موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
قد يبدو الحديث عن المال غريبًا في مقال روحي مرتبط بالعائلة، نحن معتادون أن نتامل ونتكلم عن الصلاة، والمحبة والمصالحة والغفران، والحوار بين الزوجين، وتربية الأبناء، وأنعكاس الإيمان في البيت، أما المال، فعادة نتركه للبنك ومن يهتم به، وللفواتير والتطبيقات، ولآخر الشهر.
لكن الحقيقة المرة إن جاز التعبير، أن المال لا يبقى في البنك، إنه يدخل معنا إلى البيت كل يوم، يدخل عندما نبدا التفكير في المدرسة التي نريدها لأولادنا، وفي القسط، والعلاج، وشراء السيارة، ومكان السكن، ووجهة السفر، والمناسبات، ومساعدة الأهل، وفي السؤال الذي يعرفه كثيرون؛ هل سيكفينا ما معنا؟
ومن خلال خدمتي ولقائي واستماعي للاحاديث اليومية مع الناس، أرى واسمع أن كثيرًا من الخلافات الاسرية التي تبدو في ظاهرها مالية هي ليست مالية فقط، بل قد يبدأ النقاش من مبلغ أو من غرض تم شراؤه، ثم يظهر أن وراءه شيئًا آخر؛ خوف، أو شعور بعدم المشاركة، أو تعب، أو قلق على المستقبل.
أحيانًا لا تكون الزوجة منزعجة فقط لأن زوجها صرف مبلغًا من المال، بل لأنها تشعر أنه قرر وحده. وأحيانًا لا يكون الزوج بخيلًا كما يبدو، بل خائفًا من الغد أو من مسؤولية لا يعرف إن كان قادرًا على حملها، لهذا، عندما نتحدث عن المال داخل العائلة، لا نتحدث عن الأرقام وحدها، نحن نتحدث أيضًا عن قلب هذه الاسرة متذكرين تعاليم يسوع المسيح له المجد "فحَيثُ يكونُ كَنزُكَ يكونُ قَلبُكَ" بشارة متى 21:6 ، فالسؤال ليس فقط: كم أملك؟ بل أيضًا: ما الذي يمنحني الأمان؟ هل هو المال؟ وما المكان الذي يأخذه المال في حياتي وفي علاقتي بعائلتي؟
لكل واحد منا قصة مالية مختلفة؛ علاقتنا بالمال لا تبدأ يوم نحصل على أول راتب، بل تبدأ من البيت الذي نشأنا فيه، فهناك من تربى على جملة: "وفّر، لا نعرف ماذا سيحدث غدًا". وهناك من كان يسمع: "الله كريم" " والله بدبر، رزقته معه" . وهناك من عاش في بيتِ كان المال فيه سببًا للخلاف أو القلق، وهناك من لم يشعر أصلًا أن هذا الموضوع يشكل ضغطًا كبيرًا، فعندما نكبر نحمل هذا الإرث معنا حتى من دون أن نقصد ونمضي به نحو حياتنا المستقبلية.
لذلك عندما يتزوج شخصان، لا يلتقي فقط رجل وامرأة، بل تلتقي أيضًا طريقتان مختلفتان في التفكير بالمال، قد يرى أحد الزوجين الادخار مسؤولية، بينما يشعر الآخر أنه حرمان؛ وقد يرى أحدهما السفر مع العائلة شيئًا مهمًا، بينما يعتبره الآخر مصروفًا يمكن تأجيله، وقد تختلف النظرة إلى الأعراس، والهدايا، وتعليم الأبناء، ومساعدة الأهل، وحتى إلى معنى الحياة الكريمة.
