موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في رسالته لمناسبة اليوم العالمي السادس للأجداد وكبار السن، وجّه البابا لاوُن الرابع عشر رسالة رجاء إلى المسنين وكل من يشعر بأنه مُهمَل أو منسي، مستندًا إلى وعد الله في سفر أشعيا: «أنا لا أنساك». وأكد أن قيمة الإنسان لا تتراجع مع التقدم في السن، داعيًا العائلات والشباب إلى زيارة الأجداد وكبار السن ومرافقتهم بالمحبة والاهتمام، لأن الكنيسة مدعوّة إلى أن تكون بيتًا للجميع، ولا سيما لمن يعيشون الوحدة والعزلة.
وشدّد البابا على أن الهشاشة ليست سببًا للخوف أو الانسحاب، بل يمكن أن تصبح مصدر قوة ورسالة في العالم. وقال إن كبار السن مدعوون ليكونوا شهودًا للرجاء وصانعي سلام من خلال الصلاة والحكمة التي يحملونها، داعيًا إياهم إلى الاتحاد معه في الصلاة من أجل أن يحلّ السلام قريبًا في العالم. واختتم مؤكدًا أن الرب يسوع «لا ينسانا أبدًا»، وأنه يجدّد المؤمنين دائمًا في الإيمان والرجاء والمحبة.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء!
على لسان النّبي أشعيا يعد الله بأنّه لن ينسى أحدًا منّا أبدًا. ويؤكّد لنا أنّه يحمل وجوهنا منقوشة على كفَّيّ يديه (راجع أشعيا 49، 16)، وأنّ محبّته أعظم من محبّة الأمّ لابنها (راجع أشعيا 49، 15). ويجعلنا النّبي نُلقي نظرة على حوارٍ حميمٍ وعميق، يخاطب فيه الله كلَّ واحدٍ منّا، كما يخاطب الشّعب نفسه بصيغة شخصيّة. واليوم أيضًا، يمكن لكلّ واحدٍ منّا أن يقرأ هذه الكلمات وكأنّها موجَّهة إليه شخصيًّا، وأن يسمع هذه الكلمة: ”أَنا لا أَنْساك“ موجَّهةً إليه.
إنّها كلمات تملأ القلب تعزيةً وثقةً. فهي الجواب على شعورٍ مؤلم وقلب مضطرب قلق: "تَرَكَني الرَّبّ، ونَسِيَني سَيِّدي" (أشعيا 49، 14). وكم مرّة في الكتاب المقدّس، ولا سيّما في المزامير، تنبع الصّلاة من حالة ضياع يشعر فيها الإنسان بأنّ حياته لا تعني أحدًا، وأنّها مهملة! للأسف، إنّ الشّعور المؤلم بأنّ الإنسان منسيّ يصيب كثيرين، ومن بينهم عدد غير قليل من كبار السّنّ.
أمّا محبّة الله، التي لا تنسى أحدًا، فإنّها تُظهر جوابًا عادلًا على حالة التّلاشي في المجهول التي تنتهي إليها الحياة البشريّة في كثيرٍ من الأحيان. ويبدو أنّ ستارًا قد أُسدِل على حياة العديد من كبار السّنّ على وجه الخصوص، فيحجب ملامح وجوههم ويخفيها في النّسيان. هذا ما يحدث في البيوت التي يسودها الشّعور بالعزلة، وكذلك في دور الرّعاية حيث توشك فرادة كلّ إنسان أن تُختزل إلى رقم سريره أو إلى مرضه.
الاحتفال باليوم العالميّ للأجداد وكبار السّنّ هو فرصةٌ لنكتشف أنّ الكنيسة مدعوّة إلى أن تكون أمًّا للجميع، وأنّه في كلّ مرحلة من مراحل العمر يمكن للإنسان أن يكتشف من جديد أنّه ابنٌ أو ابنةٌ لله. فليكن هذا اليوم حافزًا للجميع، ولا سيّما للشباب، لكي يستعيدوا تلك العادة الجميلة، أن يزوروا أجدادهم وكبار السّنّ في عائلاتهم، وكذلك الذين لا يزورهم أحد. احملوا إليهم، بهذه الرّسالة وبحضوركم الشّخصيّ، قرب البابا ومودّته. واجعلوا كلمات النّبي "أَنا لا أَنْساك" تتجسّد في لقاءٍ حنونٍ ومفعمٍ بالمحبّة. "في عصرٍ يميل إلى السّرعة والتّجزئة، لا يزال الجسد البشريّ يطلب أن يتمّ الاهتمام والاعتراف به من قِبَل أيادٍ قادرة على الحنان، وعقول متنبّهة، وكلمات طيّبة. الثّقافة الرّقميّة تضاعف الرّوابط وتقدّم إمكانيّات جديدة للقاء، مع ذلك، يبقى قلب الإنسان بحاجة لا غِنَى عنها إلى القرب والمودّة" (رسالة بابويّة عامّة، الإنسانيّة الرّائعة، 239).
الكنيسة تعرف آلام أبنائها كبار السّنّ، وتعلَم جيّدًا أنّه يُنظر إليهم في كثير من الأحيان بأحكامٍ مسبقة ويُعتبرون عبئًا. وهي تدرك أنّ اقتصادًا يتمحوّر حول الرّبح يُضعف الرّوابط العائليّة، وتعلَم أنّ كثيرًا من كبار السّنّ يُترَكون بسبب اضطرار أبنائهم إلى الهجرة أو، في بعض الحالات، إلى القتال في الحروب. من أجل كلّ هذه الأسباب، يسعدها أن تعلن وعد الله: "أَنا لا أَنْساك".
