موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الأربعاء، ٥ أغسطس / آب ٢٠٢٦
في سن الثالثة والسبعين: الأب خوسيه أوغستين يبدأ أجمل مشروع في حياته
رُسم خوسيه أوغستين غونزاليس كونتريراس كاهنًا في إسبانيا عن عمر 73 عامًا، بعد حياة مهنية طويلة أمضاها مهندسًا معماريًا. وفي حديثه إلى موقع أليتيا، يروي مسيرة غير متوقعة تؤكد أنه لا يوجد وقت متأخر لتلبية نداء الله.

أبونا :

 

أمضى عقودًا في تشييد المنازل، أما اليوم فهو يبني النفوس. ففي 27 تشرين الثاني 2025، رُسم الكاهن التشيلي خوسيه أوغستين غونزاليس كونتريراس كاهنًا في مدينة قرطبة الإسبانية، بعدما انتظر أكثر من سبعين عامًا ليستجيب بالكامل لنداء الرب. إنها دعوة نضجت بهدوء عبر حياة اتسمت بالعمل، والفقدان، والخدمة، والأمانة العميقة لله.

 

 

«بالنسبة إلى الله، لا يوجد أبدًا وقت متأخر»

 

يقول الأب خوسيه أوغستين: «بالنسبة إلى الله، لا يوجد أبدًا وقت متأخر. إنه يدعو الإنسان في كل مرحلة من مراحل حياته. ليست هناك دعوة متأخرة، فالله له توقيته الخاص لكل واحد». وهذه الكلمات ليست مجرد عبارة جميلة، بل هي خلاصة حياته.

 

وُلد خوسيه أوغستين في تشيلي داخل عائلة كاثوليكية، ونشأ في أجواء الرعية. ومنذ صغره انخرط في الحركة الكشفية وشارك بنشاط في حياة الكنيسة. لكنه عندما بلغ سن الرشد، اختار طريقًا مختلفًا تمامًا، هو الهندسة المعمارية، وهي مهنة أحبها ونجح فيها سريعًا.

 

وبعد سنوات من العمل في فنزويلا، أسس شركته الخاصة للبناء، من دون أن يتخيل أن الله سيدعوه يومًا إلى نوع آخر من البناء. ويتذكر قائلًا: «كنت أصمم المباني وأشرف على بنائها بنفسي. كانت الأمور تسير بسرعة مذهلة. وكان الله يباركني باستمرار، ولم ينقطع العمل عني يومًا».

 

 

«لم أعد أبني للناس... بل لله»

 

جاء التحول الحقيقي عام 2004، عندما أوكلت إليه مهمة ترميم مبنى الإكليريكية التابعة لأبرشية سان برناردو في تشيلي. وبعد انتهاء المشروع، عرض عليه الأسقف أن يصبح المهندس المعماري الرسمي للأبرشية.

 

ومن دون أن يدرك، كانت هذه المسؤولية الجديدة ستغيّر حياته بالكامل. ويقول: «أدركت أنني لم أعد أبني بيت هذا الشخص أو ذاك... بل كنت أبني بيت الله. وشعرت بأن شيئًا ما يحدث في داخلي، وأن الله يطلب مني أمرًا آخر».

 

ومع مرور الوقت، أخذ هذا النداء يزداد وضوحًا. وعندما انضم خوسيه أوغستين إلى معهد الكلمة المتجسد، شارك في الرياضات الروحية للقديس إغناطيوس دي لويولا، وكانت تلك الخبرة نقطة تحول حاسمة عام 2008.

 

ويروي: «كانت صدمة حقيقية. وخلال الرياضات الروحية فهمت أن الله كان يحمل لي مشروعًا أخفاه طويلًا، وكان يقول لي ببساطة: افتح عينيك». وهكذا أدرك الرجل، الذي كان يظن في الخامسة والستين أن حياته قد رُسمت معالمها نهائيًا، أن الرب يدعوه إلى رسالة مختلفة تمامًا.

 

 

اختار أولًا أن يعتني بوالده

 

ورغم هذا اليقين الجديد، لم يلتحق خوسيه أوغستين مباشرة بالحياة المكرسة. فقد كان والده يعاني مرضًا خطيرًا، ورأى أن دعوته الأولى في تلك المرحلة هي البقاء إلى جانبه. ويقول: «كنت قد فهمت مشروع الله، لكنني اعتقدت أن عليّ أولًا أن أعتني بوالدي بدافع المحبة. رافقته ثماني سنوات، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة».

 

وفي اليوم التالي لجنازته، اتصل بمرشده الروحي وقال له ببساطة: «أنا مستعد».

 

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد هناك ما يؤخر استجابته.

 

وبعد أشهر قليلة، عام 2015، غادر تشيلي متوجهًا إلى إيطاليا، حيث بدأ مسيرة التنشئة، إلى جانب إكليريكيين شبان قدموا من نحو عشرين دولة. ورغم أن كثيرين تساءلوا عما إذا كان سيتمكن، بسبب تقدمه في السن، من مجاراة زملائه الأصغر عمرًا، فإن الواقع كان مختلفًا تمامًا.

 

ويقول الأب خوسيه مبتسمًا: «في النهاية، كانوا هم الذين يجدون صعوبة في مجاراة وتيرتي! لقد منحني الله طاقة مدهشة». ويضيف: «كنت، بوصفي مهندسًا معماريًا، أبني بالحجارة. أما اليوم، فإن الله يدعوني إلى بناء ملكوته بالنفوس».

 

 

أجمل يوم في حياتي»

 

بعد سنوات طويلة من التمييز، والانتظار، والإعداد، جاء يوم الرسامة تتويجًا لمسيرة امتدت عقودًا.

 

ويصف الكاهن الجديد تلك اللحظة قائلًا: «كان أجمل يوم في حياتي. شعرت بأنني أسلم نفسي بالكامل بين يدي الله. واليوم، وأنا في الثالثة والسبعين، أشعر بأنني مملوء بالطاقة لإنجاز الرسالة التي أوكلها إليّ». ثم يضيف: «كنت، بوصفي مهندسًا معماريًا، أبني بالحجارة. أما اليوم، فإن الله يدعوني إلى بناء ملكوته بالنفوس».

 

ولم تكن السنوات الطويلة التي سبقت رسامته عائقًا أمام خدمته الكهنوتية، بل أصبحت مصدر غنى لها. فمن خلال اللقاءات الرعوية، يكتشف الأب خوسيه أن خبرته المهنية والإنسانية تساعده على الاقتراب بسهولة من الأشخاص الذين يقصدونه حاملين أفراحهم، وشكوكهم، وجراحهم. ويقول: «مع مرور السنين يكتسب الإنسان نضجًا مختلفًا، ونظرة أخرى إلى الحياة. فالناس يثقون بي بسهولة، لأنهم يشعرون بأنني أنا أيضًا اجتزت تجارب كثيرة».

 

وبالنسبة إلى الأب خوسيه أوغستين، الكاهن الذي بدأ خدمته في العمر الذي يختار فيه كثيرون التقاعد، تبقى رسالته واضحة: «أود أن أقول، ولا سيما لكبار السن، ألا يخافوا أبدًا. فكثيرون قالوا لي: كنت أعتقد أن القطار قد فاتني. لكن هذا غير صحيح. بالنسبة إلى الله، لا يوجد أبدًا وقت متأخر. فعندما نعطيه كل شيء، يمنحنا هو كل شيء».