موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
اعتبر البطريرك الكلداني بولس الثالث نونا أن عودة المسيحيين إلى مناطقهم التاريخية، ولا سيما في سهل نينوى، تمثّل اليوم أحد أكبر التحديات التي تواجه الوجود المسيحي في العراق، في ظل استمرار الهجرة، والتغيرات الديمغرافية، ونقص الخدمات، وحالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة.
وفي مقابلة موسّعة مع فاتيكان نيوز، بعد أربعة أشهر على انتخابه بطريركًا، تحدث البطريرك نونا عن واقع المسيحيين ومستقبلهم، وعن الشباب العراقي الذين فقد كثير منهم الأمل بمستقبل أفضل في وطنهم، كما استعاد الذكريات المؤلمة لليلة 6-7 آب 2014، عندما اضطر عشرات الآلاف من المسيحيين إلى الفرار من بلداتهم وقراهم في سهل نينوى أمام تقدم تنظيم داعش.
وفي الوقت نفسه، أبدى البطريرك تطلعًا إلى استئناف العمل المشترك بين الأساقفة الكاثوليك في العراق، مع انعقاد اجتماع مجلس الأساقفة الكاثوليك في 28 آب الحالي في عنكاوا، قرب أربيل، بعد توقف الاجتماعات الجماعية منذ عام 2021.
عودة العمل المشترك بين الأساقفة
وأوضح البطريرك أن الاجتماع المرتقب سيبحث في ضرورة انعقاد مجلس الأساقفة بصورة دورية، إلى جانب قضايا أساسية تتعلق بالوجود المسيحي في العراق وسبل حماية الجماعات المسيحية والمناطق التي تتمتع فيها بجذور تاريخية.
كما ستتناول المناقشات عمل اللجنة المشتركة للتعليم المسيحي، والمحاكم الكنسية، ورابطة كاريتاس، فضلًا عن تعزيز التعاون بين مختلف الكنائس الكاثوليكية في البلاد. وشدّد البطريرك نونا على أهمية المسيرة السينودسية والعمل المشترك، معتبرًا أن التعاون بين الكنائس يجعلها أكثر قوة وقدرة على التفكير والعمل في خدمة المؤمنين.
وقال إن أحدًا لا يستطيع القيام بكل شيء بمفرده أو تحقيق كل ما يطمح إليه اعتمادًا على إمكاناته وحدها، لافتًا إلى أن اتصالاته بالأساقفة أظهرت رغبة واضحة لديهم في استئناف الاجتماعات والعودة إلى العمل المشترك.
العراق بين الاستقرار ومخاوف المنطقة
وفي قراءته للوضع العراقي، قال البطريرك إن الحالة الأمنية داخل البلاد تُعدّ، بصورة عامة، جيدة، إلا أن العراق لا يعيش بمعزل عن التوترات الإقليمية، ولا سيما الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، الذي بدأت انعكاساته تظهر على الاقتصاد وعلى الحياة اليومية للسكان.
وعلى المستوى السياسي، أعرب عن أمله في أن يتمكن الحكومة الحالية من إحداث تغيير حقيقي وتعزيز بناء دولة قوية تستند إلى مؤسسات راسخة، مع التركيز بصورة خاصة على مكافحة الفساد. ووصف الفساد بأنه العدو الرئيسي للأمة، مشيرًا إلى أن حماية الحقوق الفردية تبقى مرتبطة أيضًا بالقدرة على معالجة الفساد المالي، فضلًا عن الحد من تأثير المال والنفوذ السياسي في عمليات اتخاذ القرار.
أما في ما يتعلق بحقوق الإنسان، فأوضح البطريرك الكلداني أن العراق لا يشهد، في نظره، انتهاكات جسيمة ومنهجية ناتجة عن توجه رسمي عام، إلا أن ذلك لا يعني غياب التجاوزات والمشكلات، ولا سيما في بعض القضايا المتعلقة بالممتلكات، أو بطريقة تعامل بعض المؤسسات مع أفرادها، أو في العلاقات بين الأشخاص.
الشباب فقدوا الأمل
إلا أن أكثر ما يثير قلق البطريرك اليوم هو واقع الشباب العراقي.
وقال إن المشكلة الأساسية التي يعانون منها هي فقدان الأمل، موضحًا أن كثيرًا من الشباب فقدوا الثقة بالمستقبل وبأرضهم ووطنهم، حتى بات هذا الشعور يؤثر في استعدادهم للعمل والمشاركة وبناء حياتهم والمساهمة في بناء المجتمع.
