موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأحد، ٢٢ فبراير / شباط ٢٠٢٦
الكاردينال زيناري: 17 عامًا كسفير بابوي في سوريا بين الحرب والسعي نحو الوحدة

أبونا :

 

"معاناة الأطفال" التي "كرّس لها قبعته الكاردينالية"، و"وجوه المفقودين" حتى داخل المجتمع المسيحي، "مثل مطراني حلب، والأب باولو دالوليو". هي الذكريات التي يحملها الكاردينال ماريو زيناري من مهمته الدبلوماسية في سوريا التي امتدت سبعة عشر عامًا، وهي فترة مدّدها البابا فرنسيس بعد انتهاء مدتها، وانتهت مطلع شباط بعد تقديم استقالته، بعد فترة وجيزة من بلوغه الثمانين من عمره.

 

ويروي الكاردينال في مقابلة مطوّلة مع آسيا نيوز، وترجمها موقع أبونا، أن الحروب والعنف خلّفت وراءها "سوريا مُدّمرة ومُهانة"، أرض كانت ذات يوم "نموذجًا يحتذى به في التعايش، فسيفساء بدأت اليوم تتصدع". ولهذا السبب ستكون "الأسس" التي "يُبنى عليها مستقبل الأمة" هي "وحدة المعاناة" و"مواطنة الدم"، بينما يقع على عاتق المسيحيين [اللذين غادر نحو 80% منهم البلاد] مهمة "أن يكونوا بمثابة الرابط بين الأطراف" و"ضامنين ومروجين لهذه الوحدة، وأن يعملوا كجسر".

 

 

وفيما يلي النص الكامل للمقابلة:

 

 

في البدء، ما الذي تتذكرونه عن تعيينكم سفيرًا بابويًا لدى سوريا؟

 

بعد سبعة عشر عامًا، بات الحمل العاطفي أثقل من الأمتعة المادية. ما زلت أستحضر تلك اللحظات الأولى بوضوح. عندما طلب مني أمين سرّ دولة حاضرة الفاتيكان [الكاردينال تارشيزيو بيرتوني] أن أتوجّه إلى سوريا، أجبت فورًا بالموافقة. خرجت من مكتبه وطلبت ورقًا وظرفًا لأكتب قبولي بسرور لاقتراح البابا بندكتس السادس عشر. كان ذلك عشية سنة القديس بولس، وكنت أتطلّع إلى هذه الخبرة في دمشق باهتمام بالغ.

 

 

وما كان انطباعكم الأول عن البلاد؟

 

أُعلن التعيين رسميًا في 30 كانون الأول 2008 مع نشر المرسوم، لكنني وصلت إلى سوريا مطلع عام 2009، وكانت الاحتفالات بالذكرى الألفية الثانية لميلاد القديس بولس قد بدأت. في دمشق، مدينة القديس، كانت التجربة منذ اللحظة الأولى مميّزة، ولا أظنّ أنّ زمنًا ومكانًا كانا أنسب لإحياء تلك الذكرى. كانت البلاد آنذاك حيوية، حتى على صعيد الحضور المسيحي. ثم جاءت مأساة الحرب، ورحيل بشار الأسد، والقيادة جديدة...

 

 

كيف تنظرون إلى سوريا اليوم مقارنةً بما كانت عليه عند وصولكم؟

 

سوريا التي غادرتها الأسبوع الماضي ليست هي التي عرفتها قبل سبعة عشر عامًا. عشت، بوصفي سفيرًأ بابويًا، ثلاث مراحل متمايزة: عامين قبل اندلاع الحرب، ثم أربعة عشر عامًا من الصراع الدامي، وأخيرًا العام الأخير مع التحوّل الجديد [عقب سقوط بشار الأسد وصعود ميليشيات هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع]. إنها مراحل مكثّفة للغاية، غيّرتني إنسانيًا بعمق؛ فأنا اليوم لست الشخص ذاته بعد هذه التجربة الثقيلة.

 

 

ما أكثر ما ترك أثرًا فيكم خلال هذه السنوات؟

 

معاناة الشعب. معاناة هائلة، هائلة، هائلة. نحن نتحدث عمّا وُصف بأنه أخطر كارثة إنسانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. الأرقام وحدها كافية: نصف مليون ضحية، بينهم 29 ألف طفل؛ ثلاثة عشر مليون لاجئ، أي أكثر من نصف السكان؛ سبعة ملايين نازح داخلي.