من هنا، من المهم جدا أن نعرف قصة الآخر مع المال قبل أن نحكم عليه بسرعة؛ ربما وراء الحرص الشديد خوف قديم من الفقر،وربما وراء الرغبة الدائمة في الشراء شعور قديم بالحرمان، وربما وراء الصمت عن الأمور المالية تجربة جعلت الإنسان يربط المال بالخلاف والتوتر. أحيانًا نحتاج، بدل أن نقول للآخر: "أنت لا تفهم بالادراة المالية ولا بقيمة المصاري"، أن نسأله ببساطة: لماذا هذا الموضوع مهم لك إلى هذه الدرجة؟ مثل هذا السؤال قد يفتح حوارًا أعمق بكثير من نقاش طويل حول الأرقام.
نحن نعيش في مجتمع يحب الفرح، وهذا شيء جميل، نحب أن نكرم الضيف، وأن نفرح في العرس والخطوبة والمعمودية والمناولة الأولى والأعياد، ولكن حين يصبح رأي الناس جزءً مؤثرا في مصروف البيت... تصبح أفراحنا ومناسباتنا في امتحان صعب جدا وعلينا ان ندرس له كثيرا لكي ننجح أمام الناس. وللأسف عندما نبدأ نفكر هكذا، لا يعود السؤال: ماذا يناسب عائلتنا؟ بل: ماذا سيقول الناس؟ وقد رأينا جميعًا كيف يمكن لعائلة أن تحمل نفسها فوق طاقتها من أجل مناسبة، أو تغير شيئًا في منزلها ما زال جيدًا لأن غيرها اشترى الأحدث، أو تشتري لأولادها ما لا يحتاجونه لأن " الكل عملوا هيك، أو الكل سافروا ، أو كل الأولاد عندهم، والقائمة في المقارنات لا تنتهي...وسائل التواصل جعلت الأمر أصعب، فأصبحنا نرى صور حياة الآخرين، لكننا لا نرى كل الحقيقة ودخلنا في وهم المقارنة وعدم الاكتفاء وعيش فضيلة القناعة؛ نرى البيت عند الناس، ولا نرى قرضهم، نرى صور رحلهم ولا نعلم كم ادّخرت العائلة من أجل هذه الرحلة، نرى العرس، ولا نرى ما بقي بعده من التزامات.
وهنا تبدأ المقارنة تسرق منا سلامنا شيئًا فشيئًا،يسوع المسيح له المجد لا يطلب منا أن نرفض الأشياء الجميلة والحسنة، ولا أن نخجل من النجاح أو الراحة. لكنه يحمينا من أن ننتظر من الأشياء ما لا تستطيع أن تعطينا إياه، فتصبح هذه الأشياء عبادتنا. فالبيت الجميل يمكن أن يمنح الراحة، لكنه لا يصنع المحبة. والمال يساعدنا كثيرًا في الحياة، لكنه لا يعطينا وحده السلام الداخلي. والسفر جميل، لكن المكان الجميل لا يصلح وحده علاقة متعبة،الأشياء مهمة، نعم. لكنها تبقى أشياء.
القناعة لا تعني أن نتوقف عن الطموح، أحيانًا نفهم القناعة بطريقة سلبية، وكأن الإنسان المؤمن يجب أن يقبل بأي شيء ولا يسعى إلى الأفضل، هذا ليس المقصود؛ من الطبيعي أن يريد الإنسان بيتًا أفضل، وتعليمًا جيدًا لأولاده، وحياة مريحة، وأن يسافر أو يحسن وضعه، المشكلة ليست في أن نملك، بل في أن تتحول الأشياء إلى مقياس لقيمتنا.
قد أمتلك سيارة جيدة وأستعملها بحرية. وقد أمتلك السيارة نفسها وأجعلها جزءًا من صورتي أمام الناس. الفرق ليس في السيارة. الفرق في القلب،بالنسبة إليّ، القناعة تعني أن أعرف ماذا أريد ولماذا أريده، وأن أعرف أيضًا متى يكون ما عندي كافيًا، وأحيانًا يكشف سؤال بسيط الكثير: لو لم يرَ أحد هذا الشيء، هل كنت سأريده بالدرجة نفسها؟
المال ليس عدوًا للإيمان، هناك أحيانًا طريقة نقاش تجعل الناس يشعرون أن الحديث عن الراتب أو الادخار أو الأقساط أمر بعيد عن الإيمان،لكن العائلة تحتاج إلى المال لكي تعيش بكرامة. تحتاج إلى الطعام، والسكن، والعلاج، والتعليم، والمواصلات، والراحة، وإلى شيء من الاستقرار للمستقبل. والكنيسة نفسها تعترف بشرعية الملكية وتأمين احتياجات الإنسان وعائلته، مع التأكيد أن الخيرات التي بين أيدينا تحمل أيضًا مسؤولية تجاه الآخرين (راجع التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 2402–2405).
فالادخار ليس نقصًا في الثقة بالله، والتخطيط للمستقبل ليس ضد الإيمان، والبحث عن عمل أفضل ليس مادية، وأنا أرى أحيانًا أبًا أو أمًا يستيقظان باكرًا، ويتحملان الطريق وضغط العمل، ليس لأنهما يحبان التعب، بل لأنهما يريدان لأولادهما حياة كريمة، هذا التعب نفسه يمكن أن يكون تعبيرًا عن المحبة.
وفي رسالته العامة (الإنسانية الرائعة) (Magnifica Humanitas)، يذكّر قداسة البابا لاوُن الرابع عشر بأن العمل ليس مجرد وسيلة للدخل، بل هو جزء من كرامة الإنسان ومساهمته في حياة المجتمع. كما يشير إلى أن البطالة وعدم الاستقرار الوظيفي يتركان أثرًا مباشرًا في العائلة، وأن القرارات الاقتصادية الكبرى لا يجوز أن تجعل الأسرة مسألة ثانوية (راجع : Magnifica Humanitas 154، 165-169). وهذا مهم، لأن مسؤولية العائلة المالية لا تعتمد فقط على حسن الإدارة. هناك أيضًا واقع اقتصادي، ورواتب قد لا تكفي، ووظائف غير مستقرة، وظروف لا يختارها الإنسان. لكن يبقى السؤال: هل أعمل لكي تعيش عائلتي، أم بدأت عائلتي تعيش فقط لكي أعمل؟ كثيرون يبدأون العمل من أجل أولادهم، ثم يكتشفون بعد سنوات أنهم وفروا لهم أشياء كثيرة، لكنهم لم يكونوا موجودين بما يكفي.
عندما يصبح المال سيدًا يقول المسيح: "لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال" (متى 6: 24)، هو لا يقول: لا تملكوا المال، ولا تدخروا، ولا تخططوا؛ المشكلة تبدأ عندما يصبح المال هو السيد: عندما يقرر قيمتي، أو يحدد مكانتي، أو يجعلني أضحي بعائلتي، أو أظلم إنسانًا من أجل الربح، أو أفقد راحتي لأنني دائمًا أراقب ما عند الآخرين. ولهذا قال البابا فرنسيس بوضوح: "المال يجب أن يخدم، لا أن يحكم" (فرح الانجيل).
خلاصة الكلام
المال ليس مجرد أرقام نملكها أو نصرفها، بل لغة تكشف ما في داخلنا: مخاوفنا، أولوياتنا، وطريقتنا في بناء الحياة مع من نحب،داخل العائلة، لا تبدأ الحكمة المالية من السؤال: "كم معنا؟"، بل من أسئلة أعمق: ماذا نريد فعلًا؟ لماذا نريده؟ وهل ما نملكه يخدم حياتنا أم بدأ يقودها؟ الإيمان لا يطلب منا أن نخاف من المال، ولا أن نهرب من الطموح والنجاح والراحة، بل أن نضع كل شيء في مكانه الصحيح. أن نخطط بلا قلق، ونملك بلا استعراض، وننفق بلا مقارنة، وندخر بلا خوف، ونعمل من أجل الحياة لا على حسابها. فالثراء الحقيقي ليس أن نملك أكثر دائمًا، بل أن نعرف متى يكفي ما لدينا، وأن يبقى القلب حرًّا، والعائلة أقرب، والمال في موقعه الصحيح: وسيلة للحياة، لا مقياسًا لقيمتها.