موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الأحد، ٥ يونيو / حزيران ٢٠٢٢
جُعتُ فأطعمتموني

أشخين ديمرجيان :

 

أخيراً وجد متشرّد جائع وجبة طعام! ولكنّها كانت للمسكين آخر وجبة في حياته. حاول المتشرّد الفقير أن يستعطي: "لله يا مُحسنين" في احدى المقاهي وأخفق إذ لم يُعِره أحد انتباهًا أو اهتمامًا، ولم يُشفق عليه أحد. ذهب إلى مطعم ودخل بين صفوف روّاد المحلّ، ورأى وجبة عشاء على طاولة للعرض فقط، وليس للأكل أو للبيع.

 

خطف الرجل الجائع اللحم الشهيّ وولّى هاربًا، وفي نفس الوقت أدخل قطعة اللحم الكبيرة في فمه وهو لا يزال يركض، الاّ أنّ القطعة علقت في حلقه، فسدّ فمه وتوقّف عن الجري، وبدأ يتمايل في مشيته ويترنّح مثل السكّير، ثمّ تدهور على رصيف الشارع بينما تراكض الناس لإسعافه... أتى المحقّق مع الطبيب ليفحصه وصرّح الطبيب بأنّه مات مخنوقًا!

 

الجوع كافر وفي هذه الحالة كان الجوع قتّالاً، حفّز الجائع الى اقتراف ما يستحيل أن يفكّر به في حالة الشبع! وكانت عاقبة جهوده تلك وخيمة والضربة قاضية لا مفرّ منها. لو تعطّف عليه أحدهم بلقمة عيش لما حدثت تلك المأساة.

 

تُذكّرني هذه المأساة بأمير الأدب الفرنسي "فكتور هوجو" ورائعته رواية "البؤساء" الكلاسيكية، والأصحّ أن نقول "البائسون" كما أجمع أهل اللغة. "هوجو" أديب وشاعر ومسرحي ورسام فرنسي، من أبرز أدباء فرنسا في الحقبة الرومانسية، والرواية من أشهر روايات القرن التاسع عشر. نُشرت عام 1862م ثمّ ظهرت على المسارح، وأُنتِجَت سينمائيًّا وتلفزيونيًّا. تناول فيها "هوجو" جوانب إنسانيّة بحتة: يقضي فيها بطل الرواية "جان فالجان" تسعة عشر سنة في السجن من أجل سرقة خبز لأخته وأطفالها الذين يتضوّرون جوعاً. وأربعة عشر سنة أخرى عن محاولاته العديدة للهرب. ينتقد الكاتب الظلم الاجتماعي في تلك الفترة، ويكتب في مقدّمته للكتاب: "تخلق العادات والقوانين في فرنسا ظرفاً اجتماعياً هو بمثابة جحيم بشري، طالما اللامبالاة موجودة على الأرض وكذلك الفقر، فإنّ كُتُباً مثل هذا الكتاب ستكون ضروريّة"....

 

ربّما يتساءل البعض لماذا لفظة "البائسون" هي الأصحّ لغويًا؟ لأنّ البائسون جمع "بائس" أي شديد الحاجة.

 

بينما البؤساء جمع "بئيس" أي شجاع. وهذا المعنى غير وارد في القصة.

 

إنّ اهتمام الكاتب بأهل البؤس وبالعدالة الاجتماعية واضح. تعرض الرواية طبيعة الخير والشر والقانون والعدالة والدين والرومانسيّة في قصة محبوكة بشكل أخّاذ.

 

وممّا جعل هذه الرواية في مصافّ الروايات العظيمة، رومانسيّة الكاتب الذي سطّر في كتابه خواطر شعريّة جميلة، وتناول الجمال بأناقة وفن وذوق رفيع المستوى، بالإضافة الى عمق في الرؤية ممّا جعل من الرواية عملاً كلاسيكيّاً لا يحدّده مكان أو زمان، لذلك تبقى رواية "البؤساء أو البائسون" رواية قويّة ومن أعظم الأعمال في الأدب الغربي حتّى هذا اليوم منذ نشرها لأوّل مرّة. وما زال فيكتور هوجو يستقطب الزوّار في قبره إذ يزوره معظم زوّار المتحف الفرنسي.

 

إنّ وزن الطعام المهدور في العالم خيالي بامتياز. بينما الملايين يتضوّرون جوعًا حتّى الموت. الطعام الجيّد الذي يتمّ رميه في النفايات هو طعام منهوب من الفقراء ومسلوب من الجياع! كما أنّ الحدّ من هدر الطعام يُقلّل من الفقر والجوع ويحارب تغيّر المناخ.

 

خاتمة

 

يدفعنا المنطق المادي الدنيوي والهوس في الاستهلاك نحو التبذير والأنانية والجشع والتعلّق بالمال، في حين تجذبنا وصايا الله نحو التواضع والخدمة والمحبة ... 

 

محبّتنا لله باطلة من غير محبّتنا للقريب. وسوف يُدان كلّ منّا على مدى تطبيقه للمحبّة الأخوية بالفعل لا بالقول، بالعطاء لا بالكلام. يُدان الإنسان على قدر ما عمل أو لم يعمل من أعمال الرحمة للضعفاء، لا على أعمال خارقة العادة. حينئذٍ يُنادي الربّ كلّ الصالحين قائلاً: "تعالوا رثوا الملكوت المُعَدّ لكم... لأنّي جُعتُ فأطعمتموني، وعطشتُ فسقيتموني، وكنتُ غريباً فآويتموني" (متّى 25: 34-35).