موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
على مكتب هند قبوات، المحامية والأستاذة الجامعية والناشطة، والمرأة الوحيدة والمسيحية الوحيدة التي تشغل منصبًا وزاريًا في الحكومة السورية الانتقالية، لا توجد صور لشخصيات سياسية أو لأفراد عائلتها. وبدلاً من ذلك، تحتفظ بصورة للأب باولو دالوليو، الكاهن اليسوعي الإيطالي الذي كرّس حياته لبناء العلاقات والحوار بين الأديان في سورية.
وقالت قبوات، في حديث إلى فاتيكان نيوز على هامش مؤتمر للحوار بين الأديان في روما: «كان مرشدي. هو من علّمني الحوار». ويشكّل الحوار مفهومًا أساسيًا بالنسبة إلى قبوات، التي كرّست جزءًا كبيرًا من مسيرتها المهنية، قبل تعيينها وزيرة للشؤون الاجتماعية والعمل عام 2025 عقب سقوط نظام الأسد، للعمل من أجل بناء السلام وإطلاق المبادرات المشتركة بين الأديان.
كما يشكل الحوار قضية مهمة بالنسبة إلى الحكومة التي تعمل فيها حاليًا، والتي تولت السلطة عقب الحملة العسكرية السريعة أواخر عام 2024. وتواجه الحكومة، مهمة رسم الطريق أمام بلد عالق بين توجهات إسلامية وعلمانية، وينقسم إلى مجموعات عرقية ودينية عديدة، من السنّة والأكراد والدروز والإسماعيليين والإيزيديين والعلويين والمسيحيين وغيرهم.
وفي هذا السياق، حرصت قبوات على تسليط الضوء على الإعلان، الصادر أواخر آب، عن اكتمال عملية دمج المؤسسات المدنية والعسكرية الكردية، التي كانت تتمتع سابقًا بحكم ذاتي، في الدولة السورية. وقالت قبوات: «نحن الآن على الصفحة نفسها»، واصفة عملية الاندماج بأنها واحدة من «أكبر الإنجازات» التي حققتها الحكومة الانتقالية حتى الآن.
لكن العلاقات بين المكونات العرقية والدينية في سورية ما بعد الأسد لم تكن سهلة دائمًا. ففي آذار 2025، أدت أعمال قتل استهدفت الأقلية العلوية في سورية إلى مقتل نحو 1500 شخص، فيما خلص تحقيق لوكالة رويترز إلى تورط قوات موالية للحكومة في عمليات القتل. وفي جنوب البلاد، وقعت اشتباكات بين الدروز وعشائر بدوية، فيما لا يزال تنظيم داعش يمثل تهديدًا مستمرًا في الشرق، حيث يشن هجمات ضد القوات الحكومية والقوات الكردية.
وقالت قبوات: «هناك توترات، وحدثت انتهاكات لحقوق الإنسان. وبسبب سنوات الحرب والفقر والقمع، أصبح بعض الناس طائفيين جدًا». وأضافت أن سورية بلد يعاني «ألمًا عميقًا وجراحًا عميقة»، لكنها أعربت عن ثقتها بقدرة الحوار على النجاح، وقالت: «الوضع يتحسن، بفضل حوارنا الوطني ومبادرات المجتمع المدني».
وبعد أكثر من عقد من الحرب، تشكل إعادة بناء البلاد مهمة شاقة. فإلى جانب الانقسامات الاجتماعية والمشكلات الأمنية، يتعين على الحكومة الانتقالية إيجاد سبيل لمعالجة الأزمة الاقتصادية الحادة في سورية وبناء مؤسسات قابلة للاستمرار.
وترى قبوات أن الحوار، في التطبيق العملي، يعني أن يكون كل سوري مستعدًا لتقديم قدر من التنازل.
وقالت: «إذا كان الناس متطرفين جدًا، فعليهم أن يعرفوا أنهم لا يستطيعون جعل سورية كلها متطرفة. وإذا كان الناس علمانيين جدًا، فعليهم أن يعرفوا أنهم لا يستطيعون جعل سورية كلها علمانية. يمكننا إيجاد أرضية مشتركة: نحن بحاجة إلى دستور جيد، ونحتاج إلى سيادة القانون، ويجب أن نكون جميعًا متساوين».
