موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
المرحلةُ الخامسة: سِمعان القِيرينيّ يعين يسوعَ على حمل الصليب
«وبَينما هم ذاهِبونَ بِه، أَمسكوا سِمعان، وهو رَجُلٌ قِيرينيٌّ كانَ آتِيًا مِنَ الرِّيف، فجَعَلوا علَيهِ الصَّليبَ لِيَحمِلَه خَلْفَ يَسوع» (لوقا 23: 26).
بعد سقطة يسوع الناصريّ الأُولى، ثمَّة شخصٌ ريفيّ قد أعانه –بعض الشيء– على حمل صليبه المنهِك، واسمه "سِمعان" (شمعون). ويعني هذا الاسم، وفقًا لجذوره الساميّة، "المستمع، والمطيع، والمستجيب". أجل، لقد أمسكوه عَنوةً وجبرًا، ولكنّه، انطلاقًا من اسمه، وربَّما من شخصه أيضًا، كان مستمعًا، ومطيعًا، ومستجيبًا.
لقد حَمَلَ "المستمع، والمطيع، والمستجيب" صليب الناصريّ؛ وبهذا المعنى فَعَلَ ما فعله يسوع من قبله، أي أنّه اقتفى أثره واحتذى به. والمفارقة الحقيقيّة أنّ سِمعان حمل الصليب ليس أمام يسوع المتعَب، وإنّما خلفه، أي كتلميذٍ يسير وراء معلّمه. وبكلماتٍ أُخرى أكثر وضوحًا، لقد استمع وأطاع كتلميذٍ حيال معلّمه؛ فكلُّ تلميذٍ مسيحيّ أصيل يحمل الصليب خلف معلّمه ويتبعه (متّى 16: 24-25). وعلى هذا النحو، ولكونه تلميذًا وتابعًا للمعلّم يسوع الناصريّ، استطاع سِمعان حَمْل الصليب الثقيل؛ فبالحقيقة، كيف لإنسانٍ –أيًّا كانت قدراته الجسمانيّة والنفسيّة– أن يحمل صليب ابن الله المتجسّد، معه وبعده؟
إنَّ كلّ مسيحيّ مدعوٌ، كتلميذٍ أصيل، إلى حَمْل صليب معلّمه يسوع المسيح؛ ليس حرفيًّا، وفي أورشليم القرن الأُوّل، وإنّما في عَالَمنا المعاصر، الذي لا يتنكّر لعمليّة حَمْل الصليب فحسب، وإنّما لصليب يسوع الناصريّ وحقيقته وجدوته وقوّته (1 قورنتِس 18: 23-24). فهل مِن صدى فينا لكلمات القدّيس بولس هذه: «فإِنِّي لم أَشَأْ أَن أَعرِفَ شَيئًا، وأَنا بَينَكُم، غَيرَ يسوعَ المسيح، بل يسوعَ المسيحَ المَصْلوب» (1 قورنتِس 2: 2). وهل سيجد يسوعُ الناصريّ في عصرنا، وبيننا، أيَّ "سِمعان"؟
ما حَدَثَ بين سِمعان القِيرينيّ ويسوع الناصريّ لهو نموذجٌ لنا في تعاملنا مع الآخرين وتعاملهم هم معنا أيضًا. فمَن منَّا لا يحتاج إلى "سِمعان القِيرينيّ" ليعينه –بعض الشيء– في جوانب شتّى من حياته؟ وهل يمكننا –بمحبّةٍ وحرّيّة وطاعة– أن نفعل مع الآخرين ما فعله سِمعان القِيرينيّ مع يسوع الناصريّ؟ لا شكّ أنّنا، من خلال هذا كلّه، نعين يسوعَ المسيح على حَمْل صليبه في عصرنا. «فَلْنَعْمَلِ الخَيرَ ولا نَمَلَّ، فنَحصُدَ في الأَوانِ إِن لم نَكِلّ. فما دامَت لَنا الفُرْصَةُ إِذًا، فَلْنَصنَعِ الخَيرَ إِلى جَميعِ النَّاس ولا سِيَّما إِلى إِخوَتِنا في الإِيمان» (غلاطية 6: 9-10).
