موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في مشهدٍ يفيض بالفرح والرجاء، تدخل ذكرى أحد الشعانين إلى قلوب المؤمنين كنسمة ربيعية تحمل أغصان الزيتون، وأصوات الأطفال، وهتاف الجماهير: "هوشعنا لابن داود! مبارك الآتي باسم الرب!". إنه يومٌ يبدو للوهلة الأولى احتفالًا بالنصر، لكنه في عمقه بداية الطريق نحو أعظم سرّ في الإيمان المسيحي: سرّ الآلام والقيامة.
يسوع يدخل إلى أورشليم، لا كملكٍ أرضيٍّ تحيط به الجيوش، بل كملكٍ وديع، راكبًا جحشًا، حاملاً رسالة سلام لا سيف فيها، ومحبة لا تعرف العنف. يدخل والجموع تستقبله، تفرش له الطريق، وتعلّق عليه آمالها… لكنها، من دون أن تدري، تسير معه في طريقٍ سيقوده إلى الصليب.
هنا تكمن المفارقة المؤلمة:
نفس الأصوات التي هتفت "هوشعنا"… ستتحوّل بعد أيام قليلة إلى صرخات "اصلبه!". ليس لأن يسوع تغيّر، بل لأن قلب الإنسان غالبًا ما يتأرجح بين الحماس اللحظي والالتزام الحقيقي.
أحد الشعانين ليس مجرد ذكرى، بل مرآة. مرآة نسأل فيها أنفسنا: هل إيماننا ثابت، أم مرتبط بالظروف؟ هل نسير مع المسيح فقط في الفرح، أم أيضًا في الألم؟
مع هذا اليوم، تبدأ الكنيسة مسيرتها في الأسبوع المقدس، حيث تتكثّف أحداث الخلاص، ويتجلّى حب الله في أقصى درجاته.
من العشاء الأخير، حيث يهب المسيح ذاته خبزًا مكسورًا من أجل العالم، إلى الجمعة العظيمة، حيث يرتفع الصليب علامة حبٍّ لا حدود له، وصولًا إلى فجر القيامة، حيث ينتصر النور على الظلمة، والحياة على الموت.
إنه أسبوع ليس ككل الأسابيع… بل دعوة للدخول في عمق السرّ، لا كمشاهدين، بل كمشاركين. دعوة لنرافق المسيح في دربه، لنفهم أن الألم ليس النهاية، وأن الصليب ليس سقوطًا، بل عبورًا نحو القيامة.
وفي عالمٍ يئنّ من الحروب، والانقسامات، والقلق، يأتي أحد الشعانين كصرخة رجاء متجددة: أن السلام ممكن… وأن المحبة أقوى… وأن الإنسان، مهما ابتعد، مدعو دائمًا للعودة.
من أرضٍ تتوق إلى الطمأنينة، ومن قلوبٍ تبحث عن معنى، نرفع اليوم أغصان الزيتون، لا كرمزٍ احتفالي فحسب، بل كصلاة حيّة من أجل السلام… في أوطاننا، في عائلاتنا، وفي داخل كل إنسان.
فلنجعل من هتاف "هوشعنا" صلاة صادقة، ومن مسيرتنا مع المسيح التزامًا حقيقيًا، ولندخل الأسبوع المقدس بقلوبٍ مفتوحة، مؤمنين أن الذي دخل أورشليم متواضعًا، هو نفسه الذي سيقوم مجيدًا، ويمنح العالم حياةً لا تزول.