موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
كانت تلك الخطوات بين أزقّة وبساتين الزيتون في بلدة القنية، التابعة لمحافظة إدلب السورية، حدثًا تاريخيًا - بل ربما أكثر من ذلك: ولادة حقيقية. فأهالي القرية لم يشهدوا مرور حارس الأراضي المقدسة بينهم منذ أربعة عشر عامًا، منذ أن أدّى النزاع إلى سفك الدماء وبثّ اليأس، وفرض قيودًا خانقة على أبسط أشكال التنقّل.
وبعد أن تمكّن الأب فرانشيسكو يلبو من العودة رسميًا بصفته حارسًا للأراضي المقدسة، بين 9 و13 شباط الحالي، في مناسبة انعقاد مجمع الرهبان الفرنسيسكان العاملين في سوريا، عاد ذلك الرابط الذي بدا وكأنه انقطع ليتجدّد ويغدو أقوى من ذي قبل.
لم تقتصر زيارة الأب يلبو على لقاء الإخوة الفرنسيسكان في مراكزهم الرسولية في حلب ودمشق واللاذقية واليعقوبية، بل شملت أيضًا زيارة عدد من العائلات. وفي حديثه لفاتيكان نيوز، قال: «تمكّنتُ من احتساء القهوة مع بعضهم. وأكبر مأساة عاشوها كانت التهجير القسري للشباب بعد وصول الجماعات الجهادية. وقد أخبرني كبار السن الذين بقوا: كنّا نظن أننا سنموت من دون أن نرى أبناءنا مجددًا. لكن عودتهم كانت فرحًا لا يُوصَف».
وفي عيون هذا الشعب المتعب والمجروح، لمس حارس الأراضي المقدسة إرادة عدم الاستسلام، والرغبة في العمل من أجل المستقبل. وأضاف: «لاحظتُ بشكل خاص روح التضامن الكبيرة بينهم؛ فالقليل الذي يملكونه يتقاسمونه بمحبة، ويساند بعضهم بعضًا بكرامة عالية».
ورغم استمرار حالة عدم الاستقرار والضبابية في البلاد، أشار الأب يلبو إلى بروز بوادر أمل وحياة طبيعية في الأفق: «كثير من المتاجر أعادت فتح أبوابها، ونرى مزيدًا من الناس في الشوارع».
أما الكنائس، فباتت أكثر امتلاءً من قبل، ولا سيما بالشباب والكشافة، إضافة إلى أطفال التعليم المسيحي الذين يتوقون إلى الانطلاق من جديد. وأوضح: «من جهة، هناك أزمة اقتصادية خانقة وارتفاع كبير في أسعار المواد الأساسية، ومن جهة أخرى هناك إحساس بأن نهضةً ما بدأت تتشكّل، رغم كل ما يرافقها من تساؤلات وتحديات».
حملت الزيارة في يومها الأول بُعدًا رمزيًا قويًا تمثّل في عناق الحارس لكلّ واحد من رهبانه، في لفتة بدت وكأنها تمحو سنوات العزلة القسرية. وقال: «باسم حراسة الأراضي المقدسة أردتُ أن أقدّم علامة امتنان لكل الشعب المسيحي الذي حافظ على إيمانه طوال هذه السنوات الصعبة».
ويرى حارس الأراضي المقدسة الأب فرانشيسكو يلبو عودة العائلات إلى قريتين مسيحيتين صغيرتين قرب اليعقوبية، بعد استعادة أراضيها ومنازلها، وفي امتلاء الشوارع مجددًا بأصوات الأطفال، رسالة سلام عميقة «تُنعش قلب كل واحد منّا».