موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأحد، ١٣ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
كاترينا السيانية والبابا: قبل 650 عامًا بدأت رحلة العودة إلى روما

أبونا :

 

قبل 650 عامًا بالتمام، في 13 أيلول 1376، غادر البابا غريغوريوس الحادي عشر أفينيون، وبدأ الرحلة التي أعادت البابوية إلى روما. وكان من بين أبرز من شجّعوه على اتخاذ هذا القرار التاريخي شابة لم تكن تتمتع بأي منصب كنسي أو سلطة سياسية: القديسة كاترينا السيانية. واليوم، يعود تمثالها في روما إلى جذب الأنظار، إذ يلتقط السياح صورًا له من زاوية تبدو فيها القديسة وكأنها تقبّل قبة بازيليك القديس بطرس.

 

 

البابا يغادر أفينيون

 

في 13 أيلول 1376، انطلق البابا غريغوريوس الحادي عشر من أفينيون. وكان آخر بابا في الحقبة التي دخلت التاريخ باسم «بابوية أفينيون»، إذ أقام خلفاء القديس بطرس منذ مطلع القرن الرابع عشر بعيدًا عن روما، على ضفاف نهر الرون.

 

ولم يكن قرار العودة أمرًا محسومًا؛ فقد كانت إيطاليا غارقة في الصراعات، فيما عارض عدد من الكرادلة الفرنسيين وأفراد الحاشية البابوية مغادرة البابا لأفينيون. كما تردد غريغوريوس الحادي عشر نفسه طويلًا قبل اتخاذ القرار.

 

وفي تلك اللحظة تحديدًا، برز الدور الاستثنائي لـكاترينا بنينكاسا، وهي من الرهبنة الدومينيكانية الثالثة من سيينا، ومتصوفة لم تكن تحمل أي منصب كنسي ولم تكن تملك أدوات ضغط سياسية.

 

 

المرأة التي قالت للبابا: عُد

 

كتبت كاترينا إلى غريغوريوس الحادي عشر بصراحة استثنائية، وحثته على التغلب على الخوف والعودة إلى روما. لكنها لم تكتفِ بالرسائل؛ ففي حزيران 1376 وصلت إلى أفينيون والتقت البابا شخصيًا. وكانت تلح عليه قائلة: «تعالوا، تعالوا، تعالوا»، داعية إياه إلى العودة. ولم تكن المسألة بالنسبة إلى كاترينا حسابًا سياسيًا، بل كانت تربط عودة خليفة القديس بطرس إلى روما بضرورة تجديد الكنيسة واستعادة السلام.

 

وبعد قرون، استعاد عدد من البابوات تصميم كاترينا ودورها في هذا الحدث. فقد أشار البابا بولس السادس إلى دورها في مساعدة غريغوريوس الحادي عشر على تجاوز تردده ومقاومة المحيطين به، فيما أكد البابا بندكتس السادس عشر أنها حثت البابا على العودة إلى روما «بحزم وفاعلية».

 

وفي 13 أيلول، غادر غريغوريوس الحادي عشر أفينيون، ليصل إلى روما بعد عدة أشهر، في 17 كانون الثاني 1377.

 

 

المسيح العذب على الأرض

 

كانت كاترينا تطلق على البابا لقب «المسيح العذب على الأرض»، لكنها في الوقت نفسه كانت قادرة على مخاطبته بحزم، مطالبة إياه بالشجاعة واتخاذ القرار. ولم تكن محبتها للبابوية تعني الصمت أمام مشكلات الكنيسة؛ بل على العكس، كانت تدعو إلى إصلاح الكنيسة وتجددها وتوبتها.

 

ولم تنتهِ قصة الشابة القادمة من سيينا، والتي خاطبت الحكام والبابوات، مع عودة غريغوريوس الحادي عشر إلى روما. فقد أعلنتها الكنيسة لاحقًا قديسة، وشفيعة لروما وأوروبا، ومعلمة للكنيسة.

 

 

القديسة التي «تقبّل» القبة

 

بعد 650 عامًا، لا تزال كاترينا، بطريقة خاصة، تنظر نحو الفاتيكان. فتمثالها قائم بالقرب من قلعة الملاك، على مقربة من شارع المصالحة المؤدي إلى بازيليك القديس بطرس. وفي الآونة الأخيرة، أصبحت الصور الملتقطة للتمثال من زاوية محددة شائعة بين الزوار؛ إذ يظهر جسد القديسة المنحني في الصورة وكأن كاترينا تقبّل قبة بازيليك القديس بطرس.

 

قد تكون مجرد مصادفة فوتوغرافية، لكنها تحمل في الوقت نفسه رمزية لافتة للغاية: فالمرأة التي حثّت، قبل 650 عامًا، خليفة القديس بطرس على أن يعود إلى مكانه في روما، تبدو اليوم في صور الحجاج والسياح وكأنها تطبع قبلة على قبة الفاتيكان.

 

في 13 أيلول 1376 غادر البابا أفينيون. لكن وراء قراره لم تقف السياسة الكبرى والدبلوماسية الكنسية وحدهما؛ فقد كان هناك أيضًا صوت امرأة من سيينا امتلكت الجرأة لتقول لخليفة القديس بطرس: عُد إلى روما.