موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
على ضفاف نهر الأردن، حيث يمتزج هدوء المكان بصوت المياه المتدفق منذ أزل، لا تبدو الحجارة مجرد صخور صامتة، بل تشعر وكأنها شاهد عيان حُفرت عليه تفاصيل لحظة فارقة غيرت وجه التاريخ.
إن مرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح ليس مجرد استرجاع لمناسبة دينية قديمة، بل هو استحضار لحدث محوري أعاد صياغة الوجدان البشري، ورسّخ قيم التواضع والمحبة والتجدد.
وعندما نعود بذاكرتنا إلى "المغطس"، نستحضر القديس يوحنا المعمدان وهو يدعو الناس للتوبة والتطهر. وفي تلك اللحظة التي نزل فيها المسيح إلى الماء، لم تكن المعمودية مجرد رمز للغسيل، بل كانت إعلاناً لبداية عهد جديد؛ عهد ينتقل فيه الإنسان من ظلام العزلة إلى نور الرجاء والحياة، وتبدأ معه صفحة جديدة في الفكر الإنساني والروحي.
واليوم، وقد بدأت الاستعدادات لاحياء الذكرى الألفية الثانية لهذا الحدث العظيم، تبدو بقايا الكنائس الأثرية، ولوحات الفسيفساء، وحصى النهر، وكأنها تتكلم لتسرد قصص آلاف الحجاج الذين توافدوا على هذه الأرض عبر القرون. وإن التاريخ هنا لا ينام، بل يستيقظ مع كل صباح ليذكرنا بأن الإيمان والقيم السامية تعيش وتصمد مهما تغيرت الأزمنة.
تحمل هذه الذكرى اليوم رسالة بالغة الأهمية لعالمنا المعاصر الذي أرهقته النزاعات والماديات؛ وإنها دعوة صادقة للعودة إلى الجذور واستلهام معاني التسامح. فكما يغسل الماء ما علق بالجسد، تمنحنا هذه الذكرى فرصة لتطهير القلوب والأرواح من الأحقاد، والبحث عن المساحات المشتركة التي تجمع البشر على السلام.
وبعد ألفي عام، تظل معمودية المسيح حدثاً حياً ينبض بالرجاء، وتظل الحجارة والمياه تذكرنا بأن التاريخ ليس مجرد صفحات مطوية، بل هو روح تتجدد كلما بحث الإنسان عن الحقيقة والأمل.