موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ليس كلّ الذين صنعوا فرقًا في حياة البشر دخلوا كتب التاريخ، وليس كلّ الذين أضاءوا عتمة الآخرين تركوا وراءهم صورًا أو ألقابًا أو حكايات تُروى. هناك أناس عاشوا ومضوا بصمت، لكنّ أحدًا ما استطاع أن يكمل حياته بفضل كلمة قالوها، أو يد امتدّت في اللحظة المناسبة، أو محبّة لم تتخلَّ عنه حين تخلّى الجميع. ربّما لم يعرف العالم أسماءهم، لكنّ أثرهم بقي حيًّا في ذاكرة القلوب.
في عيد جميع القدّيسين، لا تحتفل الكنيسة بالأسماء التي عرفناها فحسب، بل ترفع نظرنا إلى تلك الجماعة الواسعة من الذين عاشوا مع الله، وأحبّوا بصدق، وأكملوا مسيرتهم في أمانة، بعيدًا عن الأضواء. إنّه عيد يذكّرنا بأنّ القداسة أوسع من صفحات السير، وأعمق من الصور المعلّقة على جدران الكنائس، وأنّ وراء تاريخ الكنيسة المعلن تاريخًا آخر كتبته حياة أشخاص لم يسمع بهم أحد.
فكم من أمّ أمضت سنوات عمرها في العطاء، ولم تعتبر ما فعلته إنجازًا يستحقّ الذكر؟ وكم من أب حمل هموم أسرته بصمت، وواصل العمل رغم التعب، ليمنح أبناءه فرصة لحياة أفضل؟ وكم من معلّم رأى في تلميذ مهمَل إمكانيّة تستحقّ الإيمان، فغيّر بكلمة مشجّعة مسار حياة كاملة؟ وكم من إنسان فتح بيته أو قلبه لغريب، أو اختار أن يبقى إلى جانب مريض ووحيد، حين كان الانصراف أسهل؟
قد لا تحمل هذه الوجوه أسماءً نعرفها في تقويم الكنيسة، لكنّها تذكّرنا بأنّ القداسة ليست دائمًا حدثًا استثنائيًّا يلفت الأنظار؛ فقد تكون مسيرة طويلة من الأمانة، وقرارات صغيرة لا يراها أحد، واختيارات يوميّة لا تبحث عن مكافأة. إنّها أن يعيش الإنسان ما يؤمن به، حتى عندما لا يكون هناك مَن يراقبه أو يصفّق له.
ولعلّ ما يجعل هؤلاء الأشخاص قريبين منّا أنّهم لم يعيشوا في عالم مثالي، ولم تُعفهم المحبّة من الخيبة، ولا الإيمان من الأسئلة، ولا الخدمة من التعب. عرفوا محدوديّتهم، وربّما أخطأوا وسقطوا، لكنّهم لم يجعلوا من ضعفهم عذرًا للتخلّي عن الخير. لم تكن حياتهم بلا عثرات، بل كانت عودتهم إلى الله، وإصرارهم على المحبّة، ما أعطى مسيرتهم معناها.
إنّ الحديث عن القدّيسين الذين لم يعرف العالم أسماءهم يطرح أمامنا سؤالًا يتجاوز الإعجاب بشخصيّاتهم: ماذا سيبقى من حضورنا في حياة الآخرين؟ ليس المقصود ما سنتركه من ممتلكات أو إنجازات، بل ما إذا كان أحدهم قد وجد فينا وجهًا مطمئنًا، أو قلبًا متفهّمًا، أو يدًا لا تتأخّر عن المساعدة. فبعض الأشخاص لا يتركون وراءهم ثروة، لكنّهم يتركون في الآخرين شجاعة الاستمرار، والثقة بالخير، والقدرة على المحبّة من جديد.
وربّما هنا يكمن جمال عيد جميع القدّيسين: إنّه لا يدعونا إلى النظر إلى الماضي بإعجاب فقط، بل إلى إعادة اكتشاف القيمة التي قد نغفل عنها في الحاضر. فالقداسة ليست حكرًا على زمن مضى، ولا حكاية تخصّ أشخاصًا بعيدين عن واقعنا. إنّها دعوة يمكن أن تأخذ ملامحها في بيوتنا، وفي علاقاتنا، وفي الأماكن التي نعيش ونعمل فيها، كلّما اخترنا أن يكون وجودنا مصدر حياة لا عبئًا على الآخرين.
قد لا نعرف أسماء كثيرين ممّن عاشوا هذه الأمانة، وقد لا نعرف حتى قصصهم كاملة. لكنّنا نؤمن أنّ ما غاب عن ذاكرة البشر لم يغب عن الله؛ وأنّ المحبّة الصادقة لا تحتاج إلى شهرة كي تكون عظيمة، ولا إلى تصفيق كي يكون لها معنى. ففي النهاية، ليست العظمة أن يعرف العالم اسمك، بل أن يجد إنسانٌ ما في حياتك سببًا ليؤمن أنّ الخير ما زال ممكنًا.