المرحلةُ السادسة: فيرونيكا تمسح وجهَ يسوعَ بمنديل
«إِستَمِعْ يا رَبِّ، إِنِّي أَصْرُخُ صُراخًا، فٱرحَمْني وٱستَجِبْ لي. فيكَ قالَ قلبي: "إِلتَمِسْ وَجهَه"، وَجهَكَ يا رَبِّ أَلتَمِس. لا تَحجُبْ وَجهَكَ عنِّي، ولا تَنبِذْ بِغَضَبٍ عَبدَكَ. ناصِرًا كُنتَ لي فلا تَخْذُلْني، ولا تَترُكْني يا إِلٰهَ خَلاصي» (مزمور 27: 7-9).
وفقًا لتقويّات مراحل أو محطات دَرْب الصليب، قد اقتربت امرأةٌ قدّيسة، واسمها "فيرونيكا"، لكي تمسح وجهَ يسوع الناصريّ بمنديل. وإن لم تكن "فيرونيكا" إشارةً إلى اسم عَلَمٍ وشخصٍ تاريخيّ، أي اسم امرأةٍ ما قد سعت لمقابلة يسوع في دَرْب صليبه، فعلى الأرجح أنّ الأمر المهمّ هنا هو معنى اسمها. فلفظة "فيرونيكا" مكوّنة من مقطعَيْن، بمعنى: الإيقونة أو الصورة الحقيقيّة. لذا، فثمَّة إشارةٌ واضحةٌ، لا لمجرّد فِعْلها (مسحها لوجه يسوع)، وإنّما للإيقونة الحقيقيّة، أي وجه الربّ يسوع. وبكلماتٍ أُخرى، وجهُ يسوع الناصريّ، اللوغُس المتجسّد، هو الإيقونة الحقيقيّة لإله البشريّة الحيّ.
وعلى هذا النحو، ربَّما تشير شخصيّةُ "فيرونيكا" واسمها إلى البشريّة جمعاء في بحثها عن وجه الربّ، الإله الحقيقيّ والحيّ؛ ولكنّ هذا الإله الذي بحثت عنه البشريّة برمّتها، منذ الأزمنة الغابرة، وعبر أنماطٍ وأشكال وصور ملتبسة، وبطرقٍ مباشرة وغير مباشرة، قد ترك لنا وجه الكريم مطبوعًا في وجه ابنه يسوع المسيح. وقد أكَّد العهدُ الجديد على أنّ وجه الربّ الإله غير المرئيّ قد تجسّد في وجه يسوع الناصريّ المرئي؛ إذ «إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ، الابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب هو الَّذي أَخبَرَ عَنه» (يوحنّا 1: 18). فمَن يرى وجهَ يسوع المسيح، يرى وجهَ الله الحقيقيّ والحيّ.
إن كان هذا الإعلان الإلهيّ ينطبق على حياة يسوع بأسرها، فكم بالحريّ وجه الربّ الخاصّ بمراحل أو محطات دَرْب الصليب! أجل، إنّ وجهَ المصلوب المتألّم هو الوجه الحقيقيّ للإله تعالى: «لا صورَةَ لَه ولا بَهاءَ فنَنظُرَ إِلَيه، ولا مَنظَرَ فنَشتَهِيَه. مُزدَرًى ومَتْروكٌ مِنَ النَّاس، رَجُلُ أَوجاعٍ وعارِفٌ بِالأَلم، ومِثلُ مَن يُستَرُ الوَجهُ عنه، مُزدَرًى فلَم نَعبَأْ بِه» (أَشَعْيا 53: 2-3). فجمالُ محبّة الله تعالى قد سَطَعَ في وجه المصلوب المتألّم! أجل، إنّه جمالٌ إلهيٌّ فريدٌ من نوعه، فليس هو مجرّد جمال الله في الخليقة والمعابد والبشر فحسب، وإنّما في وجه المصلوب المتألمّ! ولكنّ وجهَ المسيح ليس وجه الإله الحقيقيّ فحسب، وإنّما وجه الإنسان الحقيقيّ أيضًا، إذ إنّه هو "آدم الجديد"، أي البشريّة الجديدة.
وانطلاقًا من هذا كلّه، هل تلامسنا مع وجه الربّ، الإله الحقيقيّ والحيّ؟ وهل أنا وأنت وأنتِ "إيقونةٌ حقيقيّة" ليسوع الناصريّ؟ وأين نجد وجهه اليوم؟ وهل ندرك أنّ وجهه هذا منعكسٌ –بشكلٍ واقعيّ– اليوم، في وجه الآخرين جميعًا، ولا سيّما في وجه أخوته الصغار، خاصّة المتألّمين والفقراء والجَوْعى والعِطاش والغرباء والعُريانين والمرضى والسجناء (متّى 25: 31-46)؟
المرحلةُ السابعة: يسوعُ يقع تحت الصليب للمرّة الثانية
«لقَد حَمَلَ هو آلامَنا واحتَمَلَ أَوجاعَنا، فحَسِبْناه مُصابًا مَضْروبًا مِنَ اللهِ ومُذَلَّلًا. طُعِنَ بِسَبَبِ مَعاصينا وسُحِقَ بِسَبَبِ آثامِنا، نَزَلَ بِه العِقابُ مِن أَجلِ سَلامِنا، وبجُرحِه شُفينا. كُلُّنا ضَلَلْنا كالغَنَم، كُلُّ واحِدٍ مالَ إِلى طَريقِه، فأَلقى الرَّبُّ علَيه إِثمَ كُلِّنا. عُومِلَ بِقَسوَةٍ فتَواضَع، ولم يَفتَحْ فاهُ، كحَمَلٍ سيقَ إِلى الذَّبْحِ، كنَعجَةٍ صامِتَةٍ أَمامَ الَّذينَ يَجُزُّونَها، ولم يَفتَحْ فاهُ» (أَشَعْيا 53: 4-7).
إنّها المرّةُ الثانية التي يسقط فيها يسوعُ الناصريّ! يا ترى، لماذا أرادت تقويّات مراحل أو محطات دَرْب الصليب أن يسقط مرّةً أُخرى؟ لقد أشارت سقطةُ يسوع الأُولى إلى بشريّته (ناسوته أو إنسانيّته) التامّة، وخاصّة إلى قوّة إرادته وطاقته البشريّتين. وأمَّا هذه السقطة الثانية والقيام منها، تعلن أمرًا آخر مهمًّا بالنسبة للناصريّ ولنا، ألا وهو "قوّة الأمانة والمثابرة"، أو بتعبيرٍ أدّق إلى أمانة إرادته ومثابرتها واستمراريّتها، للبلوغ إلى الهدف الأسمى المنشود.
