موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الجمعة، ٩ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦
لاهوت النعمة: حضور الله والخبرة الإنسانية
الأب ريمون جرجس الفرنسيسكاني

الأب ريمون جرجس الفرنسيسكاني

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

ربما سمعتم أحدهم يقول إنه قد «مُسَّ بالنعمة»، أو ربما رددتم في القداس ترنيمة «الشكر للرب» من غير أن تدركوا تمامًا معناها. فالنعمة، هذه الكلمة التي نستخدمها كثيرًا بلا تفكير، تختزن في الواقع أحد أعمق وأجمل المفاهيم في الإيمان المسيحي، إذ تمثّل القلب النابض لعلاقتنا بالله والضمانة التي تؤكد لنا أننا لسنا وحدنا في مسيرتنا الروحية. والحديث عن النعمة لا يعني الدخول إلى عالم خفي أو إلى معبد تُعبَد فيه قوة خاصة تُسمّى النعمة، بل إن النعمة حالة وجودية تشمل كل إنسان وتصبح جلية لمن ينظر بعيني الإيمان. ومع ذلك، فإن النعمة، رغم صدورها من خارج الإنسانأي من الله المتعاليتُحدث أثرًا داخليًا في قلب الإنسان، إذ إن الله بنعمته يمسّ القلب والنفس. وهكذا تبلغ عقيدة النعمة ذروتها في تعليم الاستحقاق الذي يبرز استقلالية الفعل البشري، وإن كانت هذه الاستقلالية محاطة بالكامل بعطية الوجود الإلهي؛ ففي هذا التعليم يظهر بوضوح أن الله يحرك الإنسان لا ليجرّده من حرّيته، بل ليرفع نشاطه الحرّ إلى أقصى درجات كماله.

 

وعند العودة إلى الجذور الكتابية، ندرك أن بعض الكلمات في النصوص المقدّسة أشبه بالكنوز التي تحمل معاني تتجاوز التعريفات المباشرة، ومن بينها كلمة «نعمة». ففي الكتاب المقدّس (χάριςkaris = gratia)بحسب استعمال تعني أولاً: التنازل والرضى الصادر عن شخص ذي مقام أعلى تجاه شخص أدنى، وبصورة خاصة تنازل الله تجاه الإنسان (gratia = benevolentia)(تكوين 30: 27؛ لوقا 1: 30)، وهو تصوير لله الذي ينحني نحو البشرية برفق رغم نقائصها؛ والثاني esed العطيّة المجانية الناتجة عن الرضىdonum gratis datum فالعطيّة في ذاتها هي العنصر المادي،  الذي يدل على المحبة الأمينة والرحمة الدائمة التي لا تتراجع حتى عندما لا تكون مستحقّة، وهي الأمانة الثابتة التي ذكّر بها أنبياء العهد القديم شعبهم باستمرار.

 

أما في العهد الجديد، فتكتسب الكلمة اليونانية χάρις  بُعدًا لاهوتيًا أعمق، إذ يجعلها القديس بولس محورًا لتفكيره، معتبرًا أن النعمة ليست مجرد موقف إلهي مفعم بالخير، بل هي أعظم عطايا الله: الخلاص نفسه. ويظهر ذلك بوضوح في قوله لأهل أفسس: «فَبِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِوَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ، هُوَ عَطِيَّةُ الله»، أي إن كل ما هو صالح في الإنسان وكل ما يقربه من الله هو عطية لا تُكتسب ولا تُشترى. وقد كانت هذه الرؤية ثورية في زمنها وما تزال كذلك اليوم، إذ تأتي فكرة المحبة غير المشروطة والخلاص المجاني لتقلب مفاهيم عالم يقوم على الجهد والإنجاز والحساب.

