موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
كانَ المسيحُ يُعلّم بِسُلطان! والجموعُ تُصاب بالدّهشة والإعجاب، لِمَا سمِعت من التّعاليم، ولَمّا رَأت الآياتِ والمعجزات! والنَّص عِندمَا أَوردَ هذهِ الآية، جَعلَها في سياقِ مُقارَنة، بينَ المسيح وكَتبةِ اليهود. فالمسيحُ يُعلّم بسلطان، لا مِثلَ الكَتَبة! وكانَ يعملُ بِسلطة مُطلَقة على جميعِ الأشياء، فحتّى الأرواحُ يَأمُرُها فتُطيعُه.
المسيحُ كان ذا مِصدَاقيّة، إذ كان يَصحبُ قولَه بالفعلِ والعَمل. لَم يَكُن كَكَتَبتِهم وَمُعَلّميهم، الّذين يُعلّمون بِرياء ونِفاق. كيفَ لا، وهمُ الّذين كانوا يَحزِمونَ أحمالًا ثقيلة، ويُلقونَها على أكتافِ النّاس، ولكنّهم يأبونَ تحريكَها بطرف الأصبع؟! (متّى 4:23)
المسيحُ صاحبُ سلطان لأنّه ذو مِصداقيّة، لا يُنافِق ولا يُحابي وَجهَ أَحَدٍ على حسابِ الحَق، ولا يُشبِع الجَماهير شعارات وخُطَب، بل يُقول ما يجب أن يُقَال، ويَعملُ ما يَنبَغي فِعلُه! هذا هو الفَرقُ بينَ المسيح كصَاحبِ سُلطانٍ مُطلق، وبين باقي ذَوي السّلطة، الّذينَ لا ترى منهم سوى أقوالًا فارغة، دونَ فِعلٍ أو عمل. فَلِمَا العجبُ مثلًا عندما ترى الشّعوب لا تُصدّق حكوماتِها، ولا تثِق بها؟! لأنّ خِطَطها وخِطاباتِها مجرّد كلام إنشائي، وحبرٌ على ورق مَهدور، اِصفَرَّ لونُهُ، دونَ فِعلٍ أو نتائِج مَلموسة.
في الفَصلِ الثّالث والعشرين من بشارةِ القدّيس متّى، نقرأ المسيح ينتقد الكتبةَ قائِلًا: "إنّ الكَتبةَ والفرّيسيّين على كُرسيّ موسى جالِسون" (متّى 2:23). هذه الآية تدلّ على حَالة مَرَضيّة من الاستعلاء على النّاس، يُعلّمون مِن فوق، بكبرياء وعُتوٍّ وغرور، كان يعتمِر قلوبَهم المظلمة العَمياء. أَمَّا المسيحُ فهو رجلُ الميدان، تَراه بينَ النّاس في ساحاتِهم ومجامِعِهم تَارَة، وفي حقولِهم وبيوتِهم تَارَة أُخرى. يُعلّم ويُقوّم، ويُرشِد ويهدي، ويُنذِر ويوبّخ، ويشفي ويُعزّي، ويروي ويُطعِم. يُوظّف كلّ حواسِه في خدمة الجموع ومساعدتِها، ونجدَتِها ومساندتِها.
الجمعُ بَينَ القَولِ والعمل، أمرٌ مِهم في دعوتِنا المسيحية وَسُلوكِنا كَمَسيحيين. فها هوذا القديسُ يوحنّا في رسالتِه الأولى، يُخاطِبُنا قائِلًا: "لا تَكُن محبّتُنا بالكلامِ ولا بالّلسانِ، بَل بالعملِ والحق" (1 يوحنا 18:3). والمسيح أيضًا ماذا قال: "ليسَ مَن يقول لي ((يا رب، يا رب)) يدخل ملكوتَ السّموات، بَل مَن يعمل بمشيئة أبي الّذي في السّموات" (متّى 21:7)
خلاصةُ القول: يَكفي حَديثًا ورياءً ومجاملة، يكفي مدحًا زائِفًا للذّات، صولات وجولات تُحاكي الخيال، وتغنٍّ بالأمجاد وبكاءً على الأطلال! لَقَد هَرِمنا قبل الأوان من كَثرة الكلام الّذي يصدعُ الرّأس، ولا يزيدُ النّفسَ سوى غَمًّا وانقباضًا، ويجعلُ في القلب كربًا وحَسرة.
لَو أَمعَنّا النّظر جيّدًا إلى مرجِع هذا النّص، نجدُ أنّنا في الفصلِ الأوّل من بشارة القدّيس مَرقس. هذا يَعني أنّنا في انطلاقةِ بشارةِ المسيح، وفي بداية رسالتِه العَلَنيّة. فَقبَل قليل أتمّ يسوعُ اعتمادَه في مياه الأردن، ثمّ خرج إلى البّريّة صائِمًا منتصرًا على تجارب إبليس، ثمّ دعا عددًا من تلاميذِه، والآن نَراهُ يدخل المجمع يومَ السّبت، ويعلّمُ بقوّة أَثَارت دَهشة الجميع، وربّما حسدَ آخرين وكيدَهم، فَقد أصبحَ لديهم منافسٌ على السّاحة.
