موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
نهار الأربعاء الثاني من سبتمبر/أيلول الجاري، وفي مقابلته العامة الأسبوعية، صرَّح البابا لاون الرابع عشر بأن: "المؤمنين مدعُوُّون إلى ترك كل سلبية وكل لامبالاة تجاه الأحداث الجارية وحياة الآخرين، خاصةً في ظل التغيرات السريعة والعميقة التي نشهدها اليوم".
خليفةُ بطرس، وفي ساحة القديس التاريخية، كان يؤكد على أنه: "لا يمكننا أن نبقى متفرجين غير منخرطين، بل يجب أن نستمع بقلوبنا، ونسمح لأنفسنا بأن نواجه التحديات وننخرط فيها".
وفي كلمته أمام الحُجَّاج الناطقين باللغة الإنجليزية، قال البابا: "من مسؤولية الكنيسة الرعوية التفاعل مع العالم المعاصر، والمشاركة في أفراحه وأحزانه، والدفاع عن الفقراء والمهمشين".
والكنيسة عند أسقف روما يجب كذلك أن "تظل متنبهة لعلامات النصر"، وأن تواجه "قضايا مُلِحَّة، مثل التقدم التكنولوجي الذي لا يفيد إلا البعض، واستمرار الفقر على نطاق واسع".
صاحبُ عصا الرعايا يوقن بأنه في عصرنا الذي يتسم بالتغيير العميق والظلم الشديد، يبقى كل واحد منا مدعوًّا للقيام بدوره في الترحيب بأعمق أسئلة وتطلعات القلب البشري، والاستماع إليه، وإظهار محبة المسيح مخلصنا الرحيمة للجميع.
كان هذا اللقاء العام هو اليوم الذي دَشَّن فيه البابا لاون الرابع عشر سلسلة جديدة من التعليم المسيحي المخصص للدستور الرعوي Gaudium et Spes ("فرح وأمل")، والذي تمت الموافقة عليه ونشره خلال أعمال المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، وبالتحديد في 7 ديسمبر/كانون الأول 1965؛ إذ يسلط الضوء على الطبيعة الرعوية الأساسية للكنيسة، والنابعة من ولاء متجدد لسر المسيح الذي -من خلال تجسده- يختار أن يشاركنا حياتنا.
والشاهد أن حدثين مهمين يُظهران سعي دبلوماسية الكرسي الرسولي الدؤوب لجهة حياة إنسانية أفضل في السَّلْمِ والحرب، جرت بهما المقادير في الأشهر القليلة المنصرمة:
الأول: هو صدور وثيقة Magnifica humanitas أو "الإنسانية الرائعة"، والتي لاقت استحسانًا عالميًّا واسعًا بسبب تنبيهها للناس ورفعها للالتباس الخاص بمستقبل الذكاء الاصطناعي، والويلات التي يمكن أن يجرها على البشرية رغم مزاياه التي لا تُنْكَر، وهو ما تعرضنا له في مقال سابق.
الثاني: موصول بحالة الحرب الروسية-الأوكرانية، والتي تقترب في عبثيتها من العام الخامس، وتهدد -في حال اتساع نطاقها- بحرب كونية، وهو ما تناولته أجهزة استخبارات غربية باتت تجزم بأن الروس يستعدون لمهاجمة مناطق جديدة في البلطيق قبل خوض غمار حرب أكثر شراسة مع دول أوروبا.
وسط حالة الفوضى العالمية، تبدو دبلوماسية الفاتيكان صوتًا صارخًا في برية القرن الحادي والعشرين.
عبر التاريخ، مثَّلت دبلوماسية الكرسي الرسولي قوة ناعمة فريدة تعتمد على القيم الروحية والأخلاقية، بهدف تعزيز السلام العالمي وفَضِّ المنازعات. والمعروف أن دولة الفاتيكان تقيم علاقات رسمية مع أكثر من 184 دولة حول العالم، حيث يتم التمثيل الدبلوماسي عبر السفراء والبعثات البابوية.
