موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٢ فبراير / شباط ٢٠٢٦
الكاردينال زيناري ينهي مهمته كسفير بابوي في سوريا

أبونا وفاتيكان نيوز :

 

في عام 2021، وعند بلوغه الخامسة والسبعين (وهو سن "التقاعد" المتعارف عليه)، قدّم استقالته من منصبٍ لم يكن بالنسبة إليه، طوال ما يقارب سبعة عشر عامًا، مجرد مهمة دبلوماسية، بل رسالة حقيقية: خدمته كسفير بابوي في دمشق، ممثّلًا للبابا ومرجعًا للكنيسة الجامعة في سوريا «الشهيدة».

 

غير أنّ البابا فرنسيس رفض الاستقالة، وقرّر الإبقاء عليه في منصبه «لأجل غير مسمّى»، وهو قرار فسّره الكاردينال ماريو كعلامة جديدة على اهتمام الكرسي الرسولي بشعبٍ مجروح بالحرب والفقر، يتخبّط في دوّامة أزمات لا تنتهي، وكان يرى فيه مرجعًا ثابتًا وصوتًا موثوقًا.

 

 

«محارب قديم»

 

لكن بعد خمس سنوات، ومع بلوغه الثمانين من العمر في 5 كانون الثاني، يختتم الكاردينال ماريو زيناري خدمته الطويلة كممثّل بابوي في واحدة من أكثر بقاع العالم جراحًا. وقد أُعلنت استقالته رسميًا اليوم، 2 شباط، في نشرة دار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي.

 

ورغم الطابع المقتضب للخبر الرسمي، فإن خلفه قصة كبيرة.

 

إنها قصة كاهن من روزيغافيرو دي فيلافركا دي فيرونا، تدرّب في الأكاديمية الحبرية الكنسية، وسرعان ما أصبح ما كان يصف نفسه به: «محاربًا قديمًا»، خدم سفيرًا بابويًا في مطلع الألفية في ساحل العاج والنيجر وبوركينا فاسو، ثم بين عامي 2004 و2008 في سريلانكا. وفي عام 2008، وطأت قدماه سوريا للمرة الأولى، إثر تعيينه في 30 كانون الأول من قبل البابا بندكتس السادس عشر.

 

في ذلك الوقت، كانت سوريا مختلفة تمامًا عمّا نعرفها اليوم، وعمّا عرفها جيلٌ كامل من الشباب والأطفال الذين لم يعرفوا في حياتهم سوى ويلات الحرب وأهوالها. كانت البلاد تعيش استقرارًا ظاهريًا وانفتاحًا اقتصاديًا، مع ازدهار في السياحة، وإن كانت تعتريها توترات اجتماعية كامنة.

 

ثم جاء عام 2011: اندلاع النزاع، الانتفاضات، مجازر داعش… وكان زيناري حاضرًا دائمًا، ممثلًا للبابا، يضطلع بأعمال دبلوماسية ووساطة من أجل حلّ سلمي للصراعات، وفي الوقت عينه في العمل الإنساني، قريبًا من الناس، مواسيًا ومشجّعًا في ما كان يصفه مرارًا بـ«الجحيم على الأرض».

 

 

تنديد ومعاناة

 

لم يُخفِ الكاردينال زيناري يومًا الصعوبات، حتى الشخصية منها، التي عاشها في سوريا. لم يتردّد في الحديث عن «كارثة إنسانية»، وعن أملٍ «مات» في قلوب الناس، ولا سيما الشباب، الذين لا يزالون حتى اليوم ينزفون وسط تغيّرات سياسية واجتماعية متلاحقة.

 

وكان صوته واضحًا في التنديد بالنسيان الدولي للصراع، وبآثار العقوبات الاقتصادية التي تطال الشعب، وبالفقر المتفشّي الذي يدفع الناس للوقوف ساعات طويلة في طوابير من أجل رغيف خبز، أو لدفع راتب شهر كامل ثمنًا للوقود.

 

كانت كلماته قوية، لكن من دون صراخ؛ يقولها بنبرة هادئة، وبملامح يختلط فيها الألم بالإرهاق، نتيجة ما رآه وعاشه: حرب، قصف، جوع… ثم، وكأن ذلك لا يكفي، زلزال عام 2023 الذي دمّر الشمال السوري، فسارع الكاردينال زيناري إلى قيادة سيارته من دمشق إلى حلب، ناقلًا في صندوقها براميل من المازوت، الذي كان شحيحًا وصعب المنال.

 

 

كاردينال منذ 2016

 

منذ عام 2016، أدّى زيناري مهمته كسفير بابوي وهو يرتدي القلنسوة الحمراء، بعد أن منحه البابا فرنسيس الرتبة الكاردينالية في الكونسيستوار الثالث في حبريته. وكان ذلك قرارًا غير مسبوق، كسر تقليدًا استمرّ قرنًا من الزمن، حيث كان يُمنح الدبلوماسيون البابويون عادة الدرجة الأسقفية فقط، ولا يُرفع بعضهم إلى الكاردينالية إلا بعد تغيير مهمتهم.

 

كما شكّل ذلك حدثًا فريدًا في تاريخ الكنائس الكاثوليكية الشرقية، إذ مُنحت الرتبة الكاردينالية، للمرة الأولى، لا لأحد أساقفة الكنيسة المحلية، بل لرئيس البعثة الدبلوماسية الفاتيكانية. وعلّق زيناري على اختيار البابا بكلمات قليلة: «لفتة محبة». وأضاف: «لفتة محبة للشعب السوري الشهيد، ودعمٌ للدبلوماسية في آنٍ معًا». وبمنحه هذه الرتبة، أكّد البابا، بحسب ما شدّد عليه السفير «القيمة الإضافية لهذا الحضور، وللجهود الدبلوماسية الرامية إلى حلّ الأزمة». وقال: «أشعر بتشجيع كبير في خدمتي».

 

وكانت الكاردينالية تعني عمليًا بقاء زيناري في دمشق. لا أنه كان يفكّر في الرحيل، إذ قال يومًا: «كيف يمكن لممثّل البابا أن يكون موثوقًا إن هرب من المكان الذي هو بأمسّ الحاجة إليه؟ بالنسبة إليّ، هذه الرسالة شرفٌ من الله، وتجربة إنسانية عميقة ومؤثرة».

 

امتدّت إقامة الكاردينال زيناري في سوريا لأكثر مما كان متوقّعًا، خاصة في ظل التعقيدات السياسية التي قد تترتّب على استبدال الممثّل البابوي. وفي كانون الأول 2024، شهد أيضًا سقوط نظام بشار الأسد، وبروز القيادة الجديدة برئاسة أحمد الشرع. وهكذا، مع إعلان الاستقالة اليوم، تنتهي مهمّة «سفير ميداني»، دبلوماسي طويل الباع، وراعٍ أمين لقطيعٍ متألّم، في واحدة من أكثر بقاع العالم جراحًا.