موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الأربعاء، ٢٦ أغسطس / آب ٢٠٢٦
من توسكانا إلى الشرق: ذكرى الطوباوي توما بيلاتشي وابتهال من أجل السلام

بقلم: إميليانو أوسيبي :

 

من بين شخصيات الفرنسيسكانية الإرسالية في الشرق الأوسط، التي استطاعت أن تبني جسورًا للحوار بين الغرب والشرق المسيحي، تحتفظ سيرة الطوباوي توما بيلاتشي، المعروف أيضًا باسم توما الفلورنسي أو الطوباوي توما من سكارلينو، براهنيّة لافتة حتى اليوم.

 

ويتألق إرثه الروحي بصورة خاصة خلال شهر آب، عندما تحتفل رعية سكارلينو بذكراه. وفي زمن تطبعه جراح دولية عميقة، تتحول كل مناسبة احتفالية وروحية تنظمها جماعة سكارلينو تكريمًا للطوباوي، قبل كل شيء، إلى صلاة جماعية حارة من أجل السلام في الشرق الأوسط، تلك الأرض التي سار فيها توما وأحبها، وبذل في سبيل رسالته فيها الكثير من التضحيات.

 

 

من حياة مضطربة إلى الدعوة الفرنسيسكانية

 

وُلد توما في فلورنسا نحو نهاية القرن الرابع عشر، وعاش في شبابه حياة مضطربة طبعتها الخطيئة، قبل أن تغيّر نعمة الله مسار حياته. التحق بالرهبان الأصاغر (الفرنسيسكان) في فييزولي، وأمضى السنوات الأولى من رسالته في جنوب إيطاليا، قبل أن يُرسل عام 1419 إلى منطقة غروسيتو بتكليف من البابا مارتينوس الخامس.

 

وفي منطقة كانت تعاني انقسامات كنسية حادة، أُسندت إليه مهمة دقيقة تمثلت في إعادة جماعات «الإخوة الصغار» المنشقين، الذين كانوا قد استقروا في عدد من الأديرة في وسط إيطاليا، إلى وحدة الرهبنة. ومن خلال مثاله الصارم في الحياة، وصلاته المتواصلة، والمصداقية التي تحلّى بها في سلوكه، استطاع توما أن يقود كثيرين إلى المصالحة والعودة إلى نهج الإصلاح الفرنسيسكاني، ليصبح مرجعًا روحيًا في دير سكارلينو.

 

 

رسالة حملته إلى مصر وسورية وفلسطين وإثيوبيا

 

لكن غيرته الرسولية قادته إلى ما هو أبعد بكثير من الحدود الإيطالية. ففي سياق مجمع فلورنسا، أرسله الحبر الأعظم بصفة موفد بابوي إلى أراضي مصر وسورية وفلسطين وإثيوبيا، برفقة الطوباوي ألبرتو من سارتيانو. واستقبل السلطان المرسلين في مصر، وحصلا على الإذن بالعمل في المنطقة.

 

وعندما اضطر الطوباوي ألبرتو إلى الانسحاب بسبب مرض خطير، تولى توما قيادة البعثة.

 

وسرعان ما تحولت الرحلة إلى الشرق إلى سلسلة قاسية من المحن. فقد تم اعتراض السفينة التي كانت تقل المجموعة، وكُبّل الرهبان بالسلاسل وأُجبروا على العمل عبيدًا في التجديف. وعلى الرغم من الأسر والمعاناة، قدّم توما شهادة على صبر لا يتزعزع. وتمكن في نهاية المطاف من العودة إلى إيطاليا عام 1444، قبل أن يتوفى في رييتي عام 1447.

 

 

تطويبه وإرثه الروحي

 

وفي عام 1771، أقرّ البابا كليمنضوس الرابع عشر تكريم توما بيلاتشي بصفة طوباوي، ليبقى منذ ذلك الحين منارة روحية لمنطقة غروسيتو. واليوم، تعبّر العلاقة العميقة التي تربط سكان سكارلينو بحاميهم عن نفسها أيضًا في تطلعهم إلى رؤيته يُعلن قديسًا في الكنيسة.

 

وتتحول كل مناسبة لإحياء ذكرى الطوباوي إلى ابتهال من أجل السلام، إذ تلتف جماعة سكارلينو حوله وتصلي بإلحاح من أجل الوئام، ووضع حد للأعمال العدائية، وتحقيق المصالحة بين شعوب الشرق الأوسط.

 

كما أن استذكار الاضطهادات والمعاناة التي تعرض لها توما في تلك الأراضي يدفع مؤمني سكارلينو إلى أن يكونوا صوتًا لمن يعانون اليوم بسبب النزاعات، لتتحول ذكرى هذا الفرنسيسكاني إلى نداء متواصل للرجاء والسلام من أجل الشرق الأدنى بأسره.