والفاتيكان كذلك يحظى بصفة مراقب في منظمة الأمم المتحدة وعدة منظمات دولية أخرى، وتقوم دبلوماسيته على أسس ومبادئ من الحوار والتوافق، والمرجعية الأخلاقية، والنظر إلى الأديان كجسور لا كجدران. وكثيرًا ما تتدخل دبلوماسية الفاتيكان بصبر وهدوء في الملفات السياسية الشائكة، وأزمات اللجوء، والحرب الإقليمية كوسيط محايد.
تُدار هذه العلاقات عبر أمانة سر الدولة، وبالتحديد من قلب قسم العلاقات مع الدول.
في الرابع والعشرين من أغسطس/آب الماضي، مثَّلت زيارة رئيس الأساقفة بول ريتشارد غالاغر (ثاني أعلى دبلوماسي في الفاتيكان، وسكرتير العلاقات مع الدول والمنظمات الدولية، أي وزير الخارجية) إلى موسكو تحولًا جذريًّا في دبلوماسية الكرسي الرسولي فيما يتعلق بالوضع في أوكرانيا.
الزيارة جاءت في إطار النهج الدبلوماسي للكرسي الرسولي الذي لم يُغيِّره البابا لاون الرابع عشر؛ فهو يعزز السلام والحوار، ولا يقطع العلاقات الدبلوماسية أبَدًا، حتى في المواقف الصعبة. لكن يمكن القول بأن دبلوماسية الجالس سعيدًا على كرسي مار بطرس هذه الأيام دبلوماسية هادئة، ذات إستراتيجية مختلفة، وأكثر وَقْعًا وفاعلية.
اعتمد البابا فرنسيس بشكل كبير على انطباعاته وجاذبيته الشخصية. في المقابل، يتخذ البابا الحالي مسارًا مؤسسيًّا أكثر تقليدية، مع اهتمام دقيق بالتفاصيل، وقناعة راسخة بأن السلام لا يمكن تحقيقه بدون وضوح.
منذ خطابه الأول أمام السلك الدبلوماسي في 16 مايو/أيار 2025، أكد البابا لاون الرابع عشر على ضرورة أن تنطق الكنيسة بالحق، حتى وإن كان ذلك غير مفهوم للعالم.
العبارة التي تصدرت عناوين الأخبار خلال هذه الزيارة كانت تصريح رئيس الأساقفة غالاغر الحازم والجازم: "يجب أن تنتهي هذه الحرب". والمثير في خطابه أنه لم يكتَفِ بالقول إن الحرب يجب أن تنتهي، بل دعا إلى مفاوضات واضحة وشفافة.
يستلفت النظر في مشهد غالاغر في موسكو أنه تجرَّأ واستخدم لفظة "الحرب" في تحذيره الشديد اللهجة، مع العلم أنه معروف للقاصي والداني أنه يُعاقَب بالسجن من يصف عملياتها العسكرية الخاصة بأنها حرب.
ما الشأن المغاير الذي تقدمه دبلوماسية الكرسي الرسولي في ظل البابا الهادئ؟
الواقع أنه فيما دول القارة الأوروبية مدفوعة بدافع قسري نحو المزيد من العقوبات وقطع العلاقات مع روسيا، يدرك الكرسي الرسولي أن روسيا لاعب عالمي لا يمكن استبعاده من المناقشات، وهو يمد يده إلى موسكو التي تشعر بعزلة متزايدة.
هنا يمكننا وصف ما أنجزه رئيس الأساقفة غالاغر بأنه دبلوماسية الفاتيكان "الكلاسيكية". لكن ذلك ما كان ليتحقق لولا وضع البابا لاون الرابع عشر لنهج يختلف بعض الشيء عن نهج أسلافه، ولكنه مع ذلك يُتَرْجَم إلى مساقات ومسارات واضحة على الأرض.
هل التاريخ يعيد نفسه فيما خص الأحداث التي لعبت فيها دبلوماسية الكرسي الرسولي أدوارًا تاريخية على الصعيد العالمي؟
يبدو جليًّا أن زيارة غالاغر إلى موسكو تُذكِّرنا بمبادرات دبلوماسية سابقة للفاتيكان مثل "التحالف المقدس" الذي أطلقه البابا يوحنا بولس الثاني خلال إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريجان ما بين 1981-1989، للمساهمة في هزيمة الاتحاد السوفييتي في الحرب بين الطرفين، والذي تكلل بالنجاح وسقط من ورائه حلف وارسو بعد انهيار تاريخي لدول الكتلة الشيوعية.