 

إن مفهوم النعمة، كما يقدّمه العهد الجديد، لا يقتصر على كونه عطية إلهية تُمنح للإنسان، بل يشكّل أيضًا الأساس الذي يقوم عليه كل اختبار روحي أصيل. فالنعمة، بحسب الرؤية القديس بولس الرسول، ليست حدثًا عابرًا أو شعورًا مؤقتًا، بل هي حالة وجودية يدخل فيها الإنسان عندما ينفتح على عمل الله في حياته. ومن هذا المنطلق، تصبح النعمة قوّة تحوّل، لا مجرد هبة تُستقبل بشكل سلبي، إذ تعمل في الإنسان لتجدّد نظرته إلى ذاته وإلى العالم وإلى الله. ولهذا يؤكد بولس أن النعمة «تفيض» و«تعمل» و«تُظهر» و«تُعلّم»، فهي دينامية مستمرة لا تتوقف عند لحظة الخلاص الأولى، بل ترافق المؤمن في مسيرته كلها. وفي ضوء هذا الفهم، يتبيّن أن النعمة ليست مجرد فكرة لاهوتية، بل هي خبرة حيّة تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بالله على أساس العطاء المجاني والمحبة غير المشروطة. وفي عالم يربط القيمة بالإنجاز، ويقيس النجاح بالقدرة على المنافسة، تأتي النعمة لتقدّم منطقًا آخر يقوم على قبول الإنسان كما هو، وعلى محبة لا تُشترى ولا تُستحق، بل تُمنح لأن الله يريد أن يمنحها. وهكذا تصبح النعمة دعوة إلى التحرّر من ثقل الاستحقاق وإلى الدخول في علاقة مبنية على الثقة، علاقة تجعل الإنسان قادرًا على أن يرى ذاته بعيني الله، لا بعيني معايير العالم. وإذا تأملنا في هذا البعد، ندرك أن النعمة ليست فقط محور الإيمان المسيحي، بل هي أيضًا المفتاح لفهم سرّ العلاقة بين الله والإنسان، تلك العلاقة التي لا تُبنى على الخوف أو الواجب، بل على المحبة التي تسبق كل شيء وتحتضن كل شيء.

 

النعمة كحضور فعّال لله ليست مجرد فكرة مجردة أو مفهوم لاهوتي مخصّص للمتخصصين، بل هي قوّة حقيقية وطاقة إلهية تعمل بفاعلية في حياتنا اليومية. وقد أوضح القديس أوغسطينوس، الذي تأمل بعمق في هذا الموضوع، أن النعمة هي حضور الله في داخل الإنسان، يعمل فيه ليحوّله من الداخل، ويمكن تشبيهها بفنان خزف يشكّل الطين برفق؛ فالنعمة هي الله الحرفي الذي يصوغنا بصبر ومحبة. وبعد قرون، أكّد توما الأكويني أن النعمة هي «مشاركة في الحياة الإلهية»، أي إن من ينال النعمة يدخل في صميم حياة الله نفسها، وهو أمر مدهش حقًا. أما عبارة «ممسوس بالنعمة» فهي تستحضر غالبًا لحظات استثنائية يشعر فيها الإنسان بأن الله قد تدخّل في حياته، كما حدث مع بولس الرسول في طريقه إلى دمشق حين أشرق عليه نور من السماء، غير أن الواقع غالبًا ما يكون أكثر بساطة وعمقًا في آن واحد؛ فقد تكون هذه اللمسة الإلهية في كلمة من الإنجيل تخترق القلب فجأة، أو في قوة غير متوقعة تمنح الإنسان سلامًا داخليًا وسط محنة قاسية، أو في مسار بطيء من التحوّل الروحي يجعل الإيمان يستعيد مكانته تدريجيًا في حياة المرء. ويميّز اللاهوتيون تقليديًا بين نوعين من النعمة يساعدان على فهم كيفية عمل الله: النعمة المُقدِّسة، وهي النعمة الدائمة التي تجعل الإنسان هيكلًا للروح القدس، وتدخل حياته عبر المعمودية وتتجدّد في الأسرار، ولا سيما الإفخارستيا وسرّ المصالحة، وهي أشبه بجذور الشجرة: خفية ولكنها أساسية، إذ تمنح الإنسان هويته كابن لله، وتكون فاعلة فيه ما دام في «حالة نعمة»؛ والنعمة الفعلية، وهي تدخلات الله العابرة في الحياة اليومية، تلك الإلهامات والقوى التي تأتي في اللحظة المناسبة، كأن يجد الإنسان القدرة على الغفران فجأة، أو أن يضيء حدث أو لقاء طريقه في لحظة حيرة، وهي تشبه ثمار الشجرة: ظاهرة، ملموسة، ومتعددة.