 

حتى اليوم، لا تزال سوريا البلد الذي يضم أكبر عدد من النازحين داخليًا في العالم؛ ستة ملايين لاجئ في الدول المجاورة؛ وأكثر من مئة ألف مفقود، بعضهم عرفتهم شخصيًا. كانت خبرة منحَتها العناية الإلهية لي، شديدة الكثافة، وما زلت أحاول أن أستوعبها تدريجيًا بعد انتهاء مهمتي.

 

 

بعد الحرب و"قنبلة الفقر" والانقسامات، ماذا بقي من دوّامة العنف؟

 

سوريا مدمَّرة ومُهانة بفعل سنوات الحرب هذه. دُمرّت، قبل كل شيء، على صعيد التماسك الاجتماعي. كانت نموذجًا للتعايش، فسيفساء متعدّدة بدأت تتصدّع. لقد تضرّر النسيج الاجتماعي، كما تضرّرت البنية التحتية: مستشفيات، مدارس، مصانع. وللدلالة، حتى قبل عام واحد لم يكن التيار الكهربائي متوافرًا إلا ساعة واحدة يوميًا.

 

 

وماذا صمد أمام الدمار؟ ما الذي عجزت الحرب والفقر عن تدميره؟

 

صمود الشعب السوري العظيم. كثيرون يتساءلون كيف استطاع الناس البقاء رغم هذه المحنة الرهيبة، فيما يعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر. لقد أُعجب الجميع، بمن فيهم أنا، بهذا الصمود، بهذه القدرة على المقاومة والتحمّل والاستمرار.

 

 

ما أهمية دور السفراء البابويين اليوم، ولا سيما في مناطق النزاع؟ وما نصيحتكم لدبلوماسي فاتيكاني شاب؟

 

إنّ التنشئة في الأكاديمية الحبرية الكنسية بالغة الأهميّة، إذ نتعلّم قواعد ومعايير لا تتغيّر. غير أنّ المطلوب أيضًا قدرة عالية على التماهي مع سياق التاريخ، إذ لا تتوافر دائمًا توجيهات واضحة ومحدّثة ودقيقة. ينبغي الاستعداد للتكيّف مع الواقع، والنظر إلى الشخص الذي تحاوره قبل أي شيء.

 

عندما دخلت الإكليريكية ورُسمت كاهنًا في فيرونا عام 1970، كان حلمي أن أكون كاهن رعية، ويفضّل في الريف. ربما لذلك وُصفت بـ"السفير الميداني" أو "سفير الحرب". لم أتخيّل أن أجد نفسي في مثل هذه المهمة. لكن علينا أن نكون منفتحين على ما يفرضه علينا التاريخ والظروف. أقول للسفراء البابويين: عيشوا مع الناس، وكونوا قادرين على التعاطف مع أوضاعهم، متجاوزين القواعد الدقيقة والمفصلة التي يمكن تعلمها. كونوا منفتحين، وتأقلموا مع الواقع، بمعونة الله.

 

 

سفير وكاردينال معًا… في تعيين مفاجئ من البابا فرنسيس...

 

في أول مقابلة لي [بعد التعيين]، تحدثت عن اللون الأحمر علامةً على الدم، وقدّمته عربونًا لضحايا سوريا الأبرياء، ولا سيما الأطفال. منذ وصولي أدركت أنني أمام أمة شهداء. يكفي أن نذكر القديس إغناطيوس الأنطاكي، والقديسين قزما ودميان.

 

في زمن الرومان كانت سوريا أمة شهداء، وبقيت كذلك عبر الزمن: من شهداء دمشق عام 1860، الذين أُعلن بعضهم قديسين قبل عامين، إلى شهداء 22 حزيران الماضي الذين قُتلوا في الهجوم الإرهابي المروّع خلال الاحتفال بالقداس الإلهي في كنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس في دمشق.

