موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في عالمنا اليوم، ومع الحروب والصراعات التي نعيشها في منطقتنا، لم يعد الاهتزاز مجرد مشهد خارجي نراه، بل أصبح واقعًا نعيشه في داخلنا. لم نعد فقط أمام عالم غير مستقر، بل أمام إنسان يعيش حالة قلق وخوف دائمين، حتى بات يشعر وكأن كل ما حوله، وربما في داخله أيضًا، بدأ يفقد ثباته. لكن السؤال الصادم الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل العالم مهزوز؟ بل: ماذا عن إيماننا نحن؟ هل بقي ثابتًا، أم أنه بدأ يهتز بصمت دون أن ننتبه؟
في كثير من الأحيان، نعتقد أننا نملك إيمانًا راسخًا، ونعيش هذه القناعة كأمر بديهي في حياتنا، لكن عندما نفتقد الأمان، وتشتد الصعوبات، ونواجه واقعًا لا نفهمه، نبدأ نكتشف شيئًا مختلفًا. نشعر وكأننا نفقد كل ما كان يعطينا الطمأنينة، ومع هذا الشعور يتسلل إلينا ضعف داخلي يجعلنا نتساءل إن كان إيماننا قادرًا فعلاً على الاستمرار. وهنا تنكشف الحقيقة التي لا نحب أن نواجهها: الإيمان الذي لم يُختبر بالخوف، لم يُعرف بعد مدى ثباته. فالأزمات التي نعيشها لا تصنع ضعفنا كما نعتقد، بل تكشفه، وتضعنا أمام ذواتنا لنرى أي إيمان نحمل في داخلنا.
في إنجيل يوحنا (16: 29-33)، نجد مشهدًا عميقًا ومعبّرًا جدًا عن هذه الحالة التي نعيشها اليوم. التلاميذ، بعد حديثهم مع المسيح، يصلون إلى لحظة يعلنون فيها بثقة: «الآن نؤمن». تبدو هذه اللحظة وكأنها ذروة الإيمان، لحظة وضوح كامل لا تحمل شكًا أو تساؤلًا، بل إعلانًا صريحًا بأنهم أدركوا الحقيقة. وهذا ما نعيشه نحن أيضًا عندما نقول إننا نؤمن، ونشعر أننا ثابتون في علاقتنا مع الله، وأن إيماننا واضح ومستقر.
لكن الصدمة الحقيقية تأتي في جواب المسيح: «الآن تؤمنون؟». هذا السؤال لم يكن تأكيدًا لإيمانهم، بل كشفًا لعمقه الحقيقي. كأن المسيح يقول لهم إن هذا الإيمان الذي يعلنونه لم يُختبر بعد في واقع الحياة، ولم يمر بعد في لحظات الخوف والتشتت. وهنا نفهم أن الإيمان الحقيقي لا يُقاس فقط بما نقوله أو نشعر به، بل بما نعيشه عندما نفقد هذا الشعور، ولا يُبنى فقط على الفهم، بل على الثبات.
فليس كل من قال “أنا أؤمن” دخل فعلاً في عمق الإيمان، لأن الإيمان الذي نبنيه على ظروفنا يبقى هشًا، ينهار كلما تغيّرت هذه الظروف، بينما الإيمان الذي يقوم على الثقة بالله يبقى ثابتًا حتى عندما لا نفهم ما يحدث حولنا. وهذه المفارقة الصعبة تجعلنا نعيد التفكير في إيماننا: هل هو مرتبط بما نعيشه من راحة وأمان، أم أنه متجذر في الله نفسه؟
ويكمل المسيح كلامه ليكشف ما هو أصعب: «ستتفرقون… وتتركونني وحدي». هنا تظهر الحقيقة الكاملة لمسيرة الإيمان، فهو لا يُختبر في لحظات الراحة، بل في لحظات الخوف والتشتت والانكسار. التلاميذ الذين أعلنوا إيمانهم قبل قليل، سيهتزّون، سيخافون، وسيتراجعون. وهذه ليست إدانة لهم، بل دعوة لفهم طبيعة الإيمان البشري، الذي يمر في مراحل من القوة والضعف، من الثقة والتردد.
وهذا ما نعيشه نحن اليوم أيضًا. نؤمن، لكننا نضعف. نصلي، لكننا نشعر أحيانًا بالفتور. نثق بالله، لكننا نخاف عندما لا نفهم ما يحدث حولنا. وهنا لا يجب أن نرى هذا كفشل، بل كجزء من الطريق، لأن الإيمان الحقيقي لا يُبنى على قوة الإنسان، بل على أمانته لله، حتى في ضعفه. فالقرب من الله لا يلغي هشاشتنا البشرية، بل يكشفها، ويقودنا إلى الاعتماد عليه بشكل أعمق.
فالإيمان، في جوهره، هو فضيلة إلهية تُعطى لنا بالنعمة، لكنها في الوقت نفسه تتطلب منا استجابة حرة. هو ليس مجرد شعور عابر أو فكرة نؤمن بها، بل هو قرار داخلي عميق بأن نثق بالله، حتى عندما لا نفهم، وحتى عندما لا نشعر، وحتى عندما تبدو الطرق مظلمة. هو أن نسلم ذواتنا لله، ونختار أن نسير معه، لا فقط في أوقات الشدة طلبًا للتعزية، بل أيضًا في أوقات الراحة، ليصبح حضور الله في حياتنا أسلوب عيش دائم.
ومن هنا نفهم قول المسيح: «ليكون لكم بي السلام». فسلامنا الحقيقي لا يأتي من غياب الأزمات، بل من اكتشاف حضور الله في وسطها. هو ليس حالة مؤقتة مرتبطة بظروفنا، بل ثمرة علاقة حية مع الله، علاقة تجعلنا نعيش طمأنينة داخلية حتى عندما يكون العالم من حولنا مضطربًا. وهكذا يتحول السلام من شعور عابر إلى علامة عميقة على ثقة الإنسان بالله.
وفي ذروة هذا الإعلان، يقول المسيح: «ثقوا: أنا قد غلبت العالم». هذه ليست مجرد كلمات تعزية، بل إعلان حقيقي أن الله لم يترك الإنسان في ضعفه، بل دخل إلى عمق الألم وغلبه. وهنا يصبح الإيمان ليس انتظارًا لتغيير الظروف، بل ثقة بأن الله حاضر ويعمل حتى في أصعب اللحظات، وأننا مدعوون لأن نعيش من داخل هذا الانتصار، لا أن ننتظره.
في واقعنا اليوم، ومع كل ما نعيشه من خوف وقلق، علينا أن نواجه هذا السؤال بصدق: هل إيماننا مرتبط بالأمان؟ هل نحن ثابتون فقط عندما تكون حياتنا مستقرة؟ ففي زمن الحروب، لا يُمتحن العالم فقط، بل يُمتحن داخل كل واحد منا، لنكتشف أي إيمان نريد أن نعيشه، وأي علاقة نريد أن نبنيها مع الله.
فالإيمان لا يُبنى في لحظة، ولا يتشكل في مواقف عابرة، بل هو مسيرة حياة. مسيرة تتطلب ثباتًا في الصلاة حتى عندما نشعر بالفتور، واستمرارًا في قراءة الكتاب المقدس لنفهم كيف عاش التلاميذ أوقات الشدة، وقبولًا لضعفنا دون الهروب منه، والعودة إلى الله بعد كل سقوط. من خلال هذه المسيرة، ننتقل تدريجيًا من إيمان يعتمد على الشعور والظروف، إلى إيمان داخلي راسخ ومتجذر في المسيح.
فالإيمان الحقيقي يبدأ عندما تختفي كل الضمانات، وعندما نشعر أننا فقدنا كل شيء كنا نستند إليه، وهناك فقط، تبدأ رحلة بناء الإيمان الثابت، الذي لا يقوم على ما نراه، بل على من نؤمن به.
في النهاية، قد لا يتغيّر العالم من حولنا… وقد لا تتوقف الحروب، ولا تختفي الأسئلة، ولا تزول المخاوف كما نتمنى. لكن الحقيقة الأعمق التي يكشفها لنا الإيمان ليست أن الطريق سيصبح أسهل، بل أن الإنسان نفسه يمكن أن يصبح أكثر ثباتًا وسط كل ما يهتز. فالإيمان لا يُقاس عندما تكون الطرق واضحة، ولا عندما نشعر بالسلام، ولا حتى عندما تسير الأمور كما نريد… بل يُقاس في تلك اللحظات التي نفقد فيها كل وضوح، كل أمان، وكل إجابة… ومع ذلك نختار أن نبقى.
العالم قد يهتز… بل وسيبقى يهتز. لكن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه ليس: ماذا يحدث حولنا؟ بل: ماذا يحدث داخلنا؟ هل سنبقى واقفين عندما يسقط كل شيء؟ هل سنبقى مؤمنين عندما لا يبقى ما نراه؟ هل سنبقى مع الله… حتى عندما لا نشعر به؟
لأن الإيمان الحقيقي يبدأ، عندما نثق في الله ونجعله محور مسيرتنا.