ولو أَردنا القيامَ بتحليلٍ بسيط لحالة الجموعِ النّفسيّة، الّتي كانَت تستمِعُ إلى المسيح وتناظرُ صَنيعَه الّذي أتاه، وتسأَلنا: لماذا أُصيبَت تلكَ الجموعُ بالدّهشةِ والذّهول؟! لَوَجدنا أنّ هناكَ نوعًا من الإحباط يكتَنفُها والخَيبةِ يَسودُها، إذ كانَ النّاسُ مُحبَطين من القيادات والزّعامات الفارغة كالطّبول، ولم يجدوا عندهم ما يُشبِع جوعَهم ويروي ظَمَأَهم، يُساعِدهم ويُرشدهم، يُجيب على تساؤلاتِهم. فلِذلِك كانوا كالأرضِ العطشى، مُهيّأة لكلّ ما مِن شَأنِه أن يُروّيها. حينَها، ساعة تحدّث المسيحُ إليها، استطاعَ أَن يخطِف أبصارَها وأن يُحوّل قنواتِ اتّصالِها صوبَه. ولَكن إلى حين لَيس أكثر! فبالرغم من الإعجاب، وبالرّغم من كلّ ما عَلّم وعمِلَ لها من خير، إلّا أَنَّها قَابَلَته آخرَ الأمر بصرخاتِ الغدر وصيحاتِ الخيانة! وَالتَفَّتْ من جديد حول قياداتِها الفاشلة! فتشعر وَكأنّ العبودية خُصلة قبيحة متجذّرة في كثير من النّاس. فالحرية والانعتاقُ ثوبٌ لا يَليق بكثيرين. فصدقَ محمود درويش حين قال:
مَن رَضعَ مِن ثَديِ الذُّلِ دَهرًا رَأَى في الحُريّةِ خَرابًا وشرًّا
وهذا ما كان، يوم أَمَّ قيافا عَظيمُ كهنتِهم في الجموع، قائِلًا: "أنّه خَيرٌ لَكم أن يموتَ رجلٌ واحِدٌ عن الشّعبِ كلّه، ولا تَهلِكَ الأمّةُ بأسرِها" (يوحنّا 50:11).
أيّها الأحبّة، كانَ المسيحُ يُعلّم بِسُلطان! والّذي يملِكُ السّلطان يملِكُ مفاتيحَ القوّة والنّفوذ على الآخرين. والمشكلة تكمن عندما يُساء استخدام هذه السّلطان، وَيَفسدُ استعمالُ هذه السّلطة، لتصبِحَ نوعًا من التّجبّر والإيذاء، وبشكلٍ يحمل ضررًا للآخرين، وَتَؤول إلى قمعٍ وتَرهيبٍ وإذلالٍ وإكراه. ولَنا في ذلِك أمثلة كثيرة من واقعِ الشّعوب والأفراد.
أمّا المسيح يا سيّدات ويا سادة، فسلطانُه مُختلف، وَمُلكُه من نوع مغايرٍ تمامًا، سلطانه مَهيب دونَ أجهزة وأذرع، في لُطفٍ ودَعَة، جليلٌ دون سجونٍ وتعذيب، في سلامٍ وسَكينة، دون عنف وقَهر، وبِلا قسوة وصلابَة، هو الوديع المتواضع القلب. لم يأتِ بالحديد والنّار، ولا بسيفٍ ومِجنٍّ ورمحٍ ومجلَد، ولا برشّاش ولا بمدفع. بل أتى الّناس بِقوّةِ الكلِمة وَصدقِ الفعل، إذ كان هو الكلمة الّذي به كان كلّ شيء وبدونِه ما كانَ شيءٌ مِمّا كان (يوحنّا 3:1) الكلمةُ الّذي صار بشرًا فسكن بينَنا فرأينا مجدَه (يوحنّا 14:1) سلطانُ المسيح في كلمتِه، وكلمته حقٌّ وحياة، وسبيلُ نعمة وسلام، لكلِّ من يسمعُ ويؤمن.
يقولُ الحلّاج أحدُ المتصوّفين العَرب، في واحدة من قصائِده:
لي حَبيبٌ أَزورُ في الخَلَواتِ حاضِرٌ غائِبٌ عَنِ اللَحَظاتِ
ما تَراني أُصغي إِلَيهِ بِسِرّي كَي أَعي ما يَقولُ مِن كَلِماتِ
كَلَماتٍ مِن غَيرِ شَكلٍ وَلا نُطقٍ وَلا مِثلِ نَغمَةِ الأَصواتِ
حاضِرٌ غائِبٌ قَريبٌ بَعيدٌ وَهوَ لَم تَحوِهِ رُسومُ الصِفاتِ