 

 

هل عزّزت "مسكونية الدم" الروابط بين الكنائس؟

 

العلاقات المسكونية جيّدة جدًا. لكل كنيسة –الشرقية والكاثوليكية والأرثوذكسية– شهداؤها، وبعضهم عرفتهم شخصيًا، ما يبرّر الحديث عن "مسكونية الدم" [بين المسيحيين]. غير أنّ هناك أيضًا "مواطنة الدم" التي توحّد الجميع. المسيحيون أنفسهم يناضلون من أجل مفهوم المواطنة، مواطنة تتقدّم حتى على مسكونية الدم.

 

 

وهل هذا ما يوحّد السوريين اليوم؟

 

بالتأكيد، هذا هو القاسم المشترك الذي يجمع جميع السوريين: مواطنة الدم. وعلى هذا الأساس ينبغي أن تُبنى سوريا الجديدة. الجميع تألّم، حتى في الآونة الأخيرة، كما يتضح من الصور المرّوعة التي التقطت في آذار الماضي على ساحل البحر الأبيض المتوسط [مجزرة العلويين التي لم تستثنِ المسيحيين]، أو أعمال القتل الوحشية التي وقعت في تموز الماضي في منطقة السويداء، حيث كانت الغالبية العظمى من الضحايا من الطائفة الدرزية، إلى الاشتباكات مع الأكراد.

 

إذا كان الدم والألم هما القاسم المشترك، فلنجعل منهما أساسًا للأخوّة والمواطنة السورية. وإذا كانت هناك نجاحات اليوم على المستوى الدولي، حيث استقبل الرئيس [المؤقت أحمد الشرع] في البيت الأبيض من قبل دونالد ترامب إلى دعوته لإلقاء كلمة في الأمم المتحدة، فإن المشاكل الداخلية لا تزال قائمة بين الفصائل.

 

 

ما دور المسيحيين في هذه المرحلة الدقيقة؟

 

للمسيحيين مهمة بالغة الأهمية، حتى وإن كانت الأرقام مُرعبة، إذ نعلم من مصادر موثوقة أننا فقدنا 80% من المسيحيين من جميع الكنائس، بمن فيهم الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت، الذين غادروا البلاد. مع ذلك، تقع على عاتق من بقوا رسالة تتمثل في أن يكونوا ركيزةً وضامنين ومُعززين لهذه الوحدة الداخلية، وأن يكونوا جسرًا للتواصل. هذه مهمة لا يُمكن إنجازها ارتجالاً، بل تتطلب سنوات من العمل الدؤوب. ما زلت أرى مستقبلاً واعدًا للمسيحيين في سوريا: حتى وإن كانوا مجموعة صغيرة، فإن دورهم كجسر للتواصل سيكون جوهريًا!

 

 

من بين هذه السنوات السبع عشرة، هل هناك وجه أو صورة أو حدث ذو دلالة خاصة ما زلت تتذكره وتحتفظ به في ذاكرتك الآن بعد انتهاء مهمتك كسفير بابوي في سوريا؟

 

صورتان: معاناة الأطفال، ووجوه المفقودين، بعضهم مفقود منذ 13 عامًا، وكنت أعرفهم شخصيًا، بمن فيهم مسيحيون مثل مطراني حلب [مطران السريان الأرثوذكس يوحنا إبراهيم ومطران الروم الأرثوذكس بولس يازجي]، وكذلك الأب اليسوعي الإيطالي باولو دالوليو، الذي ما زلت أذكره في قلبي. هناك أكثر من 100 ألف مفقود، معاناة هائلة، وما زلت أحافظ على تواصل مع عائلات منهم. هنا أيضًا تتجلى مسكونية الألم، التي مع مواطنة الدم، تؤسّس لبناء سوريا جديدة.

 

 

وما الذي يخبئه  لكم المستقبل؟

 

أحاول أن أستريح، فقد عدت من سوريا منهكًا للغاية، وأيضًا بسبب سني [بلغتُ الثمانين في الخامس من كانون الثاني]. أعتزم، على الأقل خلال الأشهر القليلة القادمة، الاستقرار في دار القديسة مرتا، حيث كان يقيم البابا فرنسيس، والتي تستضيف اليوم سبعين كاهنًا يعملون في الفاتيكان، بالإضافة إلى بعض السفراء البابويين. أودّ أن أمارس بعض الأعمال الرعوية كمساعد، ولمَ لا ككاهن رعية في الريف. فما زال هذا الحلم يرافقني.