ورأى أن هذه الأزمة تمثّل تحديًا بالغ الخطورة، لأن مستقبل أي بلد يعتمد بدرجة كبيرة على مشاركة شبابه وقدرتهم على تحمل المسؤولية والمساهمة في الحياة العامة. وتتفاقم المشكلة مع قلة فرص العمل وصعوبة إيجاد الشباب مكانًا لهم داخل المجتمع يمكنهم من تحقيق ذواتهم وبناء مستقبل مستقر.
وبالنسبة إلى الشباب المسيحي، يضاف إلى كل ذلك تحدٍّ آخر يتمثل في الرغبة المتزايدة في الهجرة.
وأشار البطريرك إلى أن هذه الظاهرة انعكست حتى على تكوين العائلات، إذ انخفض عدد الزيجات بصورة ملحوظة، لأن كثيرًا من الشباب لا يرغبون في تأسيس أسرة داخل العراق وهم يفكرون في مغادرة البلاد، فيما يتردد آخرون في الزواج بسبب حالة عدم اليقين التي تحيط بالمستقبل. وحذّر من أن استمرار هذه الحالة يهدد مستقبل المجتمع نفسه، لأن الشباب هم الذين يبنون الأوطان، وإذا غاب حضورهم ومشاركتهم والتزامهم، أصبح المستقبل أكثر هشاشة.
المسيحيون... أمن أفضل ولكن تحديات مختلفة
وعن الوضع الأمني في المناطق ذات الحضور المسيحي التاريخي، أكد البطريرك نونا أن المشكلات الأمنية التي طبعت السنوات الماضية لم تعد موجودة بالصورة نفسها، وأن الوضع الحالي أفضل بكثير. لكن انتهاء الخطر الأمني المباشر لم يؤدِّ إلى انتهاء أزمة المسيحيين. فثمة، بحسب البطريرك، تحديات أخرى تتعلق بالتغير الديمغرافي، وقلة أعداد المسيحيين الذين عادوا إلى مناطقهم الأصلية، فضلًا عن النقص في بعض الخدمات الأساسية.
كما يبقى القلق قائمًا من أن تؤدي الصراعات الإقليمية إلى جرّ العراق مجددًا إلى مواجهة لا يريدها، أو تحويل أراضيه إلى ساحة صراع بين أطراف مختلفة. وقال إنه لم تقع حتى الآن مشكلات خطيرة على هذا المستوى، لكن الخشية من التداعيات الإقليمية لا تزال حاضرة.
ليلة لا تُنسى في سهل نينوى
وتوقف البطريرك بصورة خاصة عند الذكرى الثانية عشرة لليلة 6-7 آب 2014، عندما اضطر عشرات الآلاف من المسيحيين إلى مغادرة بلداتهم وقراهم في سهل نينوى هربًا من تقدم تنظيم داعش. وكان البطريرك نونا آنذاك رئيس أساقفة الكلدان في الموصل، فعاش الساعات العصيبة إلى جانب أبناء شعبه، وسط حالة من الخوف والفوضى وعدم اليقين.
وقال البطريرك الكلداني مستعيدًا تلك الساعات: «تلك اللحظة وتلك الليلة لا يمكن نسيانهما بسهولة. إنهما تبقيان محفورتين في الذاكرة وتتركان أثرًا عميقًا في الحياة». ويتذكر البطريرك عشرات الآلاف من العائلات وهي تهرب، بعضها في السيارات وبعضها الآخر سيرًا على الأقدام، فيما كان الخوف ظاهرًا في عيون الناس.
أما المشهد الذي لا يزال حاضرًا في ذاكرته بصورة خاصة، فهو بكاء الأطفال وسط ذلك النزوح الجماعي. وقال البطريرك نونا إن مصدر قلقه الأكبر في تلك الساعات كان الأشخاص الذين لم يكونوا قد أدركوا بعد ضرورة مغادرة منازلهم، ما دفعه إلى الاتصال بهم وحثهم على الخروج بأسرع ما يمكن قبل وصول مسلحي التنظيم.
اتصالات لإخلاء القرى
ولم يقتصر الأمر على متابعة الأحداث من بعيد.
فقد اتصل البطريرك، الذي كان آنذاك رئيس أساقفة الموصل، بكهنة عدد من قرى سهل نينوى، كما توجّه شخصيًا إلى قرى أخرى، طالبًا إخلاء السكان بأسرع وقت ممكن بعد ورود معلومات مسبقة عن نية تنظيم داعش التقدم نحو المنطقة.
وأوضح أن التأكد من وصول الجميع إلى أماكن آمنة كان من أصعب لحظات تلك الليلة وأكثرها إثارة للقلق. وزاد من صعوبة الوضع، بحسب البطريرك، عدم معرفة الجهة التي يمكن الاعتماد عليها في مواجهة الأزمة، إذ كانت مؤسسات الدولة في حالة شلل، ما اضطر الكنيسة والأهالي إلى اتخاذ القرارات وفق ما توفر لديهم من خبرة ومعلومات وما اعتقدوا في تلك اللحظة أنه الخيار الأفضل لإنقاذ الناس.
خسائر لا يمكن تعويضها
وبعد اثني عشر عامًا، يرى البطريرك أن الفارق كبير بين واقع المسيحيين آنذاك وواقعهم اليوم. فحالة الخوف الشديد التي سادت خلال سنوات سيطرة داعش لم تعد موجودة، إلا أن القلق لم يختفِ تمامًا بسبب حالة عدم الاستقرار التي تحيط بالعراق والمنطقة.
وأشار إلى أن المسيحيين خسروا الكثير خلال تلك السنوات، وأن بعض هذه الخسائر «لا يمكن تعويضه». وأبرز هذه الخسائر، بحسب البطريرك، العدد الكبير من المسيحيين الذين تركوا أراضيهم ومنازلهم، سواء بالهجرة إلى خارج العراق أو بالانتقال إلى مناطق أخرى داخل البلاد. فالحروب والصراعات المتتالية لم تؤثر في الممتلكات والبنى التحتية فحسب، وإنما تركت آثارًا عميقة في المجتمع وفي العلاقات بين مكوناته، وأثرت في قدرة الناس على النظر إلى المستقبل بثقة.
الحرية ليست داخل الكنائس فقط
وفي حديثه عن مستقبل المسيحيين، شدّد البطريرك نونا على أن الحرية الدينية لا يمكن اختزالها في قدرة المسيحي على ممارسة شعائره داخل الكنيسة. فالحرية، بحسب رؤيته، تعني كذلك أن يستطيع المسيحي الحضور والمشاركة بحرية في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والعامة، وأن يتمتع بفرص متساوية من دون عقبات مؤسساتية أو اجتماعية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه المجتمعات المسيحية التاريخية، والتي لا ترتبط فقط بالأمن، وإنما أيضًا بفرص العمل والممتلكات والاستقرار الاجتماعي والقدرة على المشاركة الكاملة في الحياة العامة.
سهل نينوى... الإعمار وحده لا يكفي
وفي حديثه عن مستقبل سهل نينوى، أقرّ البطريرك بصعوبة التنبؤ بما ستؤول إليه الأوضاع، رغم أن جزءًا كبيرًا من عملية إعادة الإعمار المادي قد تحقق. فالمشكلة، في نظره، لم تعد إعادة بناء البيوت والكنائس وحدها، وإنما إعادة بناء الوجود البشري المسيحي نفسه.
وقال إن «التحدي الأكبر الذي يتعين علينا مواجهته هو عدم عودة جميع المسيحيين إلى هذه المنطقة»، موضحًا أن أعدادًا كبيرة هاجرت إلى خارج العراق، بينما اختار آخرون البقاء في مناطق أكثر استقرارًا داخل البلاد.
وترتبط العودة، بحسب البطريرك، بجملة من العوامل، في مقدمتها الاستقرار السياسي، والثقة بأن المآسي التي عاشها المسيحيون في الماضي لن تتكرر، إلى جانب تأمين ظروف تتيح للإنسان بناء حياة مستقرة والحصول على فرصة عمل من دون تمييز أو تدخلات غير مشروعة.
المسيحيون تعبوا من الصراعات
ولفت البطريرك كذلك إلى تحدٍّ آخر يواجه سهل نينوى، ويتمثل في تنافس المكونات المختلفة على النفوذ ومحاولة استخدام المنطقة كساحة للصراع السياسي والاجتماعي.
وأكد أن المسيحيين لا يريدون الدخول في صراع مع أي طرف، مشددًا على أن أبناء الكنيسة باتوا مرهقين من سنوات النزاعات والحروب. وقال إن المسيحيين، انطلاقًا من طبيعتهم وإيمانهم، لا يسعون إلى الصدام مع أحد، وإنما يريدون أن يعيشوا في السلام والطمأنينة.
وبالنسبة إلى البطريرك فإن مستقبل الوجود المسيحي في العراق لن يتوقف على إعادة إعمار ما دمرته الحروب فحسب، بل على استعادة الثقة بالمستقبل: أن يشعر المسيحي بأنه يستطيع البقاء في أرضه، والعمل وتكوين عائلة والمشاركة في مجتمعه بحرية، من دون خوف من أن تتكرر المآسي التي دفعته في الماضي إلى ترك بيته وأرضه. وهي تطلعات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها، بعد عقود من الحروب والنزوح والهجرة، لا تزال تمثّل التحدي الأكبر أمام المسيحيين الساعين إلى ترسيخ حضورهم في أرض عاشوا فيها منذ قرون.