موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٦ مايو / أيار ٢٠٢٦
أسقف هاييتي يرى علامات حنان الله خلال رحلة تعافٍ طويلة من حروق خطيرة

أبونا :

 

في أوائل عام 2024، تابع سكان ولاية فلوريدا عبر نشرات الأخبار المحلية خبر نقل أسقف من هايتي جوًا إلى أحد مستشفيات المنطقة، بعد إصابته بحروق خطيرة إثر انفجار هائل قرب العاصمة الهايتية. كان المطران بيير أندريه دوماس، راعي أبرشية أنس-أو-فاي-ميراغوان في هايتي ونائب رئيس مجلس أساقفة هايتي، من الأصوات الجريئة المنتقدة للفوضى السياسية والاجتماعية في بلاده.

 

وحتى اليوم، لا تزال أسباب الانفجار الذي وقع في 18 شباط 2024 غير واضحة، لكنه تسبب بإصابته بحروق بالغة في الوجه والذراعين والساقين. وقد وصل إلى مستشفى جاكسون ميموريال في ميامي لتلقي العلاج، ولا يزال يقيم في المنطقة منذ ذلك الحين، بدعم من الجالية الهايتية-الأمريكية وأبرشية ميامي، وسط أجواء من الصلاة والترحيب والاهتمام.

 

 

علاج مكثف وتعافٍ طويل

 

وقال المطران بيير أندريه دوماس: «بصفتي راعيًا وشاهدًا وحارسًا وضحيةً لما يبدو أنه عنف انتقائي أو جماعي، مرت حياتي عبر النار والانفجار، وقد تعرض أكثر من 40% من جسدي لحروق من الدرجة الثالثة». وأوضح أنه خضع لعمليات جراحية متعددة، وعلاجات بالليزر، وجلسات علاج مكثف، إضافة إلى رحلة شفاء جسدي وروحي في ميامي.

 

وقبل الحادث، كان الأسقف ناشطًا في التعاون مع السلطات المدنية في هايتي لمعالجة الأزمة السياسية وأزمة الاختطافات التي تنفذها العصابات المسلحة بعد اغتيال الرئيس جوفينيل مويس عام 2021. وقبل شهر من الانفجار، اختُطفت ست راهبات من أبرشيته، وقد عرض نفسه يومها مقابل إطلاق سراحهن، قبل أن يتم الإفراج عنهن لاحقًا.

 

ويشارك المطران دوماس أحيانًا في القداديس الاحتفالية في ميامي إلى جانب رئيس أساقفة المدينة، كما يتابع علاجاته ويتلقى دراسات عن بُعد عبر الجامعة الكاثوليكية في أمريكا. وخلال إقامته، وجد لحظات من السلام في الطبيعة وعلى شاطئ البحر، وكذلك في كنائس ميامي والجالية الهايتية، مؤكدًا أن الصداقة أصبحت «نعمة حقيقية في زمن الألم».

 

وقال: «بعد كل هذا الألم، أصبحت هذه العلاقات علامات على حنان الله».

 

 

أزمة هايتي: بين العنف وانهيار الدولة

 

يصف الوضع في هايتي بأنه «تحول تاريخي عميق يزعزع أسس الإنسانية»، حيث تنتشر الفوضى والعنف والخوف واليأس، مقابل شعب يحاول الصمود. ومنذ اغتيال الرئيس عام 2021، غرقت البلاد في دوامة عنف متصاعد، إذ تسيطر العصابات على نحو 80% من العاصمة بورت أو برنس، ما أدى إلى أزمة إنسانية ضخمة تشمل القتل والخطف والنزوح الجماعي.

 

ووفق البيانات الرسميّة للأمم المتحدة، قُتل أكثر من 5600 شخص في أعمال عنف مرتبطة بالعصابات خلال عام 2024 وحده، بينما نزح أكثر من 1.4 مليون شخص من منازلهم، ويحتاج أكثر من 5 ملايين إلى مساعدات إنسانية عاجلة.

 

 

أزمة روحية وإنسانية

 

يرى المطران أن جذور الأزمة ليست سياسية فقط، بل أيضًا روحية واجتماعية، تشمل الفقر المدقع وانتشار السلاح وانهيار الثقة بالمؤسسات. وقال: «يكمن جوهر الأزمة في دولة أصبحت هشة، وفي بعض الأحيان مخطوفة من أطراف خارجية… غياب سلطة عامة قوية خلق فراغًا، والعنف يملأ هذا الفراغ دائمًا».

 

وخلال إقامته في الولايات المتحدة، أشاد المطران بدعم الكنيسة والجالية الهايتية، واصفًا استقبال رئيس أساقفة ميامي له بأنه «صديق وأخ في المسيح». كما عبّر عن إعجابه بجيل الشباب الهايتي في الشتات، واصفًا إياهم بأنهم «قوة أمل وإبداع رغم الألم»؛ فهم «ينهضون لا من رحم الراحة، بل من رحم الكفاح، ليظهروا للعالم الوجه الحقيقي لهايتي كشعب صامد، ذكي، ومفعم بالأمل».

 

 

الهجرة: قضية إنسانية وأخلاقية

 

وبينما لا يزال النظام القانوني الأمريكي يُعالج القضايا القانونية المتعلقة بالمهاجرين من هايتي وبرنامج الحماية المؤقتة، يأمل المطران دوماس أن يكون الشباب الهايتيون الذين يترعرعون في الولايات المتحدة قادرين يومًا ما على العودة إلى بلادهم كعوامل تغيير.

 

وقال: «إن قضية الهجرة الهايتية، وخاصة برنامج الحماية المؤقتة، هي قضية إنسانية وأخلاقية للغاية. نحن نتحدث عن مئات الآلاف من الأرواح، والعائلات، والمستقبل». وأضاف: «إنّ سحب الحماية فجأةً عن الناس الفارين من الفوضى ليس قرارًا سياسيًا فحسب، بل هو فشلٌ أخلاقيٌّ ذريع».

 

وبينما يتأمل في قدرته على استجماع الصمود في أحلك الظروف، يتوجه المطران دوماس إلى دور والديه قائلًا: «لقد منحني والداي شيئًا لا يمكن لأي عنف أن يدمره: الإيمان، والتعليم، والشرف والاحترام، والقيم الخالدة والتقليدية، والفضائل العميقة، والمبادئ الكنسية، فضلًا عن النظام والانضباط والنزاهة وحب الحقيقة والصمود». ويضيف: «في معاناتي، عدتُ إلى ذلك الأساس. لقد أصبح حبهما ذكرىً ساندتني، وقوةً هادئةً همست لي: "اصمد. لا تستسلم».