّ قوّة حيويّة من أجل التماسك الوطني. وهذا انتقال يقدر عليه الكاميرون أيضًا! الجمعيّات، ومنظمّات النّساء والشّباب، والنقابات، والمنظمّات الإنسانيّة، والقادة التقليديّون والدّينيّون: جميعهم يلعبون دورًا لا غنى عنه في نسج السّلام الاجتماعي. فهم الأوائل الذين يتدخلّون عند ظهور التوترات، وهم الذين يرافقون المهجرّين، ويسندون الضّحايا، ويفتحون مساحات للحوار ويشجّعون الوساطة المحليّة. قربهم من الأرض يسمح بفهم الأسباب العميقة للنزاعات والتوصل إلى حلول مناسبة. كما يساهم المجتمع المدني في تكوين الوعي، وتعزيز ثقافة الحوار واحترام الاختلافات. بهذه الطّريقة يُهيَّأ مستقبلٌ أقلّ عرضة للضبابية. أودّ أن أؤكّد بامتنان على دور النّساء. للأسف، هنّ غالبًا أولى ضحايا الأحكام السّابقة والعنف، مع ذلك يبقون صانعات سلام لا يتعَبْنَ. إنّ التزامهن في التّعليم، والوساطة، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي لا يضاهَى، وهنَّ رادع ضدّ الفساد وإساءة استخدام السُّلطة. لهذا يجب أن تُسمَعَ أصواتهن بصورة كاملة في عمليّات اتّخاذ القرار.
أمام هذا التّفاني السّخي داخل المجتمع، فإنّ الشفافيّة في إدارة الموارد العامّة واحترام دولة القانون ضروريان لاستعادة الثّقة. حان الوقت لفحصِ ضميرٍ وقفزة شجاعة نحو الجودة. فتصبح المؤسّسات العادلة والموثوقة أعمدة للاستقرار. ويُطلب من السُّلطة العامّة أن تكون جسرًا، لا سببًا للانقسام، حتّى في أماكن يبدو فيها الأمن غائبًا. الأمن أولويّة، لكنّه يجب أن يُمارس دائمًا مع احترام حقوق الإنسان، جامعًا بين الشّدّة والحِلم، مع اهتمام خاص للأكثر ضعفًا. يولد السّلام الحقيقي عندما يشعر كلّ فرد بأنّه محمي، وصوته مسموع وله احترامه، وعندما يكون القانون حاجزًا آمنًا ضدّ تعسف الأقوى والأغنى.
أيّها الإخوة والأخوات، المناصب العليا التي تتقلّدونها تتطلّب شهادة مزدوجة. الشّهادة الأولى تتحقّق بالتعاون بين مختلف الأجهزة والمستويات الإداريّة للدّولة في خدمة الشّعب، وبالأخص الفقراء. أمّا الشّهادة الثّانية فتتحقّق بربط مسؤولياتكم المؤسّسية والمهنيّة بسلوك حياة نزيهة. لإقامة السّلام والعدل، يجب كسر قيود الفساد التي تشوّه السّلطة وتفرغها من المصداقيّة. يجب تحرير القلب من الجشع في طلب الرّبح الذي هو عبادة أصنام: الرّبح الحقيقي هو التنمية البشريّة المتكاملة، أي النّمو المتوازن لكلّ الأوجه التي تجعل الحياة على هذه الأرض نعمة.
يمتلك الكاميرون الموارد البشريّة والثّقافيّة والرّوحيّة اللازمة لتجاوز المحن والنّزاعات والتّقدّم نحو مستقبل من الاستقرار والازدهار المشترك. يجب أن يحوِّلَ الالتزامُ المشترك، بالحوار والعدالة والتنمية الشّاملة، جراحَ الماضي إلى ينابيع للتجديد. كما ذكرت، يمثّل الشّباب أمل البلاد والكنيسة. إنّ طاقتهم وإبداعهم ثروة لا تقدّر بثمن. بالطّبع، عندما تستمرّ البطالة والإقصاء، يمكن للإحباط أن يولِّد العنف. الاستثمار في التّعليم والتّنشئة وريادة الأعمال للشّباب هو اختيار استراتيجيّ للسّلام. إنّه السّبيل الوحيد لاحتواء نزيف الدّم لمواهب رائعة تهاجر نحو مناطق أخرى من العالم، وللمواجهة مع آفات المخدرات والدّعارة واللامبالاة التي تدمّر حياة الشّباب بشكل مأساوي متزايد.
الحمد لله، الشّباب الكاميروني يتمتّع بروحانيّة عميقة، ما زالت تقاوم تأثير السّوق. إنّها طاقة تجعل أحلامهم ثمينة، متجذّرة في النّبوءات التي تغذّي صلاتهم وقلوبهم. تلهم التّقاليد الدّينيّة، عندما لا يتمّ تحريفها بسموم الأصوليّة، أنبياء للسّلام والعدل والمغفرة والتّضامن. من خلال تشجيع الحوار بين الأديان وإشراك القادة الدّينيّين في الوساطة والمصالحة، يمكن للسياسة والدّبلوماسيّة الاستفادة من القوى الأخلاقيّة لتهدئة التوترات، ومنع التّطرّف، وتعزيز ثقافة التّقدير والاحترام المتبادل. تودّ الكنيسة الكاثوليكيّة في الكاميرون، وبواسطة مؤسّساتها التّعليميّة والصّحّيّة والخيريّة، الاستمرار في خدمة جميع المواطنين بلا تمييز. ترغب في التّعاون بأمانة مع السُّلطات المدنيّة وكلّ القوى الحيّة في الأمّة لتعزيز الكرامة الإنسانيّة والمصالحة. وحيثما أمكن، تنوي تسهيل التّعاون مع دول أخرى وتعزيز الرّوابط بين الكاميرونيين في العالم ومجتمعاتهم الأصليّة.
ليبارك الله الكاميرون، وليسند قادته، ويلهم المجتمع المدني، وليرشد عمل البعثة الدّبلوماسيّة، ويمنح كلّ الشّعب الكاميروني، مسيحيّين وغير مسيحيّين، مسؤولين سياسيّين ومواطنين، القدرة على استقبال ملكوت الله، وبناء مستقبل من العدل والسّلام معًا.