موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تسلّط زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى بازيليك العائلة المقدّسة (ساغرادا فاميليا) في برشلونة الضوء على العلاقة العميقة بين الكرسي الرسولي وهذا الصرح المقدّس، الذي يمتد تاريخه لأكثر من قرن.
وبحسب مقال لـJunno Arocho Esteves، من أبرز ما يلفت الانتباه هو وجود تناظر تاريخي فريد: فقد وُضع حجر الأساس للكنيسة عام 1882 في عهد البابا لاون الثالث عشر، واليوم، وبعد 144 عامًا، يقوم البابا الذي يحمل اسم لاون الرابع عشر بتدشين برج يسوع المسيح الذي يبلغ ارتفاعه حوالي 172 مترًا.
طُرحت فكرة بناء البازيليك، المعروفة بالإسبانية باسم Sagrada Familia، لأول مرة من قبل القديس خوسيه مانيانيت فيفيس، وهو كاهن كتالوني معروف بتقواه للعائلة المقدسة. وفي عام 1871، قامت جمعية كاثوليكية مكرّسة للقديس يوسف برحلة حج إلى روما شملت لقاءً مع البابا بيوس التاسع. وقد تأثّر مؤسس الجمعية، خوسيه ماريا بوكابيّا، بهذه الرحلة التي تضمنت أيضًا زيارة لمزار لوريتو المريمي الشهير، وكذلك برؤية القديس مانيانيت، فاقترح بناء البازيليك.
كان التصميم الأصلي للكنيسة على الطراز القوطي الجديد، بهدف أن يشبه مزار لوريتو، لكنه تغيّر بعد عامين من وضع حجر الأساس بسبب خلافات بين بوكابيّا والمعماري الأول للمشروع فرانسيسكو دي باولا ديل فييار. بعد ذلك، تولّى المشروع المعماري الإسباني الشهير أنطوني غاودي، الذي لا تزال إجراءات إعلان قداسته قيد الدراسة في الكنيسة.
وكانت مشاركة الباباوات في بناء الكنيسة غير مباشرة حتى زيارة القديس يوحنا بولس الثاني في 7 تشرين الثاني 1982 إلى البازيليك التي كانت لا تزال قيد الإنشاء. وقبل أن يتلو صلاة التبشير الملائكي مع آلاف المؤمنين خارج الكنيسة في يوم ماطر في برشلونة، تأمّل القديس يوحنا بولس الثاني في الكنيسة بوصفها «البيت الجامع لعائلة الله، إنها بيتكم».
وقال: «يسعى الصرح المهيب لبازيليك العائلة المقدسة في برشلونة إلى أن يكون تعبيرًا مرئيًا عن هذه الحقيقة السرّية، بفضل إلهام روح حسّاسة بشكل خاص لكل ما هو كنسي، مثل الأب خوسيه مانيانيت، وبفضل العمل الفني للمعماري العظيم أنطوني غاودي». وأشار البابا إلى أنّ البازيليك، رغم أنها «غير مكتملة بعد»، إلا أن حضورها كان «راسخًا منذ البداية»، وقارن ذلك بـ«بنية أخرى مبنية من حجارة حيّة: العائلة المسيحية».
وقد نُقشت كلمات القديس يوحنا بولس الثاني على لوحة تذكارية في الكنيسة تخليدًا لزيارته.
كانت الزيارة البابوية التالية إلى البازيليك عام 2010، حين قام البابا بندكتس السادس عشر بتكريس المذبح خلال احتفال رسمي، وبذلك فُتح المكان للعبادة العامة. وأشاد بندكتس بعمل غاودي وتفانيه للقديس يوسف، قائلاً إن البازيليك تمثل مثالًا عن «الحب والعمل والخدمة التي تُعاش في حضور الله، كما عاشتها العائلة المقدسة».
وأضاف: «وبينما أتأمل بإعجاب هذا المكان المقدّس ذو الجمال المدهش، وتاريخه المليء بالإيمان، أسأل الله أن ينبت في أرض كتالونيا شهود جدد للقداسة، وأن يقدّموا للعالم الخدمة العظيمة التي تستطيع الكنيسة أن تقدّمها للبشرية: أن تكون أيقونة للجمال الإلهي، وشعلةً متقدة بالمحبة، وطريقًا حتى يؤمن العالم بالذي أرسله الله».
ورغم أن خلفه، البابا فرنسيس، لم يزر إسبانيا خلال حبريته، إلا أنه أرسل رسالة فيديو عام 2021 بمناسبة تدشين برج العذراء مريم. وأشار إلى النجمة ذات الاثنتي عشرة ضلعًا التي تعلو البرج البالغ ارتفاعه 172 مترًا، قائلاً إنها تذكّر بأن مريم هي «نجمة البشارة الجديدة»، ومحور رؤية غاودي للبازيليك.
وقال: «أراد غاودي أن يُتوج هذا السر ببوابة الإيمان -الأولى التي بناها- لكي نتعلّم، ونحن نصلي إلى الثالوث الأقدس، أن نكون مثل مريم، هيكلاً لهذا السر، وأن نعبد الله بالروح والحق». كما تأمّل البابا في اسم البازيليك، العائلة المقدسة، وفي المشاهد الفنية في بوابة الرجاء بواجهة المهد، والتي تُصوّر الهروب إلى مصر ومجزرة الأبرياء، والتي قال أنها تعكس معاناة الضعفاء في عالم اليوم.
وقال: «جسّد غاودي ذلك في بوابة الرجاء، معبّرًا بوجوه العمّال عن الآلام والصعوبات التي توحّدهم بآلام العائلة المقدسة، وبالمنفى إلى مصر الذي تعيشه عائلات فقيرة كثيرة تبحث عن مستقبل أفضل أو تهرب من الشر، وبموت الأبرياء الذين ينضمون إلى ضحايا بيت لحم».
وفي حين تستقطب ساغرادا فاميليا آلاف الزوّار سنويًا، يرى الكاردينال خوان خوسيه أوميلّا، رئيس أساقفة برشلونة، أن زيارة البابا لاون الرابع عشر تمثل لحظة مفصلية في تاريخها الطويل. وأشار إلى شعار الزيارة: «ارفعوا عيونكم»، قائلاً إن البابا «يأتي بطريقة ما، ليرشدنا نحو الصليب».
وأضاف في مؤتمر صحفي: «نحن ذاهبون لننظر إلى يسوع المسيح الذي يجمعنا، وسنستمع إلى البابا». ولفت إلى أن المفكرين الكلاسيكيين تحدثوا عن ثلاثة صفات لله: الخير، والحق، والجمال. وقال: «أعتقد أن زيارة البابا ترمز إلى هذه الأمور. هناك جمال عظيم، ليس فقط جمال ساغرادا فاميليا المذهل، بل أيضًا جمال أعمال المحبة، وجمال الحياة التعليمية، وجمال التعليم المسيحي، والنشاط اليومي للكنيسة، وجمال الليتورجيا».