موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الحرب ليست حدثًا سياسيًّا فقط، بل جرحٌ روحيٌّ يطال الإنسان من الدّاخل. عندما تشتعل الصّراعات بين دول كبرى مثل أمريكا وإسرائيل وإيران، يشعر المؤمن بأنّ العالم يتداعى، وأنّ الشّرّ يعلو صوته. لكنّ الإيمان المسيحيّ لا يطلب منّا الهروب من الواقع، بل أن نعيش فيه بنور المسيح، وأن نكون شهودًا للرّجاء وسط الظّلام. فالمسيح نفسه قال: «قُلتُ لَكم هٰذهِ الأَشياء لِيَكونَ لَكُم بِيَ السَّلام. تُعانونَ الشِّدَّةَ في العالَم، ولٰكِن ثِقوا إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم» (يوحنّا 16/ 33). هذه الآية هي البوصلة الّتي توجّه حياتنا في كلّ زمن صعب.
فما دعوتنا ورسالتنا كمسيحيّين في هذا الوضع الصّعب؟
1. أن نحفظ قلبنا من الخوف والكراهية
الخوف يجرّ الإنسان إلى الانغلاق، والكراهية تجرّه إلى العمى. المسيح لم يقل إنّ سلام العالم سيكون سهلًا، بل قال: «السَّلامَ أَستَودِعُكُم وسَلامي أُعْطيكم. لا أُعْطي أَنا كما يُعْطي العالَم. فلا تَضْطَرِبْ قُلوبُكم ولا تَفْزَعْ» (يوحنّا 14/ 27). هذا السّلام ليس غياب الحرب، بل حضور الله في قلب الإنسان رغم الحرب.
وهنا يجب أن نميّز بين الخوف الطّبيعيّ، وهو غريزة البقاء الّتي زرعها الله فينا، والخوف المُشِلّ الّذي يقود إلى الكراهيّة والانغلاق. فالرّسول يوحنّا يؤكّد: «لا خَوفَ في المَحبَّة، بلِ المَحبَّةُ الكامِلةُ تَنْفي عَنها الخَوف» (1 يوحنّا 4/ 18). والمسيح يدعونا ألّا نخاف من البشر: «لا تَخافوا الَّذينَ يَقتُلونَ الجَسد، ولا يَستَطيعونَ قَتلَ النَّفْس» (متّى 10/ 28). أمّا الكراهية فهي سُمٌّ قاتل للرّوح، إذ يقول الرّسول يوحنّا بوضوح صادم: «كُلُّ مَن أَبغَضَ أَخاه فهو قاتِل» (1 يوحنّا 3/ 15).
لذلك علينا أن:
· نحفظ قلبنا من الانقسام الدّاخليّ.
· نرفض أن نسمح للغضب أن يحدّد مواقفنا.
· نميّز بين الألم المشروع والانجرار إلى روح الانتقام.
2. أن نكون صانعي سلام حيثما نحن
المسيحيّ لا يستطيع إيقاف حرب عالميّة، لكنّه يستطيع أن يوقف حربًا صغيرة داخل بيته، في مجتمعه، في كلماته، في ردوده، في أحكامه. المسيح قال: «طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام، فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون» (متّى 5/ 9). لم يقل "طوبى للمنتصرين" أو "طوبى للأقوياء"، بل للّذين يزرعون سلامًا في عالم ممزَّق.
والرّسول بولس يوضّح هذه الدّعوة بواقعيّة: «سالِموا جَميعَ النَّاسِ إِن أَمكَن، على قَدْرِ ما الأَمرُ بِيَدِكم» (رومة 12/ 18). لاحظ أنّه يقول "إن أمكن" و"على قدر ما الأمر بيدكم"، فهو يعترف بصعوبة الأمر، لكنّه يدعونا إلى السّعي الدّائم. ويؤكّد برسالته للعبرانيّين: «أُطلُبوا السَّلامَ معَ جَميعِ النَّاس» (عبرانيّين 12/ 14). والرّسول بطرس يقول: «يَطلُبَ السَّلامَ ويَتبَعَه» (1 بطرس 3/ 11).
والسّلام الخارجيّ مع الآخرين ينبع من السّلام الدّاخليّ مع الله ومع الذّات. فلا يمكن لمن قلبه ممتلئ بالصّراعات أن يكون صانع سلام حقيقيّ.
صنع السّلام يبدأ من:
· تهدئة الخطاب بدل إشعال النّار.
· الإصغاء بدل الاتّهام.
· الصّلاة بدل الشّماتة.
· مساندة المتألّمين بدل الانحياز الأعمى.
3. أن نكون شهودًا للرّجاء لا لليأس
الرّجاء المسيحيّ ليس تفاؤلًا ساذجًا، بل إيمان بأنّ الله يعمل حتّى عندما لا نراه. في زمن الحرب، النّاس يبحثون عمَّن يذكّرهم بأنّ الشّرّ ليس الكلمة الأخيرة. والرّسول بطرس يدعونا أن نكون مستعدّين دائمًا لتقديم هذه الشّهادة: «قدِّسوا الرَّبَّ المَسيحَ في قُلوبِكم. وكونوا دائِمًا مُستَعِدِّينَ لأَن تَرُدُّوا على مَن يَطلُبُ مِنكم دَليلَ ما أَنتم علَيه مِنَ الرَّجاء» (1 بطرس 3/ 15).
