موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
قال الكاردينال الإسباني أنخيل فرنانديز أرتيمي، الرئيس العام السابق للرهبنة السالزيانية، إنه رأى خلال مرافقة البابا لاون الرابع عشر في رحلته الرسولية إلى إسبانيا علامات رجاء متجددة في بلاده، مؤكدًا أن الحشود الكبيرة التي استقبلت الحبر الأعظم تُظهر أن الناس ما زالوا يبحثون عن شهود حقيقيين للفرح والإيمان.
واستعاد الكاردينال إحدى أكثر اللحظات تأثيرًا خلال الرحلة، عندما رافق البابا إلى جزر الكناري للقاء المهاجرين. وقال: «بينما كنا ننتظر وصول الأب الأقدس، ذهبتُ للقاء شبان قدموا من أفريقيا على متن قوارب الهجرة. كانت تلك الدقائق العشرون الأثمن في الرحلة كلها. كما أن كلمات البابا الحازمة لتجّار البشر: «توقفوا، توبوا»، كانت من أكثر اللحظات تأثيرًا. لا نعلم ما إذا كانوا سيصغون إليها، لكننا لن ننسى أبدًا صرخة البابا باسم الإنسانية والكنيسة».
هذه كلمات الكاردينال أنخيل فرنانديز أرتيمي لصحيفة «أفينيري» الإيطالية، يوم السبت 13 حزيران في مدينة تورينو، بعد عودته مباشرة من تينيريفي. ولم يؤثر العطل الذي أصاب الطائرة مساء الجمعة، وتسبب في تأخير عودة البابا لاون الرابع عشر من جزر الكناري إلى روما، على برنامجه؛ إذ كان الكاردينال مدعوًا صباح اليوم التالي، عند الساعة الحادية عشرة، للمشاركة في مؤتمر حول مستقبل الحياة المكرسة أُقيم في بازيليك مريم المعونة.
وأرتيمي، المنحدر من منطقة أستورياس الإسبانية، شغل منصب الرئيس العام للرهبنة السالزيانية لولايتين متتاليتين، ويشغل حاليًا منصب نائب رئيس دائرة معاهد الحياة المكرسة وجمعيات الحياة الرسولية. وكان البابا قد دعاه لمرافقته خلال رحلته الرسولية إلى إسبانيا. وقد وصل إلى مطار فيوميتشينو في روما برفقة أقرب معاونيه، بعد أن سافر على متن طائرة فالكون التي وضعها الملك فيليبي السادس بتصرف البابا. وبعد ذلك استقل قطارًا مع ساعات الفجر الأولى متوجهًا إلى تورينو، حيث وصل إلى فالدوكو، المقر الأم للرهبنة السالزيانية، واستقبله مئات الأشخاص من الشبان والرهبان والراهبات، وكانوا أول من استمع إلى انطباعاته الأولى عن رحلة البابا لاون الرابع عشر إلى بلده.
وشارك الكاردينال في احتفال أُقيم في بازيليك مريم المعونة بمناسبة مرور 158 عامًا لتكريسها على يد القديس دون بوسكو، حيث ألقى مداخلة حول مستقبل الحياة المكرسة، مستندًا إلى كتابه مع الأب جوزيبي كوستا بعنوان «مستقبل بلا أرقام وبلا جدران: حوار حول الحياة المكرسة».
استلهم الكاردينال الكثير من تأملاته من الرحلة الرسولية التي اختُتمت للتو، ولا سيما ما يتعلق بحاجة عالمنا، الباحث عن المعنى، إلى شهود حقيقيين للإيمان. وقال: «مثل كثيرين، وخصوصًا أنني أعرف إسبانيا جيدًا، وهي تعاني كما تعاني دول أخرى من آثار العلمنة، فقد تأثرنا كثيرًا برؤية آلاف، بل ملايين الأشخاص الذين تابعوا البابا خلال هذه الأيام. ففي ملعب سانتياغو برنابيو في مدريد كان هناك حشد هائل من الناس، بينهم عدد كبير من الشباب... وهذا الملعب لا يمتلئ بهذا الشكل عادة إلا خلال نهائي كأس العالم لكرة القدم. وهذا يعني أن العالم بحاجة إلى شهود».
وأضاف: «نحن نتحدث اليوم عن الحياة المكرسة، وأعتقد أن الناس، حتى أولئك البعيدين عن كنائسنا، بحاجة إلى أن يلتقوا رهبانًا وراهبات يعيشون دعوتهم بفرح وبساطة، ويجدون السعادة فيما كرّسوا حياتهم له. فإذا كنتَ سالزيانيًا، على سبيل المثال، فإن الشباب الذين يلتقون بك في ساحات الأوراتوريو يجب أن يشعروا بأنهم أمام إنسان سعيد. عندها نصبح مُعديين بهذا الفرح، ويعود الناس إلى البحث عن أجوبة لمعنى الحياة في الإيمان، كما حدث خلال هذه الأيام في إسبانيا».
ما الرسالة التي يوجهها البابا لاون من إسبانيا إلى أوروبا؟
أجاب الكاردينال أرتيمي قائلًا: «أسمح لنفسي بالقول إن ما قاله البابا في إسبانيا ينطبق على أوروبا بأسرها. ولا سيما دعوته إلى الشركة والإصغاء والاحترام المتبادل، وإلى العودة إلى مجتمع تُعاش فيه القيم الكبرى، وألّا نخاف من جذورنا المسيحية. وأعتقد أن أوروبا ما زال لديها ما تقوله للعالم إذا سارت في طريق العدالة والتضامن والقيم الكبرى التي أسهمت في بنائها. أما فقدان كل ذلك، فيعني الاكتفاء بعقد اتفاقيات اقتصادية فحسب، فيما لم تُبنَ أوروبا لهذا الغرض وحده».
ما المحطة التي أثّرت فيك أكثر خلال الرحلة؟
أجاب الكاردينال: «كانت هناك لحظات كثيرة أثّرت فيّ. كما ذكرت سابقًا، فإن الحشود التي شاركت في القداس بملعب مدريد أعطتني انطباعًا بوجود جمهور واسع يطلق صرخة تعبّر عن الحاجة إلى الإيمان والعطش إلى الله. كما أن كلمة الأب الأقدس أمام مجلس النواب الإسباني كانت لحظة ذات مستوى فكري وإنساني رفيع جدًا».
وأضاف: «بصفتي إسبانيًا، أشكر إتاحة هذه الفرصة للبابا كي يتحدث بصفته رئيس دولة، ولكن أيضًا كأسقف روما وراعٍ للكنيسة الجامعة. وأعتقد أن التصفيق الذي استمر سبع دقائق كان بحد ذاته رسالة لا تقل أهمية عن الكلمات والخطابات».
وتابع: «لكن أكثر ما لمسني كان لقاءات البابا مع المهاجرين، ومع عالم الأشخاص المهمشين والمتألمين، وكذلك زيارته إلى السجن في برشلونة. لقد أصغى البابا إلى صرخة وألم أكثر الناس معاناة في عالمنا، وقدم لهم العزاء والرجاء».