 

نعمة الله تتجلّى في تلك اللحظات التي ننجز فيها ما يفوق قدرتنا، حين نجد أنفسنا نتقدّم بخطوات لم نكن نظن أننا قادرون عليها، وكأن قوة خفية تسندنا وتفتح لنا الأبواب المغلقة. فمهما بذل الإنسان من جهد وتخطيط، يبقى هناك جانب لا يفسّره العقل ولا يشرحه المنطق، جانب يشير إلى عناية إلهية ترافقه وتمنحه القدرة حين يضعف، والأمل حين ييأس، والطريق حين يضيع. كم من مرة شعر الإنسان بالعجز ثم وجد أن الله يهيئ له أسباب النجاح، وكم من مرة ضاقت به السبل ثم انفرجت بباب لم يكن في الحسبان. إن إدراك هذه النعم يجعل القلب أكثر تواضعًا وشكرًا، ويمنح الإنسان يقينًا بأن ما يتحقق في حياته ليس بقوته وحدها، بل بتوفيق الله الذي يمده بالعون في الوقت الذي يحتاجه، ليعلّمه أن الرحمة الإلهية أوسع من حدود قدرته، وأن القوة الحقيقية تأتي من السماء قبل أن تأتي من أي جهد بشري.

 

من خلال خبرة النعمة نصبح منفتحين على الإصغاء إلى الله. إنّه «هأنذا» مريم، التي دُعيت «الممتلئة نعمة»، إذ «وجدت نعمة لدى الله»، لأنّها عاشت خبرة داخلية، صوفية، لقاءً مع الرب. إنّها صوفية الاتحاد العميق بالله: «المسيح يحيا فيّ»، لأنّ الكائن الجديد الذي صرتُه يجعلني أحيا فيه... وليس من قبيل المصادفة أنّ «الأزمنة القوية» في السنة الليتورجية، كزمن المجيء أو زمن الصوم، تُعدّ «زمن نعمة»، أي اللحظة المناسبة التي يمكن لكلّ واحد منّا أن يعيش فيها هذه الخبرة الداخلية الصوفية، حيث يجد ملاذه وقبوله لدى الله. في الواقع، النعمة تعمل دائماً، حتى في الزمن العادي؛ وما يتغيّر هو شدّة إدراكنا لها، قوةً أو ضعفاً.

 

فلنتأمل في الحدث الكتابي الخاص بدعوة صموئيل (1 صم 3: 10): فالشاب صموئيل لم يتعرّف فوراً إلى صوت الله، لكنه وضع نفسه بتواضع وبلا شرط في موقف الإصغاء: «تكلّم يا رب، فإن عبدك يسمع» ... وهنا أيضاً، خبرة النعمة هي قلبٌ لموازين منطقنا الإيماني، الذي كثيراً ما يدفعنا إلى القول: «أصغِ يا رب، فإن عبدك يكلّمك».

 

إنّ خبرة النعمة هي إذن خبرة صوفية، تقوم على الانقياد الواثق والمتواضع لكلمة لا تنبع منّا، بل تتردّد في داخلنا كدعوة، كدعوة إلى لقاء. وهي تلك «السكينة الطيّعة للإصغاء الحر» التي يصف بها الفيلسوف مارتن هايدغر الخبرة الشعرية، والتي تحيل بوضوح إلى خبرة دينية، أي إلى خبرة الإلهام، خبرة استقبال الروح.

 

وإذا تأملنا في مريم، نجد أنّه الروح القدس الذي حلّ عليها، هو الذي جعل خبرة النعمة الصوفية ممكنة. فالنعمة لا يمكن أن تتجلّى إلا في حضور الإلهام، أي في نور داخلي يمكّن الإنسان من رؤية الواقع بعيون جديدة، ومن إدراك أنّ «لا شيء مستحيل لدى الله». وفي الوقت نفسه، يُعدّ الإلهام، بحسب تعبير الفيلسوف الشهير في القرن التاسع عشر فريدريش شلايرماخر، «الاسم الديني للحرية»، أي الموقف الذي يقوم على استقبالٍ حرّ، في أعماق الضمير، لصوتٍ ونداءٍ يُختبران كـ «آخر»، متجاوز، ومع ذلك حاضر منذ الأزل في عمق القلب. ومن هذا القبيل كانت خبرة مريم العذراء الصوفية، التي استطاعت، رغم دهشتها، أن تنطق قائلة: «هأنذا، أنا أمة الرب...»غير أنّ «هأنذا» لا يبلغ تمامه إلا من خلال الدعوة الذاتية إلى أن يتحقق، أي أن يصير حدثاً، ما بشّر به الملاك. فبعد أن نُطق بعبارة «ليكن لي بحسب قولك» بارتجاف وخشية، أمكن للملاك أن يغادر مريم؛ عندئذٍ تصبح الخبرة الصوفية للنعمة وللإلهام تاريخاً، خبرةً يوميةً معاشة. إنّ الاستعداد يتيح لمريم، وكذلك لنا، ألّا تُعاش هذه الصوفية كهروب، بل كجزء من التاريخ الملموس، كواقع يتجسّد في حياتها وفي حياتنا. والتأمل في هذا اللقاء العجيب بين نعمة الله وحرية الإصغاء المتاح، الذي يصير حدثاً في الحياة، يُدخلنا في سرّ عظيم: سرّ يوم الرب، أي الأحد، ومن ثمّ سرّ الإفخارستيا، التي هي إعلان وسرّ التجسد.

 

وهكذا يمضي الإنسان في حياته مدفوعًا بهذا العون الإلهي الذي لا يُرى بالعين لكنه يُلمَس في النتائج، فيشعر أن ما يتحقق أمامه ليس مجرد ثمرة جهد شخصي، بل هو مزيج من السعي البشري واللطف الرباني الذي يهيئ الظروف ويجمع الأسباب ويضع في الطريق ما يعجز العقل عن ترتيبه. وكلما ازداد وعي الإنسان بهذه الحقيقة، ازداد يقينًا بأن الله لا يترك عبده، وأن ما يبدو مستحيلًا اليوم قد يصبح واقعًا غدًا بفضل نفحة من رحمته. إن استحضار هذه النعمة يمنح القلب طمأنينة عميقة، ويجعل الإنسان أكثر ثقة في خطواته، لأنه يعلم أن القوة التي تسنده ليست محدودة بقدراته، بل ممتدة بقدرة الله الذي يقول للشيء كن فيكون. ومن يدرك هذا المعنى يعيش حياته مطمئنًا، مجتهدًا، شاكرًا، متيقنًا أن كل خير يصله هو من فضل الله، وأن كل نجاح يبلغه هو شاهد جديد على نعمة تتجلى في إنجاز ما يفوق طاقته.

 

ومع مرور الأيام يزداد الإنسان إدراكًا أن ما يتحقق في حياته من توفيق ليس مجرد صدفة، بل هو امتداد لرحمة إلهية تحيط به في كل خطوة، وتمنحه القدرة على مواجهة ما كان يظنه فوق طاقته. فحين تتعثر الخطوات، يأتي العون من حيث لا يحتسب، وحين تضيق السبل، يفتح الله له طريقًا لم يخطر بباله، ليعلّمه أن حدود البشر ليست نهاية الإمكان، وأن القدرة الإلهية قادرة على تحويل الضعف إلى قوة واليأس إلى بداية جديدة. وكلما استشعر الإنسان هذا اللطف الخفي، ازداد قربًا من الله، وامتلأ قلبه يقينًا بأن ما كُتب له سيأتيه مهما بدا بعيدًا، وأن ما قدّره الله له لن يمنعه عنه أحد. وهكذا يعيش الإنسان مطمئنًا، يعمل ويسعى، وهو يعلم أن فوق جهده قوة تحفظه، وفوق خططه حكمة تدبّر له، وفوق ضعفه رحمة تسنده، فيمضي في حياته بثبات لا يتزعزع وثقة لا تنطفئ.