ما أطيب أن يكتشف الإنسان، في كلّ عمر، ولا سيّما عندما لا يعود شابًّا، كما قال الطّوباويّ البابا يوحنّا بولس الأوّل، أنّنا موجّهون "إلى قلب محبّةٍ إلهيّة لا تزول. فنحن نعلم أنّ عينَي الله مفتوحتان علينا دائمًا، حتّى عندما يبدو أنّ الليل قد حلّ. إنّه أبٌ لنا، بل وأكثر من ذلك، إنّه أمّ" (صلاة الملاك، 10 أيلول/سبتمبر 1978). وإن لم يكن من السّهل أن نفكّر بهذه الطّريقة، فإنّ الحقيقة تبقى أنّنا لا نكُفُّ عن أن نكون أبناءً وبناتٍ لله حتّى في الشّيخوخة، ولذلك تظلّ الدّعوة إلى أن نعود كلّ يوم إلى أحضان الله قائمًة، هو الذي يجمع حبُّه بين الأبوّة والأمومة معًا.
اكتشاف حنان الله يحدث لدى كثيرين في كلّ مراحل الحياة، وأيضًا في مرحلتها الأخيرة. في الواقع، في زمننا الحاضر، وعلى خلاف ما كان عليه الأمر في الماضي، بات من الممكن أن يبلغ الإنسان سنّ الشّيخوخة من دون أن يكون قد اختبر الإيمان اختبارًا حقيقيًّا. في هذه الحالة، يمكن للتقدّم في السّنّ، انطلاقًا من الأسئلة الملحّة التي تظهر في هذه المرحلة من العمر، أن يصير الوقت المناسب لبدء حياة روحيّة أو لاستئنافها. في هذه المسيرة الجديدة، يمكن للإنسان أن يكتشف أنّ الله، كما يقول القدّيس أغسطينس، "هو أمّ، لأنّه يمنح الدّفء والغذاء ويُرضِع ويَحفظ" (شرح المزمور 26، القسم الثّاني، 18). هذا الوَعي يساعدنا لألّا نخجل من الهشاشة التي تظهر فينا، كما يساعدنا لنفهم أنّنا جميعًا، وفي كلّ حين، محتاجون بعضنا إلى بعض، ومتسوّلون للاهتمام والرّعاية. وإلى الله الذي يقترب منّا، والذي نتعلّم أن نعرفه بحنانه، نستطيع الآن أن نتوجّه إليه بثقة الأبناء في الصّلاة. لم يَفُت الوقت. الوقت دائمًا مناسب لنبدأ مخاطبة الله. فقد يكون ذلك نعمةً كبيرة للجميع.
أيّها الكبار في السّنّ الأعزّاء، لقد كان البابا فرنسيس يقول فيكم إنّكم "شعب جديد" (التّعليم المسيحيّ أثناء المقابلة العامّة، 23 شباط 2022)، لأنّ عدد الأشخاص المتقدّمين في السّنّ لم يبلغ في تاريخ البشريّة قطّ ما بلغه اليوم. لذلك فإنّه لمن الأهمّيّة بمكان أن نتأمّل معكم، أنتم ”الشّعب الجديد“، في ماذا يمكن أن تكون دعوتنا عندما تغلب علينا الهشاشة، وهي رفيقة الإنسان منذ ولادته، وكأنّها تفرض حضورها بقوّة. أودّ أن أقول لكم: لا تخافوا من الهشاشة! فهذا الضّعف بالتّحديد يخفي في داخله إمكانيّةً جديدة تُضيء أيضًا سائر مراحل الحياة. في الواقع، عندما تُقبَل الهشاشة ويُعترف بها، "تفتَحُ القلب على الدّعم المتبادل وعلى التّوجّه إلى الله الذي يستطيع أن يمنح ما لا تستطيع أيّة سُلطَة بشريّة أن تمنحه وهو المصالحة العميقة للقلوب، ومعها السّلام الحقيقيّ" (لقاء مع جماعة المؤمنين في الجزائر، بازيليكا مريم العذراء سيِّدة أفريقيا، الجزائر العاصمة، 13 نيسان 2026).
هكذا يمكننا أن نعيش زمن الشّيخوخة كمسيحيّين: ”ضعفاء“ ولكن في الوقت نفسه ”لنا دعوة“. في الواقع، الإنسان، رجلًا كان أم امرأة، يستطيع أن يولد من جديد وهو في الشّيخوخة (راجع يوحنّا 3، 4-6)، وأن يهتف مع النّبيّ: "في التَّوبَةِ والرَّاحَةِ كانَ خَلاصُكم، وفي الطُّمَأنينَةِ والثِّقَةِ كانَت قُوَّتُكم" (أشعيا 30، 15). إنّها قوّة يمكن أن تصير دعوةً إلى عدم اللجوء إلى دروب الغطرسة والقدرة لِضمان العيش معًا بين البشر، بل إلى سُبل المصالحة والسّلام الحقيقيّ. في هذا الزّمن الذي يتّسم بشدّة بعنف الحرب والعنف في المجتمع، يتساءل كثيرون ماذا سيكون عليه العالم الذي سينشأ فيه أحفادهم. إنّي أدعوكم، أيّها الأعزّاء، إلى أن تتّحدوا معي في الصّلاة بإلحاح لكي يحلّ السّلام قريبًا في كلّ العالم.
أيّها الإخوة والأخوات الكبار في السّنّ، أشكركم لأنّكم تساندونني كلّ يوم بصلواتكم، ولا سيّما عندما تتلون السُّبحة الورديّة المقدّسة. أبادلكم ذلك من صميم قلبي، وأترك لكم هذه الأمنية: ليجدّدنا الرّبّ يسوع دائمًا في الإيمان والرّجاء والمحبّة، هو الذي لا ينسانا أبدًا!