إنَّ حياتنا البشريّة لا تقتصر على سقطةٍ واحدةٍ فحسب، وإنّما تشمل سقطاتٍ عدّة؛ وقد يؤدّي بنا هذا إلى الإحباط واليأس والقُنُوط والاستسلام وانعدام الرجاء. وكثيرًا ما نجد أنفسنا عاجزين وبلا قوّة، وأنّ قوّة الإرادة وحدها غير كافية، وأنّنا لا نريد أو بالأحرى لا نقوى على الجهاد الروحيّ. فكيف لنا الانتقال من يأسنا وقُنُوطنا إلى الرجاء؟ أجل، ففي هذه الحالة، ثمَّة حاجةٌ إلى قوّة الأمانة والمثابرة والاستمراريّة. وعلى نحوٍ آخر، لم يَعد لدى بَشْر اليوم، ولا سيّما الشباب والشبات، صبرٌ وتأنّي ومثابرة؛ فبَات الجميعُ يبحث عن نجاحات سهلة وسريعة، وانتصارات غير أمينة وغير شريفة. أجل، فنحن في زمنٍ قد فُقِدَ فيه الصبرُ والتأنّي والمثابرة والأمل والرجاء، والجميع يريد كلَّ شيءٍ دَفعةً واحدة. فما العمل إزاء هذا الوضع؟
لقد قام يسوعُ المسيح من سقطته الثانية أيضًا، انطلاقًا من أمانة إرادته ومثابرتها واستمراريّتها؛ وهكذا قد انتصر لنا على اليأس والقُنُوط بجميع أنواعهما وأنماطهما. أجل، لقد سَقَطَ هو على الأرض حرفيًّا، حتّى لا نيأس نحن من جرّاء سقطاتنا المتكرّرة مجازيًّا؛ وقام هو من سقطته الثانية، حتّى نقوم معه وبه من سقطاتنا أيضًا، ويصير نموذجًا يُحتذَى به من قِبل الساقطين أجمعين، ولا سيّما اليائسين من سقطاتهم المتعدّدة والمتكرّرة. إنّها مفارقةٌ عجيبة، إذ إنّ سقطة يسوع الناصريّ تنقلنا من حالة اليأس والقُنُوط، إلى موقف الرجاء، ومن اليأس من حالنا وأخطائنا وخطايانا إلى الرجاء في رحمة الله ونعمته.
المرحلةُ الثامنة: يسوعُ يُعزّي بنات-نِساء أورشليم
«وتَبِعَه جَمعٌ كثيرٌ مِنَ الشَّعب، ومِن نِساءٍ كُنَّ يَضرِبنَ الصُّدورَ ويَنُحنَ علَيه. فالتَفَتَ يَسوعُ إِليهِنَّ فقال: "يا بَناتِ أُورَشَليمَ، لا تَبكِينَ عَليَّ، بلِ ابكِينَ على أَنفُسِكُنَّ وعلى أَولادِكُنَّ. فها هي ذي أَيَّامٌ تَأتي يقولُ النَّاسُ فيها: طوبى للعواقِرِ والبُطونِ الَّتي لم تَلِدْ، والثُّدِيِّ الَّتي لم تُرضِعْ. وعِندَئِذٍ يأخُذُ النَّاسُ يَقولونَ لِلجِبال: أُسقُطي علَينا، ولِلتِّلالِ: غَطِّينا. فإِذا كانَ يُفعَلُ ذٰلك بِالشَّجَرَةِ الخَضْراء، فأَيًّا يَكونُ مَصيرُ الشَّجَرَةِ اليابِسة؟"» (لوقا 23: 27-31).
إنَّ مرحلة أو محطة دَرْب الصليب هذه، لها جذورٌ كتابيّة؛ فهي واردةٌ في بشارة القدّيس لوقا، وفي هذا الموضع فقط. وهي بدورها مقابلةٌ جديدة ليسوع الناصريّ مع طرفٍ آخر، وهذة المرّة مع بنات-نِساء أورشليم؛ فدَرْبُ صليبه هو دَرْبُ مقابلات ولقاءات مع أشخاصٍ متنوّعة، من الرجال والنساء. وبالطبع، يمكن التأمّل في هذا المشهد من منظور "تعزية" يسوع لبنات-نِساء أورشليم، ومن خلالهنَّ نساء العالم بأسره. ولكن، ربَّما الأمر المهمّ هنا، بالنسبة لجميع الرجال والنساء، ليس "تعزية" يسوع للنساء ولنا فحسب، وإنّما "نُبُوّته" لنا وللبشريّة جمعاء. وبكلماتٍ أُخرى، تُظهِر هذه المرحلة أو المحطة من دَرْب الصليب، البُعد "النبويّ" من شخصيّة يسوع الناصريّ، إذ إنّه "النَّبيّ" –وإن كان أكثر من نَبيٍّ– الذي يقرأ واقعه وواقعنا في ضوء إرادة الله وكلمته.
لقد أدرك يسوعُ المسيح أنّه مع كونه "بَريئًا" و"صالحًا" و"محِبًّا" و"شجَرَةً خَضْراء"، قد فعلوا به هذا كلّه؛ فماذا عنَّا نحن، "الشَّجَرَة اليابِسة"؟! وبهذا المعنَى، علينا أن نبكي على أنفسنا وأولادنا وأحوالنا من جرّاء ما يحدث لنا وحولنا. أجل، قبل أن نسعى لنوال "تعزية" الربّ يسوع، علينا أن نتقبّل نُبُوّته، ونطرح تساؤلاتٍ صادقة وجادّة إزاء واقعنا الحالي وأيامنا المعاصرة. وبناءً عليه، ينبغي لنا أن ننشغل بحياتنا وعائلاتنا وكنائسنا ورجال إكليروسنا وشعوبنا وأوطاننا، ونبكي لما يحدث لهم وفيهم ومنهم.
انطلاقًا ممَّا سَبَقَ، ماذا لو سألنا السّيّدُ المسيح عن أحوالنا، وأحوال عائلاتنا وكنائسنا ورجال إكليروسنا وشعوبنا وأوطاننا؟! فماذا سيكون جوابنا الصادق والواقعيّ على سؤاله؟ وهل حقًّا حالنا بات أفضل من حاله؟ وماذا فعلنا بأنفسنا وعائلاتنا وكنائسنا ورجال إكليروسنا وشعوبنا وأوطاننا؟ وماذا فعلوا هم بنا؟ وكيف ومتّى أصبحنا ما نحن عليه الآن؟
إنّها لدعوةٌ ملحّة إلى مراجعة الذات والتوبة والاهتداء وإعادة حسباتنا، ليس فيما يتعلّق بنا وبأحوالنا فحسب، وإنّما فيما يتعلّق بعائلاتنا وكنائسنا ورجال إكليروسنا وشعوبنا وأوطاننا.
المرحلةُ التاسعة: يسوعُ يقع تحت الصليب للمرّة الثالثة
«فقالَ لي: "حَسبُكَ نِعمَتي، فإِنَّ القُدرَةَ تَبلُغُ الكَمالَ في الضُّعف". فإِنِّي بِالأَحرى أَفتَخِرُ راضِيًا بِحالاتِ ضُعْفي لِتَحِلَّ بي قُدرَةُ المَسيح. ولِذٰلِك فإِنِّي راضٍ بِحالاتِ الضُّعفِ والإِهاناتِ والشَّدائِدِ والاضطِهاداتِ والمَضايِقِ في سَبيلِ المسيح، لِأَنِّي عِندَما أَكونُ ضَعيفًا أَكونُ قَوِيًّا» (2 قورنتِس 12: 9-10).
لقد وَقَعَ يسوعُ الناصريّ تحت صليبه للمرّة الثالثة! لا شكّ أنّ دَرْب صليب يسوع يجعلنا نراجع دَرْبنا ودروب الآخرين؛ فما هو المَغْزى، يا ترى، من مرحلةِ أو محطة دَرْب الصليب هذه؟ بدايةً، علينا ملاحظة أنّ هذه هي السقطة "الثالثة" للناصريّ؛ أعني أنّه علينا التركيز على الرقم "ثلاثة"، فيبدو أنّه مهمٌّ للغاية. فمن خلال تكرار هذا الرقم في عدّة مواضع ونصوص من العهد الجديد، نستشفّ أنّه قد يعنى بدوره "التشديد" و"التأكيد" و"التغليظ" و"الإلحاح"، ومن ثمَّ، "الخطورة" و"الجسامة". فيمكننا أن نتذكّر –على سبيل المثال لا الحصر– تجارب يسوع الثلاث في البرّيّة (متّى 4: 1-11؛ لوقا 4: 1-13)، وإعلاناته المسبقة الثلاثة عن آلامه وموته وقيامته (مرقس 8: 31-33؛ 9: 30-32؛ 10: 32-34)، وإنكار بطرس له مرّات ثلاث (مرقس 14: 30؛ 14: 66-71؛ متّى 26: 34؛ 26: 69-75؛ لوقا 22: 34؛ 22: 55-62)، وسؤال يسوع الثلاثيّ لبطرس عن محبّته له (يوحنّا 21: 15-19)؛ فهذا كلّه يعني بدوره التشديد والتغليظ وخطورة الموقف وجسامته.
مع هذه السقطة الثالثة، لم تَعُد تكفي قوّة الإرادة (كما في السقطة الأُولى)، ولا قوّة الأمانة والمثابرة (كما في السقطة الثانية)، وإنّما ثمَّة حاجةٌ ملحّة إلى المعونة والنعمة الإلهيّتَيْن، وإلى الرجاء بالله أبيه وحده، الذي «يُسانِدُ جَميعَ السَّاقِطين، ويُنهِضُ كُلَّ الرَّازِحين» (مزمور 145: 14)؛ و«يُؤْتي التَّعِبَ قُوَّةً، ولِفاقِدِ القُدرَةِ يُكثِرُ الحَول. الفِتْيانُ يَتعَبونَ ويُعيَون. والشُّبَّانُ يَعثُرونَ عِثارًا. أَمَّا الرَّاجونَ لِلرَّبّ فيَتَجَدَّدونَ قُوَّةً، يَرتَفِعونَ بِأَجنِحَةٍ كالعِقْبان، يَعْدونَ ولا يُعْيَون، يَسيرونَ ولا يَتعَبون» (أَشَعْيا 40: 29-31). أجل، لقد احتاجت بشريّةُ (ناسوت أو إنسانيّة) يسوع الناصريّ التامّة، إلى المعونة والنعمة الإلهيّتَيْن، وكذلك "للتألُّه" أيضًا؛ حتّى يمكن للإنسان أن يتألّه –بنعمة الله– بواستطها وعلى مثالها.
كَمْ من مرّةٍ في جهادنا الروحيّ اليوميّ لا تكفنا قوّة الإرادة، ولا قوّة الأمانة والمثابرة، ونضحى في أمسّ الحاجة إلى المعونة والنعمة الإلهيّتَيْن؛ ونحتاج بشدّةٍ إلى هذه الكلمات الخلّابة: «حَسبُكَ نِعمَتي، فإِنَّ القُدرَةَ تَبلُغُ الكَمالَ في الضُّعف» (2 قورنتِس 12: 9)؟ وفي هذه الحالة عَيْنها، لا نختبر مدى هشاشة إنسانيّتنا وإنساننا الداخليّ وجهادنا الروحيّ فحسب، بل نختبر –بألمٍ وفرحٍ في آنٍ واحدٍ– أُبُوّة الله لنا، ونعمته تجاهنا.
من جهةٍ أُخرى، إنّ سقطات يسوع الناصريّ الثلاث فوق الأرض وهو حيٌّ، من جرّاء ثِقَل الصليب، هي تمهيدٌ لوقوعه تحت الأرض مائتًا بعد إنزاله من على خشبة الصليب؛ وكذلك نهوضه من سقطاته الثلاث، هو تمهيدٌ لنهوضه العظيم والمنتصر على السقطات كلّها، وعلى الهوان والموت والشرّ أيضًا. إنّه، على غرار "حَبَّةِ خَردَل" (مرقس 4: 31-32)، عليه أن يقع ليقوم، ويسقط لينهض، ويموت ليحيا؛ «ولٰكِنَّنا في ذٰلِكَ كُلِّه فُزْنا فَوزًا مُبينًا، بِالَّذي أَحَبَّنا» (رُومة 8: 37).
[يُتبَع]