موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٢٥ فبراير / شباط ٢٠٢٦

أربعاء الرماد: حين يُصبح التراب نداءً للحياة

بقلم :
الأب سالم لولص - الأردن
أربعاء الرماد: حين يُصبح التراب نداءً للحياة

أربعاء الرماد: حين يُصبح التراب نداءً للحياة

 

في كل عام، تقف الكنيسة عند عتبة زمنٍ مختلف؛ زمنٍ لا يبدأ بالاحتفال بل بالصمت، ولا بالأنوار بل بالرماد. أربعاء الرماد ليس مجرّد افتتاح للزمن الأربعيني، بل لحظة مواجهة صريحة بين الإنسان وحقيقته.

 

حين يُرسم الصليب بالرماد على الجبين، لا تُقال كلمات مجاملة، بل تُعلَن الحقيقة: «اذكر أنك تراب، وإلى التراب تعود». غير أنّ الكنيسة لا تستحضر هشاشتنا لتُحبطنا، بل لتُحرّرنا. فالتراب في الكتاب المقدّس ليس علامة عبث، بل مادة الخلق الأولى؛ منه صنع الله الإنسان، وفيه نفخ نسمة الحياة. إنّه تذكير بأن ضعفنا ليس نهاية قصّتنا، بل نقطة انطلاق لعمل النعمة.

 

 

التوبة: من الطقس إلى القرار

 

الزمن الأربعيني ليس تقليدًا سنويًا يتكرّر، بل فرصة وجودية لإعادة ترتيب الداخل. إنّها عودة إلى الجوهر: إلى الصلاة التي تعيد القلب إلى مصدره، إلى الصوم الذي يحرّر الإرادة، وإلى الصدقة التي تردّ للآخر كرامته.

 

دخل يسوع البرية أربعين يومًا، كما يروي إنجيل متى، لا ليؤدّي واجبًا طقسيًا، بل ليحسم الطريق. في البرية، حيث لا جمهور ولا تصفيق، اختار الطاعة بدل السهل، والحق بدل الاستعراض، والصليب بدل السلطة. إنّ البرية التي دخلها المسيح صورةٌ لكل براري حياتنا: صراعات الضمير، تجارب السلطة، إغراءات الظهور، والخوف من الخسارة. هناك يولد القرار الحقيقي.

 

 

في ضوء تعليم الكنيسة

 

في رسالته الأخيرة بمناسبة انطلاق المسيرة الروحية السنوية، شدّد قداسة البابا لاون الرابع عشر على أنّ التوبة المسيحية ليست حركة فردية معزولة، بل مسار كنسي جماعي يسير فيه الشعب بأكمله نحو تجديد العهد. ودعا إلى أن يتحوّل الصوم من ممارسة خارجية إلى التزام ملموس بالعدالة والمصالحة وخدمة الفقراء.

 

كما أكّد غبطة البطريرك بييرباتيستا بيتسابالا في تأمّلاته الرعوية أنّ منطقتنا المتألّمة تحتاج إلى صومٍ عن الكراهية قبل الطعام، وإلى صلاةٍ تُترجَم سلامًا فعليًا في البيوت والرعايا والمجتمع. فالتحوّل الحقيقي يبدأ حين يختار المؤمن أن يكون صانع سلام في محيطه.

 

 

من الرماد إلى القيامة

 

الرماد ليس الكلمة الأخيرة؛ إنّه بداية مسار ينتهي بالقيامة. فالمسيحية لا تتوقّف عند هشاشة الإنسان، بل تعبر بها نحو الرجاء. ما يبدو نهاية يمكن أن يصبح بداية إذا سُلِّم لله.

 

أربعون يومًا أمامنا؛ ليست لإثقال الضمير، بل لتحريره. ليست لجلد الذات، بل لتجديدها. ليست لإعلان الفشل، بل لاكتشاف أنّ النعمة أقوى من السقوط.

 

عندما نقبل الرماد هذا العام، فلنقبله كقرار:

أن نغفر قبل أن يُغفر لنا،

أن نُصلح قبل أن نُدان،

أن نحبّ قبل أن ينفد الوقت.

 

ففي النهاية، كلّ شيء يمكن أن يصير ترابًا… إلا المحبة التي عاشت فينا، والحق الذي اخترناه، والرحمة التي صنعناها.

 

هكذا فقط يتحوّل الرماد إلى نداءٍ للحياة، وتتحوّل التوبة إلى بداية قيامة.