موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
عندما نفكر أو نتحدث عن الأرض المقدسة، فإنّنا نشير بطبيعة الحال إلى الأماكن التاريخية التي شهدت حياة يسوع في فلسطين وإسرائيل: بيت لحم، الناصرة، كفرناحوم، القدس لكن هناك بلد آخر تتناثر فيه الذكريات المسيحية، ويستحق أن يكون وجهة للحجاج: الأردن.
إنها الأرض التي عبرها موسى، قائدًا شعبه نحو الأرض الموعودة، حيث وقعت العديد من الأحداث الكتابية والإنجيلية. إنها الأرض التي من خلالها تمكن موسى، قبل وفاته، من رؤية أرض كنعان. إنها الأرض التي تعمّد فيها يسوع على يد يوحنا المعمدان، حيث التقى الناصري بالرسولين الأوّلين، أندراوس وبطرس، وحيث شفى المرضى وأجرى المعجزات.
وفي سياقٍ صعب -يكفي التفكير بالدول المجاورة للأردن التي تعيش اواضعا صعبة ، وهو يبقى باستقرار وتعايش سلمي بين مختلف تقاليد الدينية. يشكّل المسيحيون أقلية عدديّة، بنسبة 4٪ من السكان، ومع ذلك يشعرون أنهم مواطنون كاملو الحقوق في البلاد. يديرون المدارس والمستشفيات، وفي حال الكاثوليك من الطقس اللاتيني، يمثلون الجزء الأكبر من الأبرشية التي يرأسها بطريرك القدس للاتين.
يُعدّ الأردن وجهة للزوار بفضل منتجعاته على البحر الميت والبحر الأحمر، وقبل كل شيء لجمال البتراء الاستثنائي - المدينة النبطية القديمة المنحوتة في الصخور، والتي أدرجت على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1985. واليوم، يسعى الأردن بشكل متزايد لإبراز تراثه المسيحي.
تُعد كنيسة العقبة، التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث، أقدم مبنى في العالم شُيّد خصيصًا للعبادة المسيحية. وقد اكتشفها علماء الآثار في عام 1998. ومن المرجح أن موقعها على أطراف الإمبراطورية الرومانية قد أنقذها من الدمار خلال الاضطهاد الكبير الذي اندلع بعد سنوات قليلة من بناء الكنيسة، عام 303، بموجب مرسوم من الإمبراطور دقلديانوس.
اُكتشفت بقايا الكنيسة في مدينة العقبة المطلة على البحر الأحمر في حزيران 1998 بواسطة فريق من علماء الآثار. وقد تميّزت الكنيسة فور اكتشافها بأسلوبها المعماري الفريد، الذي تحدّى الرأي السائد بين المؤرخين بأن أول الأماكن المسيحية للعبادة في الأردن كانت تعود فقط إلى أواخر القرن الرابع.
وكان كاتب هذا المقال جزءًا من مجموعة من الزوار الذين سُمح لهم، في ظهر يوم أحد مشمس، بالمشاركة في القداس بين تلك الآثار، التي تحميها مظلة مفتوحة من الجوانب في وسط ساحة. إنّ السماح للمسيحيين بممارسة شعائرهم الدينية علنًا يشهد على الانفتاح الديني لدولة غالبية سكانها مسلمون، حيث تتعايش الأديان المختلفة بسلام.
كما تحتفظ المدينة الرائعة بتراء بذكريات مسيحية، لا سيما من خلال كنيسة بيزنطية تزخر بفسيفساء من القرنين الخامس والسادس تُصوّر مشاهد من الحياة والطبيعة، ما يُظهر الانتقال من الزخارف الوثنية إلى الرموز المسيحية. كما تضم واحدة من أكبر أماكن المعمودية في العصور القديمة، والتي أُنشئت من خزان ماء سابق. وتوجد بجانبها كنيسة البازيليكا التي تُعرف باسم "الكنيسة الزرقاء" نسبةً إلى الغرانيت الأزرق ذي الأصل المصري. وقد بُنيت على موقع عبادة نبطي سابق، ثم دُمّرت لاحقًا نتيجة الحرائق والزلازل.
يعد جبل نيبو قمّة ذات جمال استثنائي، تُطلّ على منظر بانوراما فريدة للمنطقة. فمن هنا يُمكن الاستمتاع بمشاهد البحر الميت وصحراء فلسطين، ووادي الأردن، وجبال الارض المقدسة. وفي الأيام الصافية، يمكن رؤية القدس والطريق المؤدي إلى المدينة المقدسة. وقد جاء اكتشاف هذا الموقع والتنقيبات فيه بفضل حراسة الأرض المقدسة، وبالأخص بفضل الأخ جيرولامو ميخايتش، الذي تمكّن عام 1932 من شراء الأرض.
وأدت حملات التنقيب التي أُجريت في ثلاثينات القرن العشرين، ثم في أوائل الستينات -التي توقفت بسبب الصراعات العسكرية وعُودت لاحقًا في السبعينات بواسطة الأب ميشيل بيشيريلو- إلى الكشف عن إرث فريد من نوعه.