دور المرأة في سورية الجديدة
وترى قبوات أن أصوات النساء تشكل جزءًا أساسيًا من هذه العملية. وكانت قد تحدثت عن الدور الحاسم الذي أدته النساء في الحفاظ على النسيج الاجتماعي السوري خلال الحرب، كما أعربت عن خيبة أملها لعدم تمثيلهن بصورة أكبر في الحكومة الانتقالية الجديدة.
وكانت قد قالت لهيئة الإذاعة البريطانيةBBC في وقت سابق من هذا العام: «في اليوم الأول سألت: لماذا لا يوجد المزيد من النساء؟»، مضيفة أن الرئيس أحمد الشرع أخبرها بأنه سيتم تعيين مزيد من النساء في مناصب عليا في المستقبل. وعندما سُئلت عما إذا كان قد تحقق تقدم باتجاه هذه التعيينات، أشارت بدلاً من ذلك إلى التطورات داخل وزارتها، موضحة أن نصف المديرين الإقليميين الأربعة عشر سيكونون قريبًا من النساء.
ويشكل التنوع الديني قضية أساسية أخرى بالنسبة إلى الوزيرة السورية، وترى ضرورة إبقائه في صلب النقاشات المتعلقة بمستقبل البلاد. وتصف قبوات سورية، ذات الغالبية المسلمة السنية والتي تضم أقليات كبيرة، بأنها «فسيفساء» من الطوائف الدينية المختلفة، وتتحدث عن العقلية «غير الطائفية» لدى الشعب السوري.
وقالت عن عائلتها: «بعضنا أرثوذكس، وبعضنا كاثوليك، وبعضنا بروتستانت»، مضيفة: «أي كنيسة أراها، أدخل إليها وأصلي». وترى أن هذا الانفتاح على التنوع الديني موجود أيضًا على المستوى الوطني، وقالت: «في حياة كل مسلم سوري هناك طبيب مسيحي، أو معلم، أو صديق، والعكس صحيح».
وفي هذا السياق، ترى قبوات أن للكرسي الرسولي دورًا يمكن أن يؤديه في إعادة إعمار البلاد.
وقبل أيام قليلة من زيارتها إلى روما، قدّم السفير البابوي الجديد لدى سورية، رئيس الأساقفة لويجي روبرتو كونا، أوراق اعتماده إلى الرئيس السوري، كما عقد اجتماعًا مع قبوات.
وقالت عنه: «إنه نشيط جدًا ومفعم بالحيوية. نحن نخطط للقيام بالكثير من العمل معًا». وأضافت أن المؤسسات الكاثوليكية «تعمل مع الضعفاء، وتعمل مع الفقراء، ومع اللاجئين... عندما احتاجت سورية إليهم، كانوا موجودين من أجلنا».
أما عن احتمال قيام البابا بزيارة إلى سورية في المستقبل، فقالت: «أعتقد أنني سأصاب بنوبة قلبية من شدة الفرح».
ويبرز خلال المقابلة حجم التأثير الذي تركه الأب باولو دالوليو في حياة قبوات، وهو الكاهن الإيطالي الذي تحتفظ بصورته على مكتبها.
فمثلها، كان دالوليو من أبرز الداعين إلى الحوار بين الأديان، كما كان، مثلها أيضًا، من منتقدي نظام الأسد. وبعد طرده من سورية خلال السنوات الأولى من الثورة السورية، عاد إلى مدينة الرقة التي كانت خاضعة آنذاك لسيطرة المعارضة، وهناك اختفى من دون أن يُعرف مصيره.
وتحدثت قبوات بتأثر عن آخر لقاء جمعها به، موضحة أنها عندما وجدت نفسها، بعد سنوات، في مدينة الرقة، زارت المقهى الذي شوهد فيه دالوليو للمرة الأخيرة لكي تصلي هناك.
وتواجه الحكومة السورية الجديدة تحديات كبيرة على المستويات الاقتصادية والمؤسساتية والاجتماعية. لكن قبوات، مثل مرشدها اليسوعي، تؤمن بقدرة الحوار والتعاون على معالجة حتى أكثر القضايا تعقيدًا. وقالت: «إذا عملنا معًا، يمكننا تحقيق أشياء عظيمة. وإذا لم نفعل، فلن نصل إلى أي مكان».