موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
«لكي تكونوا الكهنة الذين تحتاجهم الكنيسة اليوم، أترككم مع نصيحة مواطنكم القديس يوحنا دي أفيلا: كونوا له بالكامل. كونوا قديسين!». بهذه الكلمات وجّه البابا لاون الرابع عشر رسالة إلى كهنة أبرشية مدريد، لمناسبة انعقاد الجمعية الكهنوتية التي تُعقد في العاصمة الإسبانية يومي 9 و10 شباط.
وفي الرسالة الموقّعة في 28 كانون الثاني 2026، في تذكار القديس توما الأكويني، أقرّ الحبر الأعظم بالتحديات التي يواجهها الكهنة اليوم، معتبرًا أنّ زمن القلق والعلمانية المتنامية يتطلّب، أكثر من أي وقت مضى، تجسيد القداسة، ومساعدة الآخرين على ملء أعمق رغبات قلوبهم بحضور الرب ومحبّته.
استهلّ البابا رسالته بالتأكيد على أنّ المرحلة التي تعيشها الكنيسة تدعو الكهنة إلى التوقّف معًا للتأمّل الهادئ والصادق، «لا للانشغال فقط بالتشخيصات الآنية أو بإدارة أمور طارئة، بل لتعلّم قراءة الزمن الذي نعيشه بعمق، والتعرّف، في نور الإيمان، على التحديات والفرص التي يفتحها الرب أمامنا». وأضاف أنّ هذه المسيرة تتطلّب تربية النظرة والتدرّب على التمييز، من أجل إدراك ما يفعله الله بالفعل في وسطنا وفي جماعاتنا، وغالبًا ما يتمّ ذلك «بطريقة صامتة وخفيّة».
وشدّد البابا على أنّ قراءة الحاضر لا يمكن أن تتجاهل الإطار الثقافي والاجتماعي الذي يُعاش فيه الإيمان اليوم، مشيرًا إلى «العلمنة، وتنامي الاستقطاب في الخطاب العام، والميل إلى اختزال الإنسان عبر أيديولوجيات أو مقاربات جزئية وغير كافية». وأضاف: «في هذا السياق، يُخشى أن يُصبح الإيمان معرضًا للاستغلال، أو يُفرّغ من مضمونه، أو يُهمّش، فيما تترسّخ أنماط عيش تستغني عن أي مرجعية للمتسامي».
ولفت إلى تغيّر ثقافي عميق يتمثّل في «التلاشي التدريجي للمرجعيات المشتركة»، مذكّرًا بأنّ التربة الثقافية التي احتضنت البشارة المسيحية لقرون قد ضعفت إلى حدّ كبير، ما جعل الكثير من المفاهيم الأساسية التي ساعدت على نقل الرسالة المسيحية لم تعد واضحة، بل أحيانًا غير مفهومة. وقال: «لم يعد الإنجيل يُقابل باللامبالاة فحسب، بل وبأفق ثقافي مختلف، حيث لم تعد الكلمات تحمل المعنى نفسه، وحيث لم يعد الإعلان الأول بديهيًا».
ورغم هذا الواقع، أعرب البابا لاون عن قناعته بأنّ «قلقًا جديدًا يولد اليوم في قلوب كثيرين، ولا سيّما الشباب»، ملاحظًا أنّ التركيز المطلق على الرفاهية لم يحقق السعادة الموعودة، وأنّ الحرية المنفصلة عن الحقيقة لم تُنتج الرضا المنشود، كما أنّ التقدّم المادي وحده لم يُشبع شوق القلب الإنساني العميق. وأشار إلى أنّ هذا الفراغ المتنامي هو علامة على أنّ الله وحده قادر على ملئه.
وأكّد البابا أنّ الكنيسة اليوم لا تحتاج إلى «رجال تُقاس قيمتهم بتكاثر المهام أو بضغط النتائج»، بل إلى «رجال متشبهين بالمسيح، يسندون خدمتهم بعلاقة حيّة معه، تتغذّى من الإفخارستيا، وتتجسّد في محبّة رعوية تقوم على العطاء الصادق للذات».
وأوضح أنّ المسألة «لا تتعلّق بابتكار نماذج جديدة أو إعادة تعريف الهوية»، بل العودة إلى الكهنوت، بشغف متجدّد، في جوهره الأصيل: أن نكون على صورة المسيح، فنسمح له بأن يشكّل حياتنا، ويوحّد قلبنا، ويمنح خدمتنا عمقًا نابعًا من الألفة مع الله، والأمانة للكنيسة، والخدمة الملموسة لشعب الله.
وفي ختام الرسالة، شدّد البابا على أهمية الأخوّة الكهنوتية، مؤكدًا أنّ «لا أحد يجب أن يشعر بالعزلة أو الوحدة في ممارسة الخدمة»، داعيًا الكهنة إلى مقاومة الفردية التي «تُفقِر القلب وتُضعف الرسالة». وختم بتشجيع كهنة مدريد على الثبات في خدمتهم، داعيًا إيّاهم إلى السجود للمسيح، وأن يكونوا رجال صلاة عميقة، ويعلّموا شعبهم أن يسلكوا الطريق ذاته.