 

ومع كل تجربة يمر بها الإنسان يزداد يقينًا بأن العون الإلهي ليس حدثًا عابرًا، بل هو رفيق دائم يرافقه في تفاصيل حياته، يهيئ له ما يعجز عن توقعه، ويمنحه من القوة ما لم يكن يظن أنه يملكه. فحين تتزاحم المسؤوليات وتثقل الأعباء، يجد في داخله طاقة جديدة تنبعث فجأة، وكأن الله يرسل إليه مددًا خفيًا يعينه على الاستمرار. وحين يقف أمام قرار مصيري لا يعرف كيف يتخذه، يضع الله في قلبه نورًا يرشده، وفي عقله بصيرة تهديه، وفي طريقه علامة تطمئنه. وكلما ازداد الإنسان قربًا من الله، ازداد وعيه بأن هذه النعم ليست مجرد مساعدات وقتية، بل هي رسائل محبة ورحمة، تذكّره بأن الله أرحم به من نفسه، وأنه لا يتركه يتخبط في ظلمات الحياة دون أن يمد له يدًا تنقذه أو يفتح له بابًا يخرجه مما هو فيه. وهكذا يمضي الإنسان في رحلته مطمئنًا، يعلم أن فوق كل ضعف قوة، وفوق كل ضيق فرج، وأن الله قادر على أن يبدل الحال في لحظة، فيحوّل المستحيل إلى ممكن، والبعيد إلى قريب، والحلم إلى واقع.

 

وفي نهاية هذا التأمل ندرك أن نعمة الله ليست حدثًا عابرًا في حياتنا، بل هي حضور دائم يرافق خطواتنا ويمنحنا القدرة على تجاوز ما نظنه فوق طاقتنا، فنمضي في الطريق بثقة لا تهتز، مستندين إلى إيمان حيّ يذكّرنا بما قاله البابا فرنسيس: "الحياة رحلة، وعندما نتوقف عن السير، لا تسير الأمور على ما يرام." وهكذا نستمر في المسير، عالمين أن الله يفتح لنا الأبواب في الوقت المناسب، ويمنحنا القوة حين نضعف، ويحيطنا برحمته في كل لحظة، فنشكره على نعمه الظاهرة والخفية، ونعيش بإيمان يترجم إلى عمل، وبثقة تنبع من يقين راسخ بأن يد الله لا تفارق من يتوكل عليه.

 

وهكذا يبقى الإنسان، مهما تقدّم في العمر أو تبدّلت ظروفه، محتفظًا بذلك اليقين العميق بأن الله لا يترك قلبًا يتوكّل عليه، ولا يدًا تمتد نحوه إلا ويملأها قوة وسلامًا. وكلما نظر إلى ما أنجزه رغم ضعفه، أدرك أن العناية الإلهية كانت تعمل بصمت في الخلفية، ترتّب له ما لم يكن يتوقعه، وتمنحه من النور ما يكفي ليكمل الطريق. وفي هذا الإدراك تنمو في داخله روح الامتنان، ويصبح أكثر استعدادًا لأن يعيش الإيمان كما دعا البابا فرنسيس، إيمانًا يتحوّل إلى محبة، وإلى خدمة، وإلى ثقة بأن الله قادر أن يصنع من حياتنا شهادة حيّة على نعمته. وهكذا نختم رحلتنا بهذا الرجاء الذي لا يخيب، رجاء يذكّرنا بأن كل خطوة نخطوها بعون الله تحمل في داخلها بركة، وكل لحظة نعجز فيها هي فرصة ليتجلّى فيها قدرته، فنمضي مطمئنين بأننا لسنا وحدنا في هذا الطريق.