والرّجاء المسيحيّ يُولَد من الألم ذاته، كما يقول الرّسول بولس: «لا بل نَفتَخِرُ بِشَدائِدِنا نَفْسِها لِعِلمِنا أَنَّ الشِّدَّةَ تَلِدُ الثَّبات، والثَّباتَ يَلِدُ فَضيلةَ الاِختِبار، وفَضيلةَ الاِختِبار تَلِدُ الرَّجاء، والرَّجاءَ لا يُخَيِّبُ صاحِبَه» (رومة 5/ 3-5). والأساس الّذي يقوم عليه رجاؤنا هو قيامة المسيح من الموت. فإن كان الموت، وهو أقصى ما يمكن أن يصيب الإنسان، قد انهزم أمام المسيح، فلا شيء يمكن أن يسلبنا الرّجاء. يقول الرّسول بولس: «إِذا لم يَكُنِ المسيحُ قد قام، فإِيمانُكم باطِل» (1 قورنتس 15/ 17). لكنّه قام، ولذلك إيماننا ورجاؤنا ثابتان.
نعيش الرّجاء من خلال:
· الثّبات في الصّلاة.
· خدمة المحتاجين والمتألّمين.
· دعم المبادرات الإنسانيّة.
· التّمسّك بقيمة الإنسان مهما كان انتماؤه.
الرّجاء ليس فكرة، بل ممارسة يوميّة.
4. أن نميّز روح الله من روح العالم
روح العالم اليوم يصرخ: "اِنتقم، اِحقد، خَف، اِكره، خُذ موقفًا ضدّ الآخر". أمّا روح الله فيقول: "اغفر، أحِبّ، اثبُت، صَلِّ، كُن نورًا". التّمييز الرّوحيّ هو أهمّ ما يحتاجه المسيحيّ اليوم. ليس كلّ ما يُقال في الإعلام حقيقة، وليس كلّ ما يُشعل المشاعر هو من الله.
الرّسول يوحنّا يحذّرنا: «لا تُحِبُّوا العالَم وما في العالَم. مَن أَحَبَّ العالَم لم تَكُنْ مَحَبَّةُ الرَّبِّ فيه» (1 يوحنّا 2/ 15)، ويدعونا إلى التّمييز: «أَيُّها الأَحِبَّاء، لا تَركُنوا إِلى كُلِّ رُوح، بلِ اختَبِروا الأَرواحَ لِتَرَوا هل هي مِن عِندِ الله» (1 يوحنّا 4/ 1).
والرّسول بولس يعطينا معيارًا واضحًا للتّمييز حين يقول: «أَمَّا ثَمَرُ الرُّوح فهو المَحَبَّةُ والفَرَحُ والسَّلام والصَّبرُ واللُّطْفُ وكَرَمُ الأَخْلاق والإِيمانُ والوَداعةُ والعَفاف» (غلاطية 5/ 22-23). أمّا «أَعمالُ الجَسَد فإِنَّها ظاهِرَة... العَداوات والخِصامُ والحَسَدُ والسُّخْطُ والمُنازَعاتُ والشِّقاق» (غلاطية 5/ 19-20).
إذن، المعيار العمليّ للتّمييز هو: ما يُثمر سلامًا داخليًّا ومحبّة وانفتاحًا هو من روح الله، وما يُثمر قلقًا وانقسامًا وكراهيّة وانغلاقًا هو من روح العالم.
5. أن نصلّي من أجل الجميع من دون استثناء
الصّلاة ليست هروبًا، بل فعل مقاومة روحيّة ضدّ الشّرّ. والمسيح نفسه يأمرنا بأصعب أنواع الصّلاة: «أَحِبُّوا أَعداءَكم وصَلُّوا مِن أَجلِ مُضطَهِديكُم» (متّى 5/ 44).
والرّسول بولس يوسّع دائرة صلاتنا لتشمل الجميع: «فأَسأَلُ قَبلَ كُلَّ شَيءٍ أَن يُقامَ الدُّعاءُ والصَّلاةُ والِٱبتِهالُ والشُّكرُ مِن أَجْلِ جَميعِ النَّاس، ومِن أَجْلِ المُلوكِ وسائِرِ ذَوي السُّلْطَة، لِنَحْيا حَياةً سالِمةً مُطمَئِنَّةً بِكُلِّ تَقْوى ورَصانة» (1 طيموتاوس 2/ 1-2).
نصلّي من أجل:
· الأبرياء والمتألّمين.
· القادة والمسؤولين لينالوا حكمة.
· الجنود من كلّ الأطراف.
· العائلات الّتي فقدت أبناءها.
· السّلام العادل الّذي يحفظ كرامة الإنسان.
الصّلاة تُعيد ترتيب قلبنا، وتمنعنا من السّقوط في روح الكراهية.
