موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
قد يبدأ تجديد الإيمان بسؤال غير مريح: هل الصورة التي نحملها عن الله أمينة لما كشفه لنا المسيح؟ وهل ندافع دائماً عن حقيقة الله، أم ندافع أحياناً عن مخاوفنا وعاداتنا ومصالحنا وقد ألبسناها لغة دينية؟
هذا هو الأفق الذي يفتحه كتاب "لا أؤمن بهذا الإله" لخوان أرياس، الذي نقله إلى العربية الأب كميل حشيمه اليسوعي، وصدر عن دار المشرق في بيروت عام 1987. فعنوانه المستفز يوجّه الانتباه إلى الصور التي يصنعها الإنسان عن الله، ويدعو إلى امتحانها في ضوء المسيح. وتقدّمه الدار بوصفه خواطر إيمانية وحواراً جاداً، لا أطروحة لاهوتية منهجية.
وتتركّز الفكرة التي تكشفها نصوص الكتاب حول رفض اختزال الله في مصدر للخوف، أو تبرير للألم، أو غطاء للظلم والتناقض بين العبادة والسلوك. وفي المقابل، تنفتح هذه النصوص على الحرية والمحبة والرجاء والمسؤولية تجاه الإنسان. ومن هنا تنبع قيمة السؤال الذي يرافق هذه القراءة: أيّ صورة عن الله تنقلها حياتنا إلى الآخرين؟
ليست المسألة لفظية. فالطفل الذي يسمع اسم الله مقروناً بالتهديد في كل خطأ، قد يكبر وهو يربط الإيمان بالقلق. والمريض الذي يقال له إن ألمه دليل على غضب الله، قد يحمل فوق وجعه شعوراً بالذنب. والشاب الذي تُقابل أسئلته بالتوبيخ، قد يتعلّم إخفاء حيرته عوض أن يجد من يرافقه في فهمها. لا تختصر هذه الأمثلة الخبرة الدينية، لكنها تكشف مسؤولية الكلمة التي نقولها باسم الله.
ومن منظور مسيحي، يبقى يسوع معيار التمييز. ففي لقائه بالمريض، وفي اقترابه من المهمّش، وفي بكائه أمام موت لعازر، نرى أن إعلان محبة الآب يمرّ عبر الاقتراب من الإنسان. لا يصبح الإيمان أكثر عمقاً حين يفقد صاحبه الحساسية تجاه آلام الناس، ولا تكون الغيرة على الحقيقة مبرراً لإهانتهم.
وفي هذا السياق، يقتضي الحديث عن الألم دقة خاصة. يستطيع المؤمن أن يجد في اتحاده بالمسيح قوةً لحمل وجعه، وأن يكتشف وسط المحنة معنى للتضامن والرجاء. لكن ذلك لا يعفينا من علاج المرض، ومقاومة العنف، وإزالة أسباب الحرمان. إن مرافقة المتألّم تسبق تقديم التفسيرات له؛ وقد يكون الصمت الحنون أصدق من إجابة متسرّعة تزعم معرفة قصد الله من مأساته.
وتقودنا هذه القراءة أيضاً إلى العلاقة بين الرحمة والعدل. فالتديّن الذي لا يظهر في أمانة العمل، وإنصاف العامل، وصون المال المؤتمن عليه، يحتاج إلى مراجعة. ومن موقع الاهتمام بالشأن الاقتصادي والاجتماعي، أرى أن الحديث عن كرامة الإنسان يصبح ملموساً حين نسأل عن أجره، وفرصته في التعليم والعلاج، وحمايته من الاستغلال. مساعدة المحتاج عمل محبة، وإصلاح الممارسة التي تُبقيه محتاجاً مسؤولية أخلاقية كذلك.
أما قيمة الكتاب النقدية، فتظهر في قدرته على إيقاظ فحص الضمير. فاللغة الجريئة تستطيع أن تخلخل الاطمئنان إلى تدين ورثناه من دون أن نمتحن ثماره. كما يتيح مدخله مجالاً لحوار أكثر تواضعاً مع المتشكك: قبل أن نجيبه، يجدر بنا أن نفهم ما الذي يرفضه، وما الخبرة التي تقف خلف اعتراضه. وقد نكتشف أن بعض اعتراضاته يواجه إساءة ارتُكبت باسم الدين، فتكون الاستجابة الأولى اعترافاً بالأذى وإصلاحاً له.
ومع ذلك، تحتاج القراءة إلى تمييز. فقوة العبارة الاحتجاجية لا تجعلها وحدها شرحاً وافياً للعقيدة. والرحمة تستدعي التوبة، والحرية تستدعي مسؤولية الضمير وتكوينه، والمحبة تتطلّب الصدق ومواجهة الشر. لذلك تبدو هذه الخواطر أنسب لإثارة السؤال وفتح التأمل من استخدامها مرجعاً منفرداً لحسم المسائل اللاهوتية.
وهناك خطر آخر ينبغي أن ننتبه إليه ونحن نرفض الصور المشوّهة عن الله: أن نرسم بدورنا صورة مريحة لا تطلب منا تغييراً. فقد نرفض إلهاً نتخيّله قاسياً، ثم نحتفظ بإله يوافق دائماً رغباتنا. أما اللقاء بالمسيح فيعزّي ويوقظ الضمير معاً؛ يدعونا إلى الغفران حين نميل إلى الانتقام، وإلى المشاركة حين نتمسّك بالامتلاك، وإلى الاعتراف بالحقيقة حين يصعب علينا الاعتذار.
ومن هنا يمكن تحويل التأمل إلى ممارسة يومية. كيف أتحدث مع من يختلف معي؟ هل أستخدم مكانتي لخدمة الآخرين؟ هل أسمح لابني أو ابنتي بطرح سؤال ديني من دون خوف؟ وهل يشعر المتألّم، حين يقترب مني، بأنه مسموع ومحترم؟ في هذه التفاصيل تُختبَر صدقية الكلمات الكبيرة التي نقولها عن المحبة.
وفي مجتمعاتنا، يتسع هذا الامتحان ليشمل علاقتنا بالمواطن المختلف دينياً أو اجتماعياً. فخدمة الإنسان، واحترام حريته وكرامته، والوقوف إلى جانبه في المحنة، تمنح الشهادة المسيحية لغتها العملية. وحين نواجه التعصّب، نحتاج إلى عدل يحمي الناس، وإلى تربية تحرّر الأجيال من الكراهية، وإلى شجاعة تمنعنا من الردّ على الإساءة بتعميمها على جماعة كاملة.
يتركنا «لا أؤمن بهذا الإله» أمام سؤال يستحق أن يصير صلاة: يا رب، نقِّ صورتي عنك مما علق بها من خوف وقسوة وكبرياء، وعلّمني أن أعرفك في المسيح، وأن أجعل معرفتي بك محبةً يلمسها الآخرون. فالإيمان الذي ينمو في القلب يُنتظر أن يترك في الحياة أثراً: إنساناً أكثر صدقاً، وأشدّ رحمة، وأقدر على حمل مسؤولية أخيه.