موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٦ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

عيد الظهور الإلهي: حين تنفتح السماء ويدخل المسيح إلى بيوتنا

بقلم :
الأب سالم لولص - الأردن
عيد الظهور الإلهي: حين تنفتح السماء ويدخل المسيح إلى بيوتنا

عيد الظهور الإلهي: حين تنفتح السماء ويدخل المسيح إلى بيوتنا

 

يحتفل العالم المسيحيّ بعيد الظُّهُور الإِلَهِيّ، أو ما يُعرَف بعيد الإبيفانيا، وهو أحد الأعياد الكبرى في زمن الميلاد، حيث يُعلِن الله ذاته لا لشعبٍ واحد، بل لكلّ الأمم، كما نراه في مسيرة المجوس القادمين من المشرق ساعين وراء النور.

 

الإبيفانيا، في معناها العميق، ليست ذكرى حدثٍ مضى، بل إعلانًا دائمًا: إعلان إلهٍ يخرج من خفاء السماء ليظهر في تاريخ البشر، وإلهٍ لا يحتكر ذاته، بل يفتح قلبه لكلّ من يطلبه بصدق.

 

 

نورٌ في قلب الظُّلْمَة

 

تضعنا قراءة النبي أشعيا أمام صورة قويّة: "قومي استنيري، فإن نورك قد وافى… ها إن الظلمة تغشى الأرض، والديجور يشمل الشعوب، ولكن عليكِ يشرق الرب". العيد لا ينكر وجود الظلمة في العالم، بل يؤكّد أن النور أقوى منها. فالظهور الإلهيّ هو وعدٌ بأن الله لا يترك الإنسان في عتمته، بل يدخلها ليبدّدها من الداخل.

 

 

المجوس: إيمان الباحثين

 

المجوس لم يكونوا من شعب العهد، ولا من أهل النبوءات، لكنهم كانوا باحثين عن الحقيقة. رأوا نجمة في السماء، فساروا. لم يفهموا كلّ شيء، لكنهم وثقوا بالنور الذي يقودهم. وهنا تكمن رسالة العيد: الله لا يطلب الكمال، بل صدق البحث. ولا يرفض من يخطئ الطريق، بل يعيد إشعال النجم لمن يعود إليه.

 

 

 

يسوع في البيت

 

يشدّد إنجيل متى على تفصيل لافت: المجوس لم يجدوا يسوع في المذود، بل في البيت. لم يكن طفلًا حديث الولادة، بل صار يسكن بيتًا بشريًّا بسيطًا. هذا التفصيل يحمل بُعدًا روحيًّا عميقًا: المسيح لا يريد أن يبقى حدثًا موسميًّا، بل حضورًا دائمًا. يريد أن يدخل بيوتنا، تفاصيل حياتنا، أفراحنا ومخاوفنا، وأن يكون ربّ اليوميّات، لا ربّ المناسبات فقط.

 

 

هل السماء مفتوحة في ليلة الإبيفانيا؟

 

في التقليد المسيحيّ، ارتبط عيد الظهور بفكرة “السماء المفتوحة”، لا بمعنى علميّ فلكيّ حرفي، بل بمعنى روحيّ عميق. فالكنيسة تؤمن أن الله في هذا العيد يكشف وجهه للبشريّة، ويزيل الحواجز بين السماء والأرض.

 

أمّا النّجمة، فلم تكن مجرّد جرمٍ سماويّ، بل علامة إلهيّة تُقرأ بالإيمان. ولهذا لا تنتظر الكنيسة ظهور نجمة جديدة كلّ عام، بل تدعو المؤمنين إلى فتح عيون القلب لرؤية نور الله في واقعهم.

 

ومع ذلك، يشهد كثيرون أنّ ليلة الإبيفانيا تحمل طابعًا خاصًّا من السلام الداخلي، وكأنّ السماء أقرب، والقلب أهدأ، والعالم أقلّ قسوة. ليس لأن الكون تغيّر، بل لأن الإنسان سمح لله أن يغيّر نظرته إلى الكون.

 

 

عالمٌ جديد يبدأ من القلب

 

في نهاية الإنجيل، نقرأ أن المجوس «انصرفوا في طريقٍ آخر». هذه الجملة تختصر العيد كلّه. فمَن يلتقي بالمسيح لا يعود كما كان. الإبيفانيا ليست فقط سجودًا، بل تغيير مسار. إنه عيد يدعونا إلى أن نعود إلى بيوتنا بطريقٍ آخر: طريقٍ فيه مصالحة بدل خصام،وثقة بدل خوف، ونور بدل يأس.

 

في عيد الظهور الإلهيّ، لا نكتفي بالنظر إلى السماء، بل نسمح للسماء أن تدخل قلوبنا. وحين يدخل المسيح حياتنا وبيوتنا، نشعر حقًّا أن العالم تغيّر لأن القلب تغيّر أولًا.