فضلاً عن ذلك، تُذكِّرنا الرحلة بالمشاركة القريبة زمنيًّا التي لعب فيها البابا الراحل فرنسيس دورًا تاريخيًّا في استعادة العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوبا عام 2014.
والثابت أنه لطالما كان الكرسي الرسولي مُزَوِّدًا بارعًا لـ"الدبلوماسية الهادئة" على مدى قرون عديدة، لذا فإن الأمر ليس بالجديد، ومع ذلك تطفو على السطح ملامح حداثة دبلوماسية فاتيكانية.
عبر رحلة موسكو، يوجِّه البابا لاون الرابع عشر رسالة للعالم أجمع مفادها أن الكرسي الرسولي قادر على أن يكون قوة فاعلة ومحايدة، أخلاقية تدعو للسلام في عالم موبوء بالحرب.
من هذا المنطلق، يمكن القطع بأن الحبر الأعظم الحالي قد بدأ بالفعل في تحديد رسالته ورسالة الكرسي الرسولي وإرثه في البابوية المعاصرة، لا سيما أن رؤاه ومنطلقاته مُنْبَتَّةُ الصلة عن الدوافع البراغماتية، أو المصالح الاقتصادية ضيقة الأفق.
وكما أشار متحدث رسمي رفيع المستوى باسم الفاتيكان (ردًّا على مقابلة أجراها السفير الأمريكي برايان بيرش مع صحيفة نيويورك تايمز في يوليو/تموز 2026)، فإن أي تمجيد أو مبالغة لدور البابا كرئيس للدولة يُعَدُّ مضللاً على حساب رسالته الحقيقية كراعٍ عالمي.
لا تغيب دبلوماسية الراعي العالمي عن منطقة الشرق الأوسط المتألمة، هنا حيث أصبح الموت عادة، إن لم يكن قد أضحى عبادة.
دبلوماسية الكرسي الرسولي في الشرق الأوسط بدت واضحة جلية بشكل خاص خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وسواء تعلق الأمر بالقضية الفلسطينية أو مأساة غزة الإنسانية وحل الدولتين، أو من خلال المتابعة المنظمة والمدققة من قبل الفاتيكان لما يجري بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران من مواجهة "أكثر من عبثية" لا طائل منها ولا منفعة وراءها، وقد اعتبر البابا لاون الرابع عشر أن الدبلوماسية هي الحل الوحيد للأزمة الإيرانية، وبما يتجاوز المواجهة الأمريكية إلى بقية دول الجوار التي تأذت من غير أدنى جريمة اقترفتها.
قبل أيام، وجَّه الرئيس الأوكراني زيلينسكي دعوة إلى البابا لاون الرابع عشر لزيارة كييف. ونظرًا لدور الفاتيكان كوسيط محايد، فإن هذه الزيارة ستستلزم -بحكم مبدأ المعاملة بالمثل- زيارة البابا إلى موسكو.
هنا يقول العارفون ببواطن الأمور من السياسيين والاستخباريين إن مثل تلك الجولة المكوكية لخليفة بطرس الصياد يمكن أن تفلح فيما أخفق فيه رؤساء الدول المتصارعة والمتشارعة على العديد من أنواع الكعك، من النووي، إلى المعادن النادرة، وصولاً إلى حروب الفضاء.
وبصيغة أخرى، يمكن أن توفر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين مخرجًا دبلوماسيًّا ذا ملمح وملمس روحاني وأخلاقي، وحلاً لحرب أضرمها بنفسه ويبدو اليوم عاجزًا عن إنهائها، ما لم يكن مخططًا للهروب إلى الأمام بإشعال المزيد من الساحات والجبهات.
مؤخرًا، كتب البروفيسور كينيث ديكليفا، الطبيب الدبلوماسي السابق في وزارة الخارجية الأمريكية وأستاذ الطب النفسي، يقول: "إنها لمفارقة جميلة؛ إذ يُلْهِم بابا أمريكي المولد، خليفة المسيح ومواطن عالمي، الآخرين على الأمل والسعي إلى السلام في أكثر الصراعات دموية وقسوة في العالم".
وللحديث بقية.