وقد ذكر هذا الموقع كل من الحاجّة إيجيريا، التي كانت من أوائل الواصلين إلى الأرض المقدسة في أواخر القرن الرابع، وبطرس الإيبيري، الذي أصبح لاحقًا أسقفًا مونوفيزيًا (طبيعة واحدة للمسيح) لغزة. وكشفت الحفريات عن كنوز، لا سيما فسيفساء بيزنطية محفوظة بالكامل.
واليوم يمكن التمييز بين بقايا البازيليك الأولى التي يعود تاريخها إلى عام 430، والمباني الرهبانية التي شُيدت في السنوات التالية، والبازيليك الكبرى الجديد التي بُنيت عام 500 ميلادية، والتي تنتهي بهيكل بثلاثة محاريب، وجرن معمودية قديم، ثم بازيليك القرن السادس وكابيلا والدة الإله.
على مرّ القرون، تعرّضت هذه المباني للانهيار بسبب الزلازل. ومنذ عام 2016، يُستقبل الحجاج في بازيليك تم إعادة بنائها بعناية باستخدام الخشب، مما يسمح بإبراز الآثار القديمة دون أن يطغى عليها التحديث.
على هذا الجبل كانت توجد قلعة حشمونية بناها الملك ألكسندر يانايوس عام 90 قبل الميلاد. وقد استخدم الرومان هذا الحصن العسكري، وفي عام 30 قبل الميلاد بدأ هيرودس الكبير ببناء قصر-حصن هنا ليقضي فيه فصل الشتاء.
ومن هنا أيضًا يمكن التمتع بإطلالة بانورامية فريدة. وتشير الآثار المكتشفة إلى قصر كان يمتدّ في قلب الجبل، محاطًا بقرية مخصصة للخدم. ومن هذا المكان، اعتاد هيرودس الكبير السفر لتلقي العلاج في البحر الميت.
ووفقًا للتقليد، سُجن يوحنا المعمدان داخل هذه الجدران، وهنا لبّى هيرودس أنتيباس رغبة سالومي وأمر بقطع رأس يوحنا. دُمّرت القلعة على يد الملك أريتاس الرابع عام 37 ميلادية، وسُويّت بالأرض نهائيًا على يد الرومان عام 71 ميلادية.
يُعد موقع معموديّة السيد المسيح ، "بيت عنيا عبر الأردن"، المذكور في إنجيل يوحنا، أهمّ المواقع الإنجيلية بلا شك. عُرف هذا الموقع في القرون الأولى للمسيحية باسم "بيثابارا"، ويُعرف اليوم باسم "المغطس"، أي "المعمودية" أو "التغطيس".
ويظهر الموقع أيضًا على خريطة مادبا الشهيرة (وهي موقع آخر لا بد من زيارته في الأردن)، وهي خريطة فسيفسائية تعود إلى القرن السادس للميلاد. وتشهد دلائل أثرية مهمة على صحة هذا التعريف.
بين أواخر القرن الخامس وبداية القرن السادس للميلاد، بنى الإمبراطور البيزنطي أناستاسيوس الأول ديكوروس أول معبد مخصص ليوحنا المعمدان، وقد وصف الحجاج في تلك الفترة عملية البناء.
لاحقًا، شُيدت هنا بازيليك الثالوث الأقدس، التي يزيد طولها عن 27 مترًا وعرضها أكثر من 15 مترًا. وقد كشفت الحفريات المحيطة بالمكان عن كهوف للنساك، ومصليات، وفسيفساء، وأرضيات من الرخام، وجرن معمودية كبير على شكل صليب.
ولا يبعد عن المكان الكثير من البقايا المرتبطة بذكرى النبي إيليا. وفي عام 2015، أصبح الموقع موقعًا للتراث العالمي لليونسكو. ومن اللافت في هذا المكان أيضًا الحرص على الحفاظ عليه دون تدخلات جذرية، كما أوضح رستم مكاجيان، مدير موقع المعمودية: إذ تغطي بعض الأماكن هياكل خشبية خفيفة فقط، تسمح بإبراز القديم دون أن يطغى عليه الحديث.
يصف الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، الأرض المقدسة بأنها "إنجيل خامس". ويضيف: "أحب أن أسميها نوعًا من السر الكنسي الثامن The Eight Sacrament، لأنها تتيح للإنسان أن يختبر لقاء يسوع بشكل ملموس، حيث يمكنه أن يلمس أحداث الخلاص. يمكن لكل شخص أن يكون مسيحيًا تمامًا دون الذهاب إلى الأرض المقدسة، لكن إذا زار الأرض المقدسة، يصبح إيمانه المسيحي أقوى وأكثر واقعية."
ومن الأردن، يطلق الكاردينال هذا النداء لتكثيف رحلات الحجّ، داعيًا إلى لمس الحجارة التي تشهد على حياة يسوع، ولقاء "الحجارة الحيّة" التي تمثلها المجتمعات المسيحية اليوم. وقال البطريرك: "أشجّع الجميع على القدوم إلى الأرض المقدسة، ليختبروا أيضًا هذه التجربة الرائعة للقاء يسوع المسيح وإنسانيته".