موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأحد، ١٤ يونيو / حزيران ٢٠٢٦
البابا لاون في اليوم العالمي العاشر للفقراء: الرب معتصم الفقير
يحتفل به في الأحد الثالث والثلاثون من زمن السنة، الموافق 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2026

أبونا :

 

في رسالته بمناسبة اليوم العالمي العاشر للفقراء، يؤكد البابا لاون الرابع عشر أن «الرّبّ مُعتَصم الفقير»، وأن هذه الحقيقة تشكّل معيارًا للحياة المسيحية وتكشف وجه الله في التاريخ. ويحذّر من تنامي الظلم الاجتماعي وثقافة الإقصاء والهيمنة التي تجعل الفقراء أول المتأثرين، حيث يُهمَّش الإنسان وتُسلب كرامته ويُدفَع إلى الهامش في عالم يسوده منطق السيطرة بدل الأخوّة.

 

ويشدّد البابا على أن الفقير يجد في الله ملجأه الحقيقي، إذ يصغي الرب إلى صراخه ويمنحه الرجاء والكرامة، مشيرًا إلى أن يسوع المسيح هو تحقيق هذا الملجأ الإلهي، لأنه اقترب من الجميع وصار قريبًا من المتألمين. ويخلص إلى أن الكنيسة مدعوة لأن تكون فقيرة مع الفقراء وملجأً لهم، وأن تتحول محبتها إلى التزام بالعدل والمشاركة، حيث يصبح كل إنسان عزيزًا وحاملًا لكلمة الله ورجاء العالم.

 

 

وفيما يلي النص الكامل للرسالة:

 

 

1. "الرّبّ مُعتَصم الفقير" (راجع المزمور 14، 6). كلام صاحب المزامير يرسم المسار الذي نحن مدعوّون إلى أن نسير فيه استعدادًا لليوم العالميّ العاشر للفقراء. من الضّروريّ مرّة أخرى أن نعود إلى كلمة الله لكي نتحقّق من الأهمّيّة التي يحتلّها الفقراء في حياة الكنيسة. فعبارة المزمور هي المعيار للحكم على الحياة المسيحيّة، لأنّها تكشف وجه الله وتعترف بفقر الإنسان. في الواقع، في لحظة تاريخيّة مأساويّة، التي كانت لحظة تدمير هيكل أورشليم، شعر الشّعب بأنّه حُرِم من حضور الله، واختبر بؤسًا مادّيًّا وأخلاقيًّا لم يسبق له مثيل.

 

كلمة الله تظهر في كلّ جيل بكلّ واقعيّتها في اللحظة الرّاهنة. منذ البداية تكشف عن التّناقض الذي نقع فيه مرارًا حتّى في أيّامنا هذه. في الواقع، أوّل ما يلفت الانتباه هو هذا القول: "قالَ الجاهِلُ في قَلبِه: «لَيسَ إِله». فَسَدَت أَعْمالُهم وقَبُحت، ولَيسَ مَن يَصنَعُ الصَّالِحات" (المزمور 14، 1). هذه العبارة تُظهر التّباين بين الذين يتصرّفون بحكمة والذين يسيرون في حياتهم وكأنّه لا يوجد فوقهم شيء. للأسف، يمكننا أن نلاحظ كيف أنّ الظّلم الاجتماعيّ النّاجم عن فساد زائد، مستهجَن ومفرِّقٍ بين النّاس، لا يزال منتشرًا حتّى في أيّامنا هذه. لم يعد فقدان معنى التّسامي فوق ما هو أرضيّ في الحياة اليوميّة إنكارًا نظريًّا لوجود الله فقط، بل يظهر في إهمال صلاحه ورحمته في بناء العدل الشّخصيّ والاجتماعيّ.

 

أوّل من يتأثّر من تَبِعات ذلك هم الفقراء، وليس من قبيل الصّدفة أنّ أعدادهم تزداد في كثير من المجتمعات. غياب الله لا يجعل النّاس يقفون جنبًا إلى جنب في احترام متبادل، بل يجعل أحدهم فوق الآخر في منطق السّيطرة والتسلّط. وهكذا تَظهر عقليّة مُدَنِّسّة قائمة على الهيمنة والإقصاء، تُهمِّش الإنسان وتُذلُّه. في هذه الظّروف لا نجد فقط أفرادًا، بل شعوبًا بأكملها. لا يزال كلام المزمور يتردّد صداه مليئًا بالحقيقة: "يَأكُلونَ شَعْبي، كما يُؤكَلُ الخُبزُ" (المزمور 14، 4).

 

2. صراخ الفقراء طلبًا للعدل تُطفئه اليوم تقنيّات متعدّدة، تزداد مكرًا، لدرجة أنّها تجعل كلّ محاولة منهم لإيصال مطالبهم بلا صوت. البيئة الرّقميّة تشدّد الأحكام المسبقة ضدّهم وتزيد من جدار اللامبالاة الذي يُحيط بقضاياهم. ولا يبقى للفقير سوى أن يصرخ إلى الله (راجع المزمور 34، 7) ويرفع إليه شكواه، وهو واثق بأنّه سيُصغي إليه، لأنّ الله أمين وغنيّ بالرّحمة. المضطهدون والمُهانون والذين لا حامي لهم يزداد يقينهم اليوم أيضًا بأنّه يجب عليهم أن يتّكلوا على الله، وأن يمتلئوا بالثّقة والانتظار. في هذا الاتّكال الكامل، يَزدهر من جديد إحساسهم بكرامتهم، ويعترفون بعضهم ببعض إخوة وأخوات ينظّمون أحلامهم، ويسير الرّجاء بصمت ويصير واقعًا. أن نلتجأ إلى الله يعني أن نجد الحماية الحقيقيّة والآمنة، تلك التي لا يستطيع الأقوياء أن يضمنوها لنا ويفضّلون إنكارها.

 

غير أنّ الفقير يعرف كيف يميّز ما هو أساسيّ، أكثر مِن غيره، لأنّه يعيش مِن ما هو أساسيّ. وهو أشبه من أيّ شخص آخر بالمسيح، ويُدرك أنّ الله ملجأه ومُعتَصَمُه حتّى عندما تبدو الظّروف مناقضة له، وهو مُفعم بالرّجاء بناء على عدل الله الذي يظهر ولا يتأخّر. في لَيل التخلّي والعزلة ”يسكن الفقير كنف العليّ“ (راجع المزمور 91، 1). المتألّمون، والذين يتعرّضون للظلم والإهانة، والذين يعيشون المعاناة والألم، والذين هم وحيدون ومحرومون من معنى الحياة، يستطيعون أن يجدوا في الله تعزية ودافعًا جديدًا.

 

3. القول إنّ الله ملجأٌ ومعتصمٌ لنا ليس مجرّد وعد، بل هو حقيقة في شخص يسوع المسيح. فالله يسكن بيننا بتجسّد الابن، الذي يجعل الملجأ الذي نرجوه ملموسًا ومرئيًّا. يسوع المسيح هو حقًّا ملجأ الله للفقراء. وبطاعته للآب ينحدر إلى أدنى المواضع حيث يوجد الأخيرون. إنّه يأتي إلى لقاء الجميع ويقدّم لكلّ واحد ملجأً أمينًا: "تَعالَوا إِلَيَّ جَميعًا أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم" (متّى 11، 28). في يسوع، الله لا يحمي فقط، بل يشارك فقر البشر حتّى الصّليب.

 

الفقراء في أيّامنا هذه هم المنسيّون والمهمَّشون، الذين سُلبوا كلمتهم ووجههم وخبزهم أيضًا. هؤلاء الفقراء يمكنهم أن يلتقوا بابن الله الذي يقترب من الجميع من دون أن يُهمِل أحدًا. هم يلتقون به أوّلًا في الذين يسمّون أنفسهم مسيحيّين. ففي الكنيسة، التي هي جسده، يسوع يقدّم الخبز والصّداقة، ويَحمل النّور وأفق الرّجاء، ويقول اسم كلّ إنسان ويعيد إلى الجميع كرامتهم. يسوع النّاصريّ هو عطيّة الله للفقراء. فيه تتحقّق كلّ الوعود. المحرومون من البيت، والعمل، والتّعليم، والطّعام، والصّحّة، تُفتح لهم طريقٌ جديدة: طريق المشاركة التي تعبِّر عن ملكوت الله (راجع متّى 5، 3). وهوس الذين يكدّسون الثّروات لأنفسهم فقط، يقابله إصرار الله الذي يفتح قلبه ويستقبل الجميع في محبّته، في شهادة أُناسٍ حقيقيّين.

 

4. لذلك نحن أيضًا مدعوّون في المسيح إلى أن نصير فقراء وملجأً ومعتصمًا للفقير. فلا يجوز للجماعة المسيحيّة أن تبقى غير مبالية أمام الكثيرين الذين يقفون اليوم على الأبواب ويظلّون غير مرئيّين للذين يغلقون على أنفسهم جدرانهم. الكنيسة، بحكم طبيعتها، مدعوّة إلى أن تكون فقيرة وملجأً ومعتصمًا للفقراء. لا ننسَ تعليق القدّيس أغسطينس على مثل الغنيّ ولِعازر المسكين: "لقد أخفى الله اسم الغنيّ وأخبرنا باسم الفقير. كان اسم الغنيّ يتردّد على كلّ لسان، لكنّ الله أخفاه، أمّا اسم الفقير فكان مجهولًا، لكنّ الله كشفه لنا. [...] فأيّهما تختار؟ أن تكون فقيرًا مثل لِعازر أم غنيًّا مثل الآخر؟ لا تنخدع! انظر إلى النّهاية وتأمّل في سوء الاختيار" (العظة 33 أ، 4).

 

وكما ذكرتُ في الإرشاد الرّسوليّ، ”لقد أَحبَبتُكَ“، "فقد أظهر اللهُ محبّة خاصّة للفقراء: إليهم أوّلًا وجّه كلمة الله، كلمة رجاء وتحرير. ولذلك، رغم حالة الفقر أو الضّعف، يجب ألّا يشعر أحد بعد بأنّه متروك. والكنيسة، إن أرادت أن تكون كنيسة المسيح، عليها أن تكون كنيسة التّطويبات، كنيسة تفسح المجال للصغار، وتسير فقيرةً مع الفقراء، ويجد الفقراء فيها مكانًا وموقعًا مميَّزًا" (رقم 21).

 

ومن هنا تظهر حتمًا بعض الأسئلة التي يجب أن نطرحها بصورة مُلِحَّة على عقولنا وقلوبنا في هذا اليوم العالميّ العاشر للفقراء. هل نحن علامة لإله هو ملجأ ومعتصم للفقراء؟ هل ندرك فقرنا ونفضّله على الغنى الظّالم؟ هل نصل إلى حيث يوجد الفقراء فنختبر تهميشهم؟ هل نصغي إلى أفكارهم ونتقاسم آمالهم؟ هل ننطق بأسمائهم بحنان إلهيّ؟ وهل تُحيِي محبّتنا فيهم رغبة العدل والتحرّر وتسندها؟ هذه الأسئلة وغيرها تفرض علينا فحصًا جادًّا للضمير، لندرك إلى أيّ مدى ما زلنا مدعوّين إلى أن نصير من أجل الفقراء ومن أجل تحريرهم. إذّاك، سنرى أنّ الفقراء أنفسهم يصيرون ملجأً ومعتصمًا للآخرين. فخبرة الفقر تجعل الإنسان أكثر حساسيّة تجاه تضامن متجدّد أمام التحدّيات.

 

في الواقع، محبّة المسيح تجعلنا شركاء في حياة المحبّة الإلهيّة. من هذا المنطلق، فإنّ المسيحيّين مدعوّون ليس فقط إلى أن يبحثوا عن ملجأٍ في الله، بل أيضًا إلى أن يصيروا فيه ملجأً للآخرين، من دون "أن يميِّزوا بين مَن يساعد ومن يحتاج إلى مساعدة، وبين من يبدو أنّه يعطي ومن يبدو أنّه يأخذ، وبين من يَظهر فقيرًا ومن يشعر بأنّه يقدِّم وقته أو كفاءاته أو مساعدته. فنحن كنيسة الرّبّ يسوع، كنيسة الفقراء، حيث الجميع عزيزون، والجميع فاعلون، وكلّ واحد يحمل كلمة فريدة من الله. وكلّ واحد هو عطيّة من أجل الآخرين" (عظة، 17 آب/أغسطس 2025).

 

5. الذّكرى الثّمانمائة لوفاة القدّيس فرنسيس الأسيزيّ تدفعنا إلى أن نتذكّر كيف أنّه تأثّر بشدّة بالمتسوّلين، عندما وصل حاجًّا إلى روما عند قبر الرّسول بطرس. ولكي يفهم آلامهم ويختبرها، خلع ثيابه واستبدلها بثياب أحدهم البالية، وجلس يستعطي وقضى يومًا كاملًا بين الفقراء بفرح روحيّ (راجع المصادر الفرنسيسكانيّة، 1405-1406). ونحن أيضًا نريد أن نشهد بأنّه لا يزال ممكنًا اليوم أن نختبر هذا الفرح نفسه عندما نضع أنفسنا مكان الفقراء ونصغي إليهم بدلًا من أن نكتفي بالكلام عليهم. فمن يجعل الله ملجأه ومعتصمه يكون حرًّا في اتّخاذ خيارات نبويّة تشهد على كيف يمكن أن نفكّر من جديد في كلّ شيء انطلاقًا من الأسفل، في التّواضع والأخوّة اللذين يرمّمان وحدهما عالمًا جريحًا بالتجبّر والاستقواء.

 

أنا على ثقة بأنّ هذا اليوم العالميّ العاشر للفقراء يمكن أن يكون محطّة مهمّة لنكتشف من جديد وجه إخوة وأخوات كثيرين يبحثون عن ملجأٍ في الله، ويريدون أن يشعروا بأنّهم في بيتهم داخل جماعاتنا الكنسيّة. لِنُحافِظْ على طاعة حيّة لكلمة الله التي تدعونا إلى توبة القلب. ولتَشْفَعْ لنا سيِّدتنا مريم العذراء، التي تأمّلت، في جسد ابنها المصلوب، محبّةَ الله التي ”أَشبَعَت الجِياعَ مِنَ الخَيرات، والأَغنِياء صَرَفَتهم فارِغين“ (راجع لوقا 1، 53).