6. أن نعيش الإنجيل لا أن نستخدمه
الإنجيل ليس سلاحًا نبرّر به مواقفنا، بل طريقًا نعيش عليه.
في زمن الحرب، يُمتحَن الإيمان الحقيقيّ: هل نحبّ فقط من يشبهنا؟ هل نصلّي فقط لمن يوافقنا؟ هل نرى صورة الله في كلّ إنسان، حتّى المختلف؟
المسيح أحبّ حتّى الّذين صلبوه، وصلّى من أجلهم: «يا أَبَتِ اغفِرْ لَهم، لأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون» (لوقا 23/ 34).
والمسيح يحذّرنا من الإيمان الشّكليّ: «لَيسَ مَن يقولُ لي: يا ربّ، يا رَبّ، يَدخُلُ مَلكوت السَّمَوات، بل مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ أَبي الَّذي في السَّمَوات» (متّى 7/ 21). والرّسول يعقوب يؤكّد: «كونوا مِمَّن يَعمَلونَ بِهٰذه الكَلِمَة، لا مِمَّن يَكتَفونَ بِسَماعِها فيَخدَعونَ أَنفُسَهم» (يعقوب 1/ 22). ويقول أيضًا: «الإِيمانُ بِلا أَعمالٍ مَيْت» (يعقوب 2/ 26).
هذه ليست مثاليّة بعيدة المنال، بل هي معيار المسيحيّة الحقيقيّة.
7. أن نحمل صليبنا في زمن الألم
لا يكتمل حديثنا عن الحياة المسيحيّة في زمن الحرب من دون الحديث عن الصّليب. فالمسيح لم يَعِدنا بحياة خالية من الألم، بل قال بوضوح: «مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِهِ ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني» (متّى 16/ 24).
الصّليب ليس عقوبة، بل طريق. وفي كلّ ألم نحمله بإيمان، نشترك في آلام المسيح، ونصير شركاء في فدائه للعالم. يقول الرّسول بولس: «يَسُرُّني الآنَ ما أُعاني لأَجلِكم فأُتِمُّ في جَسَدِي ما نَقَصَ مِن شَدائِدِ المسيح في سَبيلِ جَسَدِه الَّذي هو الكَنيسة» (قولسّي 1/ 24). وهذا لا يعني أن نبحث عن الألم، بل أن نقبله حين يأتي، ونحوّله بالإيمان إلى طريق قداسة وشهادة.
8. أن نتّكئ على الجماعة المؤمنة
في زمن الأزمات، لا يستطيع المؤمن أن يصمد وحده. الكنيسة، بوصفها جسد المسيح، هي السّند والملجأ. يقول الرّسول بولس: «اِفرَحوا مع الفَرِحين واِبْكوا مع الباكين» (رومة 12/ 15).
والإفخارستيّا هي ينبوع القوّة الّذي لا ينضب. ففي كلّ قدّاس، نتّحد بالمسيح المتألّم والقائم، ونستمدّ منه القوّة لمواجهة الحياة. قال المسيح: «مَن أَكَلَ جَسَدي وشَرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبَدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير» (يوحنّا 6/ 54).
لذلك، في زمن الحرب والألم، لا نبتعد عن الكنيسة، بل نقترب منها أكثر. نشارِك في القدّاس، ننضمّ إلى جماعات الصّلاة، ونطلب مساندة إخوتنا وأخواتنا في الإيمان.
9. أن نعترف بشكوكنا أمام الله
في زمن الحرب، قد يتساءل المؤمن: أين الله من كلّ هذا الألم؟ لماذا يسمح بهذا الشّرّ؟ هذه الأسئلة ليست خطيئة، بل هي جزء من الإيمان الصّادق.
المسيح نفسه، وهو على الصّليب، صرخ: «إِيلي إِيلي لَمَّا شَبَقْتاني؟» أي: إلهي إلهي، لماذا تركتني؟ (متّى 27/ 46). هذه الصّرخة تؤكّد أنّ الشّكّ والألم الرّوحيّ ليسا غريبَيْن عن الإيمان.
المهمّ ألّا نبقى في الشّكّ، بل أن نحمله إلى الله بصدق، كما فعل أبو الصّبيّ المريض حين قال للمسيح: «آمنتُ، فشَدِّدْ إِيمانيَ الضَّعيف!» (مرقس 9/ 24).
خلاصة رعويّة
في هذا الزّمن الصّعب، رسالتنا ليست أن نفهم كلّ شيء، ولا أن نحلّ كلّ شيء، بل أن نكون نورًا صغيرًا في مكاننا. العالم اليوم يحتاج إلى مسيحيّين يحملون قلب المسيح، لا إلى مسيحيّين يُضيفون زيتًا على نار الكراهية.
يقول المسيح: «أَنتُم نورُ العالَم... هٰكذا فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالِحَة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّموات» (متّى 5/ 14-16).
وفي النّهاية، نتذكّر دائمًا وعد المسيح الّذي لا يخيب: «وهاءَنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم» (متّى 28/ 20).