موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٤ يوليو / تموز ٢٠٢٦
البابا من لامبيدوزا: لا حضارة للمحبة من دون استقبال المهاجرين وصون كرامة الإنسان

أبونا :

 

وجّه البابا لاون الرابع عشر نداءً إنسانيًا وروحيًا قويًا من جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، داعيًا إلى بناء «حضارة المحبة» القائمة على الرحمة والكرامة الإنسانية، ومؤكدًا أن مأساة الهجرة في البحر الأبيض المتوسط لا يمكن مواجهتها باللامبالاة أو الحسابات السياسية الضيقة، بل بسياسات شاملة تضع الإنسان في المقام الأول.

 

وجاء ذلك خلال القداس الإلهي الذي ترأسه السبت 4 تموز 2026 في ملعب «أرينا» بجزيرة لامبيدوزا، في إطار زيارته الرعوية للجزيرة، التي سار فيها على خطى البابا فرنسيس، الذي اختارها عام 2013 لتكون أولى رحلاته الرسولية خارج روما.

 

 

البحر المتوسط... ملتقى الحضارات لا حدود العزلة

 

استهل البابا عظته بالتأكيد أن محبة الله تسبق الإنسان دائمًا، وأن جمال البحر والجزيرة ووجوه الناس هو انعكاس لمحبته المجانية.

 

وأشار إلى أن البحر الأبيض المتوسط كان عبر التاريخ مساحة لقاء بين الشعوب والحضارات، قائلاً إن الإنجيل يزدهر حيث يلتقي الناس ويتحاورون، بينما «يصمت الإنجيل» عندما ينغلق الإنسان على نفسه ويحوّل ذاته إلى جزيرة معزولة.

 

وربط البابا هذا الواقع بمثل السامري الصالح، معتبرًا أن كلمة الله ما تزال تنير المآسي الإنسانية المعاصرة، وفي مقدمتها مأساة المهاجرين.

 

 

المهاجرون هم جريح الطريق اليوم

 

وشبّه البابا طريق الهجرة إلى لامبيدوزا بالطريق الوعرة بين أورشليم وأريحا التي يرويها الإنجيل، موضحًا أن آلاف المهاجرين هم اليوم «الرجل الجريح» الذي تعرّض للسلب والعنف وترك بين الحياة والموت.

 

وقال إن البحر احتضن أجساد الذين لم يبلغوا وجهتهم، لكن حضورهم ما يزال يخاطب ضمير العالم، تمامًا كما يخاطبنا الذين وصلوا إلى الشاطئ وهم بحاجة إلى الرعاية والمساعدة.

 

وأكد أن القريب لا يصبح قريبًا إلا عندما يختار الإنسان أن يقترب من أخيه المحتاج، معتبرًا أن هذا هو جوهر رسالة الإنجيل.

 

 

شكر لأهالي لامبيدوزا

 

ووجّه البابا شكره إلى سكان الجزيرة، وإلى المتطوعين والجمعيات الإنسانية وخفر السواحل والكهنة والرهبان والأطباء والعاملين في مختلف القطاعات، مثنيًا على روح التضامن التي أظهروها تجاه المهاجرين.

 

وقال إنهم جسّدوا عمليًا «معجزة الشفقة»، تلك الرحمة التي تغيّر القلب وتوسّع أفق الإنسان، كما حيّا المهاجرين أنفسهم، مشيرًا إلى أن كثيرين منهم اختبروا التضامن، لكنهم أيضًا مارسوه تجاه من كانوا أشد فقرًا منهم خلال رحلة الهجرة.

 

 

ضحايا قرارات اتُخذت... وأخرى لم تُتخذ

 

وتوقف البابا عند الأسباب التي تقف خلف مآسي الهجرة، مؤكدًا أن الذين فقدوا حياتهم في البحر هم «ضحايا قرارات اتُّخذت، كما هم أيضًا ضحايا قرارات لم تُتخذ».

 

وأشار إلى أن اللامبالاة، والفساد، والنظام الاقتصادي العالمي الذي يولد الفقر والإقصاء، والخوف الذي يغذي الأحكام المسبقة، واستغلال مهربي البشر لمعاناة الآخرين، إضافة إلى غياب سياسات متكاملة للهجرة، كلها عوامل تساهم في استمرار هذه المأساة الإنسانية.

 

 

حضارة المحبة

 

وشدد البابا على أن الانتماء الديني لا يجوز أن يتحول إلى سبب للتمييز أو الانقسام، لأن الإيمان المسيحي دعوة شاملة إلى الخلاص والمحبة. وقال إن المسيح هدم جدران الفصل بين البشر، مؤكدًا أن محبة الله لا يمكن فصلها عن محبة القريب، وأن الوقوف أمام آلام الآخرين والانحناء لمساعدتهم هو الطريق الحقيقي للدخول في منطق الرحمة الإلهية.

 

وأكد البابا أن العالم بحاجة اليوم إلى «حضارة المحبة» التي دعا إليها أسلافه من البابوات، موضحًا أن أهوال الحروب والعنف لا تجد جوابًا حقيقيًا إلا في الرحمة. وأضاف أن بناء هذه الحضارة لا يقوم على أعمال استثنائية، بل على مبادرات صغيرة ومتواصلة من الأمانة والخدمة، تشكل معًا حاجزًا أمام نزع الإنسانية عن الإنسان. وأشار إلى أن كل شخص، مهما كان موقعه، يتحمل مسؤولية الاختيار بين منطق القوة والكراهية أو منطق السلام والحق والرعاية.

 

 

دعوة مباشرة إلى أوروبا

 

وفي أحد أبرز محاور عظته، وجّه البابا نداءً إلى أوروبا، معتبرًا أن القارة تتحمل مسؤولية تاريخية في التعامل مع ظاهرة الهجرة.

 

وأوضح أن أوروبا تمتلك الإمكانات السياسية والثقافية والمؤسساتية التي تؤهلها لاعتماد رؤية شاملة تتجاوز إدارة الأزمات الطارئة، وتشمل استقبال المهاجرين، وحمايتهم، وتعزيز أوضاعهم، وإدماجهم، والعمل في الوقت نفسه على تنمية بلدانهم الأصلية حتى لا يضطر أحد إلى الهجرة.

 

وأكد أن هذه المسؤولية تقع على عاتق المؤسسات العامة، لكنها أيضًا مسؤولية المجتمع المدني والكنيسة.

 

 

لا تجعلوا البحر يفصل بين المأساة والرفاهية

 

كما حذّر البابا من أن تتحول السياحة في لامبيدوزا إلى سبب لتجاهل مأساة المهاجرين، قائلاً إن البعض يقيم «جدارًا غير مرئي» بين بحر يغرق فيه البشر وبحر يقضي فيه الآخرون عطلتهم. ودعا سكان الجزيرة إلى مواصلة تقديم شهادة إنسانية تجعل كل من يزورها يغادرها أكثر إنسانية، بفضل ثقافة اللقاء والاستقبال التي تميزها.

 

 

سيّدة الميناء الآمن

 

واختتم البابا عظته بالتأمل في صورة العذراء مريم «سيدة الميناء الآمن»، شفيعة لامبيدوزا، مستلهمًا من القديس أغسطينس صورة الحياة كرحلة بحرية وسط أمواج متلاطمة تبحث عن ميناء آمن. وأكد أن الله هو الميناء الآمن لكل إنسان، وأن كل جماعة مسيحية مدعوة لأن تكون انعكاسًا لهذا الميناء على الأرض، داعيًا أبناء لامبيدوزا ولينوزا إلى الثبات في الإيمان والرجاء والمحبة، ومواصلة رسالتهم كشهود للاستقبال والرحمة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط.