موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إنّ مجتمعاتِنا تُبنَى على سياسة "البقاء للأقوى"، والمسيحي فيها أمام طريقين: إمّا أن يتعلّق بإحدى القوى ويتحالف معها فيعيش في ظلّ قوّتها ليحمي نفسه من بقية القوى الأخرى، وإمّا أن يسير على هامش المجتمع خوفًا من أن يُداس بأرجل الأقوياء، فيختار لنفسه مساحةً صغيرة يمارس فيها مهامّه البسيطة ويكتفي بها ليستمرّ في العيش. لستُ هنا بصدد نقد أيّ من هذين الطريقين، فلكلّ منهما منطقه الذي بنتْ عليه الجماعة قناعتها ورؤيتها للحياة.
ولكنّ هناك طريق ثالث، هو "طريق الصليب" الذي لا يشبه هذين الطريقين غير أنه ينطلق مثلهما من الواقع، ولكنّه يتعامل مع هذا الواقع بطريقةٍ مسيحيّة. وسأنطلق في شرحي له من نصّ إنجيل تلميذَي عمّاوس (لوقا 24: 13–35)، اللذين اختارا أن يعودا إلى قريتهما الصغيرة بعد أن رأيا المعلّم معلّقًا على الصليب، فخابت آمالهما في ذلك النبي المقتدر في القول والأعمال قدّام الله وقدّام الشعب كلّه، وكانا يرجوان أنّه هو المزمع أن يفدي إسرائيل، كما يقول أحدهما، وهو كليوباس، ليسوع عندما سألهما عمّا يتحدّثان وهما ماشيان.
كان تلميذا عمّاوس يتمنّيان الطريق الأوّل: أن يمتلك المسيح قوّةً عظمى تضاهي قوى المجتمع، فيحتميا في ظلّها. لكنّهما أُصيبا بخيبة أمل عندما رأيا الصليب، فاختارا مباشرةً الطريق الثاني، طريق العودة إلى ديارهما، أي الابتعاد عن صراع القوى والاكتفاء بالحياة التي كانا يعيشانها من قبل. عندئذٍ ظهر لهما يسوع ليكشف لهما عن طريقٍ ثالث: طريق الصليب.
ماذا يعني طريق الصليب؟ هل يعني أن يسوع يدعونا إلى الخنوع والخضوع والجبن أمام قوى المجتمع؟ كلا، إطلاقًا، وواهمٌ من يعتقد ذلك. لكنّ المسيح يدعونا، في الوقت نفسه، إلى ألّا نمارس قوّتنا من خلال وضع أنفسنا في مواجهةٍ أو مبارزةٍ مع القوى الأخرى، بل إلى الإيمان بأن قوّتنا من نوعٍ آخر؛ قوّةٌ تنبع من "رسالتنا" في هذا المجتمع الذي تتنافس فيه القوى وتتصارع.
وقد أعطانا المسيح نفسه المثال على ذلك؛ فهو لم يمتْ على الصليب لأنّه حارب إحدى قوى المجتمع، بل لأنّه كان أمينًا للرسالة التي عاش من أجلها وخدم بها الناس. وقد احتمل آلام الصليب في سبيل تحقيق هذه الرسالة، ودعا كنيسته إلى أن تواصل حملها وإكمالها عبر الأجيال.
هذه الرسالة لا تجعلنا قوّةً منافسةً في المجتمع، بل تجعلنا قوّةً خادمةً له. وهي لا تمنحنا نتائج فورية، بل تجعلنا ننتظر برجاءٍ اليومَ الثالث. وكما ينهي كليوباس كلامه بقوله: "هوذا اليوم الثالث منذ حدوث ذلك كلّه"، فرسالة الصليب تجعلنا نقبل الفشل والخسارة أحيانًا، ليس لأننا ضعفاء، بل لأننا ندرك كلّ ما يحدث وكلّ ما تفعله فينا قوى المجتمع، وننتظر اليوم الثالث ليمنحنا معنًى مختلفًا.
نحن أبناء الرجاء، وهذا ما يجعلنا مختلفين، بل ويجب أن يجعلنا مختلفين عن العالم، لا لنكون فوقه، بل لننظر إليه نظرةً مسيحيةً عميقةً لا يمنحها لنا إلا يسوع المسيح نفسه. ومن خلالها نخدم العالم بمسيحيتنا، لا بالصراع أو الحرب، بل بالسلام والوئام، مؤمنين بأن اليوم الثالث لا بدّ أن يأتي